القضية الكردية تعتبر واحدة من أكثر القضايا والصراعات تعقيدا واستمرارية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، فهي قضية شعب كبير حرم طويلا من حقوقه الطبيعية؛ بالمواطنة، والهوية الثقافية، والمشاركة العادلة في إدارة شؤونه، حيث عاش الكرد على هامش الدولة القومية الحديثة التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، دون أن يحظوا بإطار جامع يضمن لهم حقوقهم.
لابد أن ندرك أن القضية الكردية قضية عادلة في جوهرها؛ إذ لا يمكن لأي مشروع سياسي أو أخلاقي يسعى لإصلاح الواقع، وانتشال المنطقة من براثن الدكتاتورية أن يبرر إنكار لغة شعب، أو قمع ثقافته، أو تهميش مناطقه اقتصاديا وسياسيا.
في المقابل فإن عدالة القضية لا تعني أن يبقى السلاح هو السبيل الوحيد أمام الاكراد لنيل حقوقهم المشروعة، فقد وجدت أطراف دولية وإقليمية في مظلومية الشعب الكردي فرصة ثمينة لاستثمارها في صراعات النفوذ، وتفكيك الدول، وزعزعة استقرار المنطقة، دون ان تكون هذه الدول معنية بحل عادل ومتوازن للقضية الكردية.
لقد تحولت القضية في كثير من المحطات إلى ورقة ضغط في يد القوى الكبرى، تستخدم حينا للابتزاز السياسي، وحينا لإعادة رسم خرائط النفوذ، دون أن يكون هم تلك القوى الحقيقي هو إنصاف الأكراد بقدر ما هو توظيفهم في معارك الآخرين. وهذا ما جعل المسألة الكردية تتأرجح دائما بين عدالة المطالب وخطورة التوظيف الخارجي.
وعليه فإن الطريق الأكثر أمانا لشعوب المنطقة لا يمر عبر الاحتراب، بل عبر بناء لغة جديدة للحوار والتعايش المشترك، تعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها على أساس المواطنة، لا الغلبة ولا الإقصاء. فالسلام الحقيقي لا يصنعه السلاح ولا ترسمه الخرائط بالقوة، بل تصنعه الثقة المتبادلة والاعتراف المتوازن بالحقوق.
وفي السياق السوري، يشكل المرسوم الرئاسي الأخير الذي أعاد بعض حقوق الأكراد فرصة تاريخية ينبغي استثمارها بحكمة.
فالأجدر بأكراد سوريا أن يناضلوا لنيل حقوقهم كاملة ضمن إطار وحدة الدولة السورية، وبما يعزز استقرارها لا تفككها، مستفيدين في ذلك من تجربة أكراد العراق بعد عام 2003، حيث استطاعوا عبر العمل السياسي والدستوري أن يحققوا مكاسب واسعة دون الخروج من إطار الدولة العراقية.
إن مستقبل القضية الكردية وكذا مستقبل الشرق الأوسط كله، لن يحسم بمنطق الصراع الدائم، بل بمنطق الشراكة في الأوطان، وبالقدرة على تحويل المظلومية التاريخية إلى مشروع عدالة، لا إلى وقود لصراعات جديدة.
شاهد

