الليلة اﻻخيرة في زنزانة الشيخ الإسكيليبلي.. شهيد معركة الهوية الإسلامية بتركيا الحديثة

شتاء ثقيل في اﻻناضول

كان الشتاء ثقيلا في يناير سنة 1926، كانت الرياح القادمة من البحر الأسود تعصف بأزقة المدن التركية، وتحمل معها شيئا أكبر من البرد، كانت تحمل شعورا عاما بأن البلاد التي عرفها الناس لم تعد هي البلاد نفسها.
قبل سنوات قليلة فقط، كانت المآذن ترفع الأذان في ظل دولة امتدت قرونا على امتداد جغرافيا واسعة، وكان الطربوش الأحمر في ربوعها يعلو رؤوس الرجال في الأسواق والدوائر الرسمية، رمزا لعهد كامل من التاريخ الإسلامي العثماني. لكن الزمن انقلب فجأة، وتبدلت الملامح وسقطت الخلافة، وبدأت تركيا تدخل عصرا جديدا؛ أراده مصطفى كمال أتاتورك مختلفا عن كل ما سبقه.
فكانت حربا شعواء على الطربوش الذي رأى فيه الحكم الجديد أنه رمز لدولة الخلافة يلعوا رؤس اﻻتراك، وﻻبد لهذا الرمز ان يزول من رؤسهم تمهيدا لإزالة من قلوبهم مهما كلف الثمن، فأخذ رجال الشرطة يتعقبون الأتراك في الشوارع، لينزعوا الطرابيش من فوق رؤوسهم بالقوة، وعندئذ سادت البلاد موجة من الغضب العارم، وفي يوم الخميس 21 يناير 1926 حدثت ثورة في مدينة كريسون التركية أطلق عليها اسم “ثورة القبعة” لأنها كانت ضد قانون القبعة الذي أصدره مجلس الأمة التركي.
في تلك الأيام المضطربة، لم يكن الصراع يدور حول قطعة قماش توضع على الرأس فحسب، بل حول هوية أمة بأكملها.
ومن بين الأصوات التي ارتفعت معترضة، كان صوت عالم تركي هادئ الملامح قوي الحجة، اسمه الشيخ محمد عاطف أفندي الإسكيليبلي.
ولد عام 1876 في قرية إسكيليب، ثم انتقل إلى إسطنبول حيث انشغل بالعلم والتعليم والعمل الإسلامي، حتى أصبح من أبرز علماء عصره؛ لكنه لم يكن يعلم أن اسمه سيكتب لاحقا في صفحات التاريخ مقرونا بأحد أكثر الأحداث إثارة للجدل في تركيا الحديثة.

شوارع رعب

تخيل نفسك تسير في شوارع إسطنبول آنذاك.
رجال الشرطة ينتشرون في الطرقات.
الوجوه متجهمة.
والناس يتبادلون الأخبار بصوت خافت.
لقد صدر قانون القبعة.
قرار أرادت به السلطة الجديدة استبدال العمامة والطربوش بالقبعة الأوروبية، في إطار مشروع واسع لإعادة تشكيل المجتمع التركي على النمط الغربي.
كان كثيرون يرون الأمر مجرد تغيير في اللباس.
لكن آخرين رأوا فيه محاولة لاقتلاع الرموز التي ارتبطت بتاريخهم ودينهم.
وسط هذه الأجواء، أصدر الشيخ عاطف أفندي كتابا بعنوان )تقليد الإفرنج والقبعة(، انتقد فيه التقليد الأعمى للغرب، ودعا المسلمين إلى الاستفادة من العلوم والتقدم دون التخلي عن أخلاقهم ومقدساتهم.
ومما قاله:
“على الأمة الإسلامية ألا تقلد الغرب تقليدا أعمى يأخذ بالسطحيات، وعلى المسلمين الأخذ بما ينفعهم فقط، وأن يطوروا أنفسهم دون التنازل عن أخلاقهم ومقدساتهم”.
كانت كلمات تبدو هادئة على الورق؛ لكنها في تلك المرحلة المشحونة سياسيا كانت أشبه بشرارة تسقط فوق حقل جاف ثم جاء يوم اشتعل فيه الغضب.. في يناير 1926 اندلعت “ثورة القبعة”، رفضا للقانون الجد وسرعان ما بدأت حملة الاعتقالات، شملت العلماء والدعاة وكل اطياف الشعب، حيث يساق المحتجون إلى السجون، وكان الشيخ عاطف أفندي في مقدمة المعتقلين.
اقتيد الرجل الذي تجاوز الخمسين من عمره إلى زنزانته، بينما كانت المحكمة الاستثنائية تستعد للنظر في قضيته.
وفي الليلة الأخيرة بزنزانته الباردة حدث أمر غريب.
أمر ظل يتناقله الناس سنوات طويلة بعد ذلك.

الليلة الأخيرة

دعنا ندخل معا إلى الزنزانة.
الليل ساكن.
والمصباح الخافت يلقي ظلالا مرتجفة على الجدار.
يجلس الشيخ على الأرض ممسكا بورقة.
إنها ورقة الدفاع التي طلب منه القاضي إعدادها.
بدأ يكتب.
ثم يكتب.
ثم يتوقف.
فالأيام الماضية أنهكته.
والسهر الطويل أثقل جفنيه.
شيئا فشيئا غلبه النعاس.
فسقط رأسه قليلا ونام.
دقائق قليلة فقط.
ثم فجأة فتح عينيه.
لكن شيئا ما كان قد تغير.
اختفت علامات الإرهاق من وجهه.
وحلت محلها ابتسامة هادئة عميقة.
ابتسامة لم يفهمها من حوله.
سأله صاحبه في السجن:
ماذا حدث يا شيخ؟
فأجاب بصوت مطمئن:
حصل المراد من النوم.
ثم روى أنه رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له:
“يا عاطف، أتشغل نفسك بالدفاع عن نفسك، ولا تريد اللحاق بنا؟”
ساد الصمت والحيرة على وجوه مستمعيه..
أما الشيخ فكان ينظر إلى ورقة الدفاع أمامه وكأنه لم يعد بحاجة إليها.
ثم قال بهدوء:
سيحكمون علي بالإعدام.
وسألتحق بحبيب الله صلى الله عليه وسلم.
اعترض من حوله.
فحتى الادعاء العام لم يكن يطالب باﻻعدام..
لكن الشيخ ظل واثقا بصورة أثارت دهشتهم.
ثم أمسك ورقة الدفاع التي قضى ساعات في كتابتها…
ومزقها.

طلع الصباح.
اجتمعت المحكمة.
وتلا القاضي الحكم.
الإعدام.
فورا.
كما لو أن الشيخ كان يقرأ ما كتب له قبل أن يعلن.
وفي فجر الرابع من فبراير سنة 1926، وبينما كانت المدينة لا تزال غارقة في ظلام الشتاء، نفذ الحكم.
أسدل الستار على حياة الشيخ عاطف أفندي الإسكيليبلي.

لكن قصته لم تنته هناك.
فبعد مرور قرن تقريبا، ما زال اسمه يذكر كلما عاد الحديث عن تلك المرحلة العاصفة من تاريخ تركيا؛ مرحلة تصادمت فيها الرؤى حول هوية البلاد ومستقبلها، ودفع فيها رجال كثيرون أثمانا باهظة بسبب مواقفهم وقناعاتهم.
ويبقى المشهد الأكثر رسوخا في الذاكرة:
شيخ يجلس في زنزانة باردة، يمسك ورقة دفاعه، ثم يمزقها بهدوء بعد رؤيا اعتبرها بشارة بالرحيل…
وكأنه كان يرى الفجر الأخير قبل أن يراه الجميع.
وهكذا اسدل الستار على حياة ازهقت في سبيل الحق، وعجرت الروح مفارقة الجسد، لتستقر في عليين، حيث الكتاب المرقوم الذي ﻻ يشهده الا المقربون..
وما هي اﻻ ايام معدودة نعدها في حساباتنا الارضية سنين او عقود، ليسدل الستار على حياة ثانية عاشت تصد عن سبيل الله، وتنفق انفاسها لتطفيء نور الله، فخرجت الروح فلم تجد لها معراجا، فاقتيدت الى سجين في تخوم اﻻرض السابعة حيث تقيد الارواح الخبيثة.
اذا هو مصير واحد ونهاية مختلفة، وشتان بين النهاية السعيدة، والنهاية التعيسة البائسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top