ليس الإيثار أن نعطي غيرنا، بل أن نترك أنفسنا.
أن نقول: يارب حين يدعونا الهوى.
أن نختار الله.. حين تكون الكلفة عالية، والبديل مغريا، والطريق مظلما.
قالها يوسف عليه السلام ولم يكن نبيا يومها بعد..
كان شابا، غريبا، وحيدا، في بيت عز ونعيم:
{رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه}.
لم يقل: السجن سهل، ولا قال: الفتنة ضعيفة، قالها وهو لا يعرف ما السجن، ولا ما فيه، ولا كم يمكث، ولا هل يخرج أم لا.
اختار السجن…على مجرد فكرة أن يراود مرة أخرى.
اختار أن يختفي عن العيون، ولو خلف الأسوار.
اختار طاعة الله على حرية تغضبه.
واختار القيد على انكسار القلب.
ذلك هو الإيثار.
حسب المقدسي قدامة في منهاج القاصدين
أعلى الزهد، أن تؤثر ما عند الله
إذا تعارض مع حظوظ النفس.
وفي كتاب زهده يرى الامام احمد
كم من شهوة ساعة
أورثت حزنا طويلا.
وكم من صبر لحظة
فتح باب نجاة.
يوسف لم ينتصر بقوته، ولا بحكمته، ولا بتجربته.
انتصر لأنه آثر.
آثر الله على هواه، وآثر الطاعة على اللذة، وآثر السجن
على لحظة ضعف.
صدق اللجوء إلى الله.. وهنا السر.
قال: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن}.
لم يقل: أنا قوي.
لم يقل: سأقاوم.
تبرأ من حوله وقوته.
واعترف بضعفه.
فلما صدق… استجاب الله.
قال ابن تيمية:
من ظن أنه ينجو من الفتنة بقوته خُذل.
ومن لجأ إلى الله بصدق كُفي.
وقال ابن القيم:
صدق الالتجاء يفتح أبواب العون.
الإيثار
أن لا نستقوي بأنفسنا، ولا بأسبابنا، ولا بحيلنا.
أن نقول ونحن في سجود المناجاة:
يا رب…أنا ضعيف، وأنت القوي.
أن نفوض، ونصدق، ونسلم.
فإن صدقنا؛ جاء المدد، والحول، والطول.
وخرجنا من سجن أنفسنا وشهواتنا إلى الحرية الحقيقية.

