بوادر تحول بولاءات الوكلاء تنذر بانهيار مشروعها التوسعي
(فاتاهم الله من حيث لم يحتسبوا)
بدأت الإمارات بالبحث عن شبكة أمان مالية لمعالجة تداعيات حرب إيران، التي وضعت اقتصادها في زاوية حرجة، وتحاول الحصول على خط مبادلة دولارية لتفادي أزمة سيولة خانقة.
ولم تجد سوى حليفتها (المفترضة) الولايات المتحدة الأمريكية للخروج من عنق الزجاجة، لذلك تجري محادثات مع واشنطن للحصول على دعم مالي احتياطي، في خطوة تعكس تصاعد القلق من تداعيات الحرب على الاستقرار الاقتصادي والمالي للدولة.
وتشير تقارير صحفية إلى أن محافظ مصرف الإمارات المركزي خالد محمد بالعمى، طرح خلال اجتماعات في واشنطن الأسبوع الماضي فكرة إنشاء “خط مبادلة عملات” (Currency Swap Line) مع وزارة الخزانة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي بهدف ضمان الوصول للسيولة الدولارية.
وتشير معطيات لـ(Wall Street Journal وReuters) إلى أن دخول ابو ظبي في محادثات مع الولايات المتحدة بهذا الخصوص، يعكس تحولا من حالة الاطمئنان المالي إلى مرحلة التحوط الاستباقي ضد سيناريوهات أزمة سيولة دولارية.
هذه الخطوة لا يمكن قراءتها كإجراء تقني فقط بل باعتبارها مؤشرا على تغيير في تقييم المخاطر لدى صانع القرار الإماراتي، خاصة في ظل تصاعد الحرب مع إيران واحتمالات اتساعها إقليميا.
وبهذا ينتقل الاقتصاد الإماراتي من الاستقرار إلى إدارة المخاطر، والسبب يكمن في اعتماد على احتياطيات نقدية قوية، مع
ربط ثابت للعملة بالدولار، وتدفقات مستقرة من عائدات النفط.
لكن طلب “خط مبادلة” يعني أن هذه الركائز لم تعد كافية وحدها في بيئة صراع مفتوحة.
الاقتصاد الإماراتي كباقي اقتصادات دول الخليج العربي، يعمل ضمن منظومة الدولار النفطي حيث؛ تسعير النفط يتم بالدولار، والاحتياطيات مقومة بالدولار، والثقة المالية مرتبطة باستقرار العلاقة مع النظام المالي الأمريكي، وبالتالي أي اضطراب في تدفق الدولار يتحول سريعا إلى مخاطر سيادية وليس مجرد خلل نقدي.
يشار الى أن خطوط المبادلة أداة جيوسياسية، وبنظرة تاريخية نجد أن واشنطن استخدمت خطوط المبادلة خلال أزمات مالية مثل؛ أزمة عام 2008، وازمة جائحة كورونا لدعم حلفائها؛ لكن هذه الأداة ليست محايدة، بل تستخدم ضمن إطار النفوذ المالي الأمريكي العالمي.
اسباب الضغط على الاقتصاد؟
استمرار الحرب يلحق أضرارا كبيرة باقتصاد الإمارات؛ ويقوض مكانتها كمركز مالي عالمي، بسبب مخاطر هروب رؤوس الأموال، التي تفضل التحول نحو الأصول الآمنة (الدولار، السندات الأمريكية)، وتتجه في الازمات لتقليص التعرض للأسواق الإقليمية، وهو ما يهدد أحد أعمدة النمو الإماراتي القائم على الاقتصاد المالي المفتوح.
بالاضافة الى ذلك هناك؛ تهديد سلاسل تدفق الدولار التي تعتمد على تدفقاتها الامارة النفطية الصغيرة، من خلال صادرات النفط التي توقفت بسبب اغلاق مضيق هرمز، فضلا عن تعطل قطاع الخدمات (السياحة، الطيران، المال).
ويرتبط الدرهم الإماراتي بالدولار الأمريكي منذ عقود، وهو ما يجعل توفر العملة الأمريكية عنصرا حيويا للاستقرار المالي، فمعظم تجارة النفط العالمية تتم بالدولار، وأي نقص في السيولة الدولارية ينعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي لذلك؛ الحفاظ على ربط العملة يتطلب احتياطيات قوية من الدولار.
وتستخدم خطوط المبادلة كأداة تمنح البنوك المركزية وصولا سريعا إلى الدولار لدعم العملة والأسواق خلال الأزمات.
قيادة ابو ظبي حمّلت حليفتها واشنطن مسؤلية ازمتها المالية، وأفادت تقارير غربية أن المسؤولين الإماراتيين ربطوا بشكل غير مباشر الأزمة الاقتصادية بالتصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، معتبرين أن الحرب أدخلت بلادهم في صراع لم تختره، وهو ما فهم على ان طرح طلب الدعم المالي من امريكا يحمل بعدا سياسيا يتجاوز كونه اجراء اقتصاديا، وقد ألمح مسؤولون إماراتيون إلى أنه في حال نقص الدولار قد تضطر بلادهم إلى بيع النفط بعملات بديلة مثل اليوان الصيني، وهذا التوجه يشكل تحديا لهيمنة الدولار في سوق الطاقة العالمية، وهو ما اعتبر ورقة ضغط ومساومة.
رابط
الأزمة تهدد الدور الإقليمي وشبكة الوكلاء
تراكمت لدى ابو ظبي خلال العقود الماضية فوائض مالية كبيرة، فطرح صانع القرار على نفسه سؤالا استراتيجيا؛ ماذا نفعل بكل هذه القوة المالية في بيئة إقليمية مضطربة؟.
الإجابة كانت؛ تحويل المال إلى نفوذ جيوسياسي من خلال الاستثمار الاقتصادي في مناطق الاضطراب، ومن خلال التموضع السياسي في تلك المناطق.
وبناء على ذلك استثمرت أبو ظبي في موانئ استراتيجية، ودعمت أطرافا سياسية وعسكرية، وبنت شبكات نفوذ غير مباشرة، واعتمدت نموذج الحرب منخفضة التكلفة، وبدل التدخل العسكري المباشر اعتمدت على دعم قوى محلية، وعبر تمويل وتسليح جماعات مسلحة، وإدارة الصراع عبر الوكلاء.
هدفها الاساسي من ذلك؛ تأمين المجال الحيوي من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي، لضمان خطوط التجارة وأمن الطاقة والسيطرة على الموانئ، ومنع صعود خصوم إقليميين على راسهم الاخوان المسلمين، ثم تركيا وإيران، سعيا وراء صناعة دولة أكبر من حجمها الجغرافي، أي تحويل دولة صغيرة جغرافيا إلى فاعل إقليمي ثقيل الوزن عبر تاجيج الحروب والصراعات باستخدام الفوائض المالية.
من هنا فإن أي تراجع في المال والسيولة الدولارية سيؤدي بالضرورة إلى اهتزاز هذه الاستراتيجية.
ولتحقيق ذلك بنت خلال العقد الماضي شبكة نفوذ عبر دعم مليشيات محلية مسلحة كما في السودان واليمن وليبيا والصومال وغيرها، وتمويل شبكات لوجستية عابرة للحدود، والاستثمار في الموانئ والموارد.
ووجهت منظمات دولية وأممية، اتهامات للامارات بدعم قوات الدعم السريع السودانية عسكريا ولوجستيا، عبر استخدام شبكات إمداد عبر ليبيا وتشاد لنقل السلاح، إلى درجة ان الحرب السودانية أصبحت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميا، وجلبت تدخلات خارجية وتؤكد تقارير صحفية وأممية انها دعمت على مدى طويل قوات خليفة حفتر بالسلاح والامداد الجوي، كما استخدمت الأراضي الليبية كممر لوجستي نحو السودان.
وقدمت الدعم المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، من خلال التمويل المالي، ونقل مقاتلين بما في ذلك عناصر من السودان لخدمة الأجندة العسكرية.
كيف تؤثر الأزمة الاقتصادية؟
الحروب بالوكالة ليست رخيصة، فهي تتطلب تمويل مستمر للميليشيات، عبر شراء أسلحة ونقلها، وإدارة شبكات تهريب معقدة، ودفع مرتبات المقاتلين، وكلفة بقاء وديمومة معسكرات المليشيات وتحركاتها.
ومع أي أزمة سيولة تتحول هذه الشبكات من أداة نفوذ إلى عبء مالي ثقيل، بسبب فقدان القدرة على الاستمرار في دعم خطوط الإمداد، وذلك بسبب هشاشة الولاءات العسكرية، فالميليشيات المدعومة خارجيا تحكمها قاعدة بسيطة؛ الولاء لمن يدفع أكثر، وفي حال تراجع التمويل الإماراتي قد تنشق الفصائل أو تتحول إلى داعمين آخرين مثل روسيا، او إيران، أو قوى محلية، أو تدخل في صراعات داخلية بين بعضها البعض.
هل تدعم الإمارات قوات الدعم السريع؟
الدعم الخارجي في السودان كان عاملا رئيسيا في استمرار الحرب، وقد ساهم الدعم الاماراتي لمليشيات “حميتي” في إطالة أمد النزاع، وفي حال تراجع الدعم ستضعف قوات الدعم السريع، ما يؤدي الى تقدم الجيش السوداني أو دخول أطراف جديدة في الصراع، أو تسريع مسار التسوية السياسية
في ليبيا قوات حفتر تعتمد على الدعم المالي والإمدادات العسكرية الاماراتية، وتقليص الدعم يعني فقدان القدرة على السيطرة الميدانية، وتراجع نفوذ حفتر شرق ليبيا، وصعود منافسين له.
على الجبهة اليمنية سيحدث انكماش بالمشروع الانفصالي للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يعتمد على دعم إماراتي مباشر، واي تراجع في التمويل يضعف قدرته على السيطرة، ويعزز موقع الحكومة الشرعية، وقد يؤدي إلى إعادة توحيد مراكز القوة.
البداية في السودان
ما ذكرناه آنفا بدأ يتحقق فعليا أثناء كتابة هذا التقرير؛ حيث ظهرت في الافق بوادر تفكك الدعم السريع في السودان بالتزامن مع تراجع الدعم الإماراتي.
إذ أعلن الجيش السوداني تنفيذ عمليات تمشيط واسعة في محور شمال كردفان، شملت مناطق؛ كازقيل وشواية والحمادي والديبيبات، في أول تحرك بري كبير منذ فترة طويلة.
وأكد المتحدث باسم الجيش السوداني أن هذه العمليات تأتي في إطار خطة عسكرية لاستعادة السيطرة الكاملة على المناطق الحيوية، وذكر أن الجيش تمكن من إلحاق خسائر فادحة بقوات الدعم السريع، وتدمير عدد من آلياتها القتالية، ما أدى إلى انهيار وتشتت عناصرها وفرار من تبقى منها من مواقع الاشتباك.
وبعد تيقن الفصائل المشكلة للدعم السريع او الداعمة له من تراجع الدعم الاماراتي الى اجل غير مسمى، بدأت عناصر موالية بالانشقاق والانضمام للجيش السوداني.
اللواء النور أحمد آدم الشهير بـ”النور القبة” هو من ابرز الوجوه المنشقة حديثا، حيث انشق مع ضباط موالين له و عشرات الجنود.
القبة من كبار القادة العسكريين وتسلسله الثالث في الهرم القيادي العسكري، وقاد الكثير من المعارك في الخرطوم والجزيرة وكردفان، وساهم في حصار مدينة الفاشر وسقوطها، وهو ثاني قائد عسكري رفيع ينشق بعد أبو عاقلة كيكل الذي منح عفوا عاما من البرهان، ثم انضم بقواته للقتال مع الجيش السوداني.
الانشقاقات جاءت بالتزامن مع تراجع الدعم الاماراتي، اضافة لمسعى سعودي نجح في دفع الولايات المتحدة الامريكية لتوقيع عقوبات على شركة امنية كولومبية تجند المرتزقة لصالح الدعم.

