قراءة استشرافية في التوقيت، والوظيفة، وانعكاساته على غزة وإيران
نشرت وزارة العدل الأمريكية يوم 31 يناير 2026، دفعة ضخمة من الوثائق المرتبطة بقضية الملياردير الراحل جيفري إبستين، ضمن مسار قانوني أطلق تحت عنوان (الشفافية في ملفات إبستين).
الدفعة شملت ملايين الصفحات من الإفادات والمراسلات والملاحق، مع الاعتراف بوجود حذف وتنقيح لأجزاء كبيرة وحساسة، الأمر الذي فتح بابا واسعا للجدل السياسي والإعلامي وطرح عددا من الاسئلة أهمها؛ ما الذي كشف فعلا؟ وما الذي لا يزال محجوبا؟ ولماذا الآن؟.
ما الذي كشف؟
بحسب ما تداولته صحف وشبكات غربية كبرى منها (The Guardian ) و (The Telegraph) و(PBS)، فإن الوثائق تضم:
-روايات منسوبة لضحايا.
-شكاوى لم يفصل فيها قضائيا.
-مراسلات خاصة.
-ملاحظات محققين.
وهي مجتمعة ترسم صورة شبكة علاقات اجتماعية ومالية وسياسية امتدت لعقود، كان إبستين في مركزها.
ابرز الأسماء التي كشفتها الوثائق
1- الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
ورد اسمه ضمن ادعاءات تعود إلى ما قبل أكثر من 25 عام، منسوبة لضحايا قاصرات سابقات، تتحدث عن اعتداءات جنسية في سياق أوسع كان إبستين حاضرا فيه.
وهي روايات لم تحسم قضائيا وترامب لم يدان بها، إلا أن إعادة نشرها في هذا التوقيت أعاد إشعال الجدل سياسيا وإعلاميا.
2-إيلون ماسك
تضمنت الوثائق مراسلات إلكترونية تعود إلى عام 2013 تشير إلى تواصل بين ماسك وإبستين، وهو ما يتعارض مع تصريحات سابقة لماسك قال فيها إنه لم يلتقِ بالاخير.
3-بيل غيتس
ذكر اسمه في ملاحظات كتبها إبستين لنفسه، تفيد بعلاقات شخصية وأمور صحية.
4-الأمير أندرو
أُعيد تداول صور ومقاطع قديمة أدرجت ضمن الوثائق، كررت الاتهامات التي سبق أن وجهتها له الضحية فيرجينيا جوفري، وهي القضية أدت إلى تجريده من ألقابه ومهامه الملكية.
5-كيفن وارش الذي رشحه ترامب مؤخرا لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، وتم إيراد اسمه في الوثائق وهو يضيف بعدا سياسيا واقتصاديا بالغ الحساسية.
لماذا الآن؟
إعادة نشر ملفات قضية جيفري إبستين في هذا التوقيت لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد خطوة قانونية أو استجابة إجرائية لقانون الشفافية، بل تمثل حدثا سياسيا مركبا يتقاطع فيه الداخلي الأمريكي مع ما يحدث في الشرق أوسطي، حيث تزامن نشر الوثائق مع الأحداث الهامة التالية:
أ- أحداث دولية
عودة قصف الكيان العنيف على قطاع غزة، مع ايقاع عدد كبير من الشهداء، بالتزامن مع إعلان الدخول في المرحلة الثانية، وهنا نشير إلى الصمت اللافت من الإدارة الأمريكية ومن ترامب شخصيا رغم ارتفاع أعداد الضحايا، مع تعثر لا تخطئه العين في مسار الحل السياسي الذي يفترض أن راعيته واشنطن.
في الوقت نفسه، تتحدث تقارير غربية عن تردد أمريكي في الانخراط بضربة كبرى ضد إيران، مقابل اندفاع الكيان الغاصب لفلسطين، نحو التصعيد وسعي لا يخفيه لتغيير النظام حتى لو كان الثمن انفجارا إقليميا واسعا، المهم ان تتحقق مصالح الكيان بغض النظر عن المصالح الامريكية.
ب- أحداث داخل أمريكا أهمها:
-استقطاب سياسي حاد.
-اقتراب استحقاقات مفصلية تتعلق بالسلطة والاقتصاد والسياسة النقدية.
-انقسام داخل الكونغرس حول مدى التزام وزارة العدل بالإفراج الكامل عن الوثائق.
التسريبات في هذا التوقيت، وضعت ترامب بهذه الزاوية الضيقة، وأصبح قراره السياسي مكبلا، وهنا تتحول التهم إلى سلاح جيوسياسي سواء اثبتت أو لم تثبت.
هنا اصبح الرئيس الامريكي محاصرا، من الأمام؛ ملفات إيران، وغزة، والتوازنات الإقليمية، ومن الخلف؛ ملفات إبستين، ومعها احتمال وجود وثائق أخرى لم تنشر بعد أو مفاجآت قد تطيح بالرجل البرتقالي حال خروجه عن توجهات اللوبي الصهيوني.
ما الذي لم يكشف؟
هناك قاعدة ذهبية في السياسة الدولية؛ الملف الذي لا يفتح هو الملف الأكثر فاعلية، لذلك قد يكون ما لم يكشف من ملفات ابستين هو أخطر مما كشف، والتي قد تكون مواد لا تصلح للنشر لكنها تصلح للضغط.
وفي كلتا الحالتين، فإن قيمة ملفات إبستين لا تكمن فقط فيما ظهر، بل فيما يمكن إخراجه لاحقا أو التلويح به دون إخراجه، أو استخدامه لتقييد القرار في لحظة حرجة.
هذا ما جعل فرضيات الإخفاء والملفات المؤجلة تتراوح ما بين التسريب والتحليل، فرغم الحجم غير المسبوق للوثائق التي أفرج عنها، فإن المتابعة الدقيقة للتغطيات الغربية، ونقاشات مراكز الأبحاث وما يتداول على منصات التواصل الاجتماعي، تكشف عن إجماع ضمني على أن ما نشر لا يمثل الصورة الكاملة، بل جزءا مضبوط الإيقاع منها.
وفيما يلي أبرز الاحتمالات التي جرى تداولها أو التكهن بها دون الجزم بصحتها:
1- البعد الدولي المؤجل؛ وهو من أكثر ما أثار الشكوك، لأن الوثائق المنشورة ركزت إلى حد كبير على شخصيات أمريكية وبريطانية، بينما غابت تقريبا أسماء نافذة من دوائر دولية أخرى.
الفرضية المتداولة حول هذا الأمر تتحدث عن وجود ملفات تتعلق بشخصيات سياسية ومالية من الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، وآسيا، لكنها لم تنشر بسبب حساسية العلاقات الدبلوماسية، أو خشية إحداث أزمات سياسية عابرة للحدود.
هذه الفرضية راجت بقوة على منصات X وReddit، حيث أشار محللون مستقلون إلى أن شبكات الاتجار والنفوذ من طبيعتها أن تكون عابرة للقوميات لا محلية.
2- محتوى مصور غير منشور (The Black Archive)، إذا أن من أكثر النقاط إثارة للجدل حديث بعض الصحفيين الاستقصائيين عن وجود مقاطع فيديو كاملة، وتسجيلات صوتية، ومواد مصورة غير منقحة، لم تدرج ضمن الدفعة المنشورة، رغم الإقرار الرسمي بوجود آلاف الفيديوهات.
هذا النوع من المواد لا يستخدم عادة للنشر، بل كوسيلة ابتزاز أو ضمان صمت، أو ورقة ضغط طويلة الأمد.
ويذهب بعض المحللين إلى أن أخطر ما في أرشيف إبستين ليس الأسماء، بل الصور التي تسكت أصحابها.
3- دور الأجهزة الاستخباراتية في متابعة مثل هذه القضايا، والتي يتراوح دورها ما بين المعرفة والتغاضي، وعلى منصات التحليل السياسي، طرحت تساؤلات متكررة حول مدى علم أجهزة مثل FBI وCIA بنشاطات إبستين، ولماذا استمر لسنوات رغم الشكاوى المبكرة.
فإما أن إبستين كان تحت المراقبة، أو جرى التغاضي عنه مرحليا، أو استخدم كمصدر معلومات غير مباشر.
لا يوجد دليل قاطع على ذلك، لكن تأخر التدخل الرسمي وتخفيف الأحكام السابقة يغذي هذه الشكوك.
4- نلاحظ في الوثائق عند التركيز فيها؛ ان هناك اسماء محمية وردت تلميحا دون تفصيل، أو حجبت بالكامل، أو ذكرت دون سياق واضح، وهو ما يدفعنا للتكهن أن هذه الشخصيات؛ لا يراد إدخالها في الجدل الآن، إما لحاجتها في معركة سياسية قادمة، أو لأن إخراجها قد يسبب انهيار تحالفات حساسة.
5- لا يستبعد أن يكون القدر الذي نشر من الوثائق دفعة اختبار للرأي العام، بغرض قياس ردود الفعل، واختبار قدرة النظام السياسي على امتصاص الصدمة، ثم تقرير ما إذا كان سيتم الإفراج عن دفعات أعمق لاحقا.
ولعل هذه الفرضية تفسر سبب النشر الجزئي، قد يكون الغرض التنقيح الكثيف للمستندات، وجعل التسريب متزامنا مع أحداث وأزمات سياسية.
6- اجهزة الكيان الغاصب لفلسطين لها سوابق تاريخية في استخدام الملفات الأخلاقية بالضغط السياسي؛ ولا يمكن استبعادها من العلم والاحاطة بواقعة ابستين، فاحتمال وقوعها تحت المراقبة وتعرضها للاختراق من جهاز الموساد كبير جدا، ليس بوصفه فاعلا مباشرا، بل كجهة قد تكون اطلعت على المواد أو استفادت منها في سياق صراعات النفوذ.
السيناريوهات الاستشرافية
السيناريو الأول: ضجيج إعلامي بلا أثر استراتيجي
فقد تتحول الوثائق إلى موجة إعلامية مؤقتة، ثم تتراجع حدتها دون إنتاج قرارات سياسية ملموسة.
وما يساعد على تحقيق هذا السيناريو هو؛ غياب تحقيقات جديدة، واحتواء الجدل داخل الإعلام دون انتقاله إلى قرارات.
السيناريو الثاني: تحول الوثائق إلى أداة صراع داخلي في واشنطن
إذ يمكن أن تستخدم الملفات كسلاح في الصراع بين المؤسسات والتيارات السياسية بهدف إضعاف الخصوم، أو تعطيل مشاريعهم السياسية والاقتصادية.
وما يحقق هذا السيناريو هو انعقاد جلسات مساءلة، ومطالبات بالوصول للنسخ غير المنقحة، وتسريبات جزئية مدروسة بعنابة.
السيناريو الثالث أن تتحول الى ملفات ضغط تعيد تشكيل قرارات الحرب.
فلا تستخدم الملفات لإسقاط شخصيات بأعيانها مثل ترامب، بل لتقييد حركتها، وفي هذه الحالة يصبح صانع القرار أقل قدرة على المغامرة، وأكثر قابلية للمساومة، وأكثر حساسية للضغط الإعلامي والأخلاقي.
ولعل هذا ما يفسر سبب ضعف قدرته على كبح تصعيد الكيان في غزة، حيث تم ترك الساحة للوقائع الميدانية بدل الحلول السياسية.
ولعله يفسر كذلك سبب التردد في ضرب إيران، حيث شاهدنا التناقض بين الخطاب المعلن والقرار الميداني، وتم تأجيل المواجهة المباشرة مقابل ضغوط غير معلنة.
الخلاصة الاستراتيجية
-ملفات إبستين لم تعد قضية أخلاقية فقط، بل أداة ضمن منظومة الضغط السياسي.
-التوقيت الحالي يجعلها عنصرا مؤثرا في ملفات الشرق الأوسط لا سيما غزة وإيران.
-أخطر ما في هذه الملفات ليس محتواها بل قابليتها للتوظيف المتكرر.
-المنطقة قد تشهد قرارات غير متوازنة، لا لأن الظروف نضجت، بل لأن بعض الأطراف تبحث عن شراء الوقت داخليا.
-ما يجري ليس استثناء في التاريخ السياسي، بل قاعدة تتكرر؛ فحين تعجز السياسة عن فرض إرادتها بالقوة تلجأ إلى الأخلاق كسلاح.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحا في الأسابيع القادمة:
هل ستبقى ملفات إبستين في خانة الفضيحة، أم ستتحول إلى مفصل يعيد رسم خرائط القرار في الشرق الأوسط؟.

