الجزء الثاني/ المنظور الإسلامي للنقد والمراجعات
الباب الأول: النقد في القرآن الية تصحيح بنيوي
أولا: الإطار النظري
القرآن لا يتعامل مع الإنسان بوصفه كيانا مستقرا أخلاقيا؛ بل بوصفه كيانا قابلا للانحراف، محتاجا إلى المراجعة المستمرة، وهو ما يؤسس لمنطق رقابي داخلي يجعل محاسبة الذات جزءا من البنية الإيمانية، لا ممارسة أخلاقية طوعية فقط؛ ويعد هذا التأسيس القراني للمراجعة الذاتية أحد أهم المرتكزات النظرية لفهم موقع النقد في التصور الإسلامي (1).
وقد ذهب عدد من المفسرين إلى أن قوله تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} يشير إلى وعي داخلي ملازم للإنسان بحقيقة أفعاله، بما يجعل تبرير الخطأ الية نفسية لا تغير من حقيقة الانحراف (2)، ويستفاد من هذا المعنى أن القرآن يؤسس لما يمكن تسميته بـ “الرقابة الذاتية الداخلية”، وهي قاعدة نظرية تماثل في الفكر الإداري المعاصر ما يعرف باليات التقييم الداخلي (Internal Evaluation Mechanisms) (3).
الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين عزز هذا الاتجاه، حين اعتبر محاسبة النفس شرطا في صلاح العمل، وربط بين غياب المحاسبة وتراكم الفساد الداخلي(4). كما أكد ابن القيم الجوزية (رحمه الله) أن ترك المراجعة يؤدي إلى “تراكم الأوزار دون شعور”، وهو تعبير دقيق عن فكرة التدهور التدريجي الناتج عن غياب النقد الذاتي(5).
ومن منظور تحليلي، يمكن القول إن القران لا يؤسس فقط لأخلاق فردية؛ بل لبنية ذهنية قائمة على التشكيك المنهجي في سلامة النفس، وهو ما يتقاطع مع ما توصلت إليه دراسات علم النفس التنظيمي الحديثة حول خطورة ما يعرف بـ”التحيز الذاتي” (Self-serving Bias) في تعطيل التعلم المؤسسي(6).
ثانيا: نقد الجماعة تقويم لا تقديس
لا يكتفي الخطاب القراني ببناء اليات المراجعة الفردية، بل يتجاوز ذلك إلى تأسيس منطق نقدي جماعي يجعل الأمة فاعلا في تقويم ذاتها. ويتجلى ذلك بوضوح في قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، حيث ربطت الآية خيرية الأمة بوظيفتها الرقابية الداخلية، لا بانتسابها الهوياتي فقط(7).
ويشير الامام القرطبي إلى أن دلالة الاية تقوم على “قيام الأمة على تقويم نفسها وإصلاح اعوجاجها”، بما يجعل وظيفة النقد جزءا من بنية الجماعة، لا استثناء منها(8). كما قرر شيخ الإسلام بن تيمية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو “قوام الجماعة” وأن تعطيله يؤدي إلى فسادها البنيوي(9).
وإذا أعيدت قراءة هذه النصوص في ضوء التحليل المؤسسي المعاصر، يتضح أن القران يؤسس لـ”الرقابة الأفقية” داخل الجماعة، حيث لا تحتكر المراجعة في يد السلطة أو القيادة، بل تصبح وظيفة مجتمعية عامة. وهذا يتقاطع مع ما تسميه أدبيات الحوكمة الحديثة بـ “المساءلة الأفقية” (Horizontal Accountability) (10).
ويحذر طه جابر العلواني من أن تحويل الجماعة إلى كيان معصوم من النقد يمثل انحرافا فكريا خطيرا، لأنه يعطل وظيفة التقويم الداخلي ويحول الوحدة إلى أداة قمع رمزي(11). وهو ما ينسجم مع تحليلات الجابري حول تشكل “العقل التبريري” في الثقافة العربية، حيث تستخدم الجماعة كغطاء لإلغاء السؤال(12).
وعليه، فإن تعطيل النقد داخل الجماعات والمؤسسات الإسلامية المعاصرة لا يمكن تبريره شرعيا، بل يمثل خروجا عن المنطق القرآني في بناء الجماعة.
ثالثا: نقد التصورات ونقض التقليد غير المراجع
يعد نقد التقليد أحد المحاور المركزية في الخطاب القرآني، حيث يتكرر ذم اتباع الآباء دون برهان في مواضع متعددة. ويذهب ابن عاشور في كتابه (التحرير والتنوير) إلى أن هذا الذم ليس موجها إلى مجرد الاتباع، بل إلى “تعطيل العقل عن وظيفته في التمييز”(13)، وهو ما يجعل التقليد غير النقدي نقيضا للتكليف.
وفي السياق نفسه، يرى الجابري أن أحد أعطاب العقل العربي التاريخية هو “تقديس الموروث بوصفه معيارا للحقيقة”، وهو ما يعطل إمكانية المراجعة والنقد(14). ويذهب محمد أركون إلى أن تحول التراث إلى منطقة محرمة على السؤال أسهم في تجميد العقل الإسلامي ومنع تطوره(15).
وإذا جمعت هذه التحليلات مع الدلالة القرآنية، يتضح أن كتاب الله العزيز لا يعترف بشرعية أي تصور لم يخضع للاختبار العقلي والأخلاقي؛ وبذلك يكون النقد في التصور الإسلامي شرطا لصحة الاعتقاد لا مجرد خيار ثقافي.
وهذا المعنى يتقاطع مع ما توصلت إليه دراسات الفلسفة المعاصرة حول خطورة التقليد المؤسسي (Institutional Conformity) في إنتاج الجمود التنظيمي(16).
رابعا: نقض قداسة الأشخاص
يشير قول الله تعالى عن اليهود والنصارى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} إلى نمط اجتماعي يتجاوز الشرك العقدي، ليشمل تحويل البشر إلى مرجعيات فوق المساءلة. وقد فسر ابن كثير هذه الآية بأنهم “أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال”، وهو ما يعني تعليق العقل النقدي(17).
ابن تيمية اعتبر أن من جعل غير النبي معصوما؛ وقع في نوع من الشرك المعنوي(18)، وهو توصيف بالغ الدقة لما نراه اليوم في تقديس بعض القيادات أو الرموز. ويذهب فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي (رحمه الله وغفر له) في كتابه (فقه الاختلاف في الإسلام) إلى أن من آفات الفكر الإسلامي المعاصر تحويل الأشخاص إلى معيار للحقيقة، وهو ما يؤدي إلى تعطيل النقد والمراجعة (19).
يمكن أن نخلص هنا إلى إن هذا النمط من التقديس يشبه ما تسميه دراسات علم الاجتماع الديني بـ “الكهنوت غير الرسمي”، حيث تنتج الجماعة رموزا فوق المساءلة دون نص تشريعي(20).
وهذا يتعارض جذريا مع المنطق القرآني الذي يجعل العصمة للنص لا للأشخاص، ويجعل النقد حقا لا جريمة.
خامسا: بناء العقل الناقد
يتكرر في القرآن توظيف أساليب الاستفهام والتوبيخ العقلي مثل: {أفلا تعقلون}، {أفلا يتفكرون}، {أفلا يتدبرون}، وهو ما يدل على أن التفكر مقصد مقصود لذاته في الخطاب الشرعي كما يقرر ذلك الامام الرازي (21).
ويرى العز بن عبد السلام في قواعد الاحكام؛ أن الشريعة مبناها على جلب المصالح بالعقل، وهو تصريح صريح بدور العقل في التمييز والنقد(22). ويذهب طه عبد الرحمن إلى أن العقل في الإسلام “شريك في التكليف لا تابع”، وهو ما يمنح السؤال شرعية دينية لا مجرد فلسفية(23).
ويشير د.عبد الكريم بكار في كتابه (نقد الوعي التربوي والدعوي) إلى أن غياب تنمية التفكير التحليلي، وهيمنة التلقين، يسهمان في إنتاج عقل امتثالي غير نقدي، بما يضعف ثقافة المراجعة داخل البيئات الدينية والمؤسسية (24).
خلاصة الباب
يمكن استخلاص النتائج التالية من هذا الباب:
-يؤسس القرآن لمبدأ المراجعة الذاتية بوصفه قاعدة إيمانية لا سلوكا اختياريا.
-يربط كتاب الله المجيد خيرية الجماعة بقدرتها على ممارسة النقد الداخلي.
-ينقض شرعية التقليد غير المراجع ويجعل العقل شرطا في صحة الاتباع.
-يفكك قداسة الأشخاص ويقصر العصمة على الوحي.
-يجعل الوحي السؤال والتفكر والتدبر أدوات مركزية في بناء الإنسان.
وبناء عليه، فإن تعطل ثقافة النقد في الواقع الإسلامي المعاصر يمثل انحرافا بنيويا عن المنطق القرآني لا امتدادا له.
الباب الثاني: السنة النبوية نموذجا عمليا لإدارة النقد
أولا: الإطار النظري
القيادة في النموذج النبوي لم تؤسس على منطق العصمة الإجرائية ولا على احتكار القرار، بل على مبدأ قابلية التصويب وشرعية المراجعة؛ فالسنة – بوصفها ممارسة قيادية – تقدم نموذجا فريدا في التاريخ الديني لقيادة تعترف بحدود الخبرة البشرية، وتفتح المجال أمام النقد، وتدرج التصويب ضمن آليات اتخاذ القرار(25).
وقد ذهبت دراسات السيرة ذات المنحى التحليلي إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أسس عمليا ما يمكن وصفه بـ “القيادة التشاركية الموجهة”، حيث يحتفظ القائد بالبوصلة القيمية، لكنه لا يحتكر الرأي الفني أو التقدير الميداني(26). وهذا النموذج يقترب في بنيته من نظريات القيادة الحديثة التي تؤكد أن جودة القرار ترتبط بتعدد مصادر المعلومة، لا بعلو موقع صاحب القرار(27).
ويلاحظ أن أغلب الأزمات المؤسسية في السياق الإسلامي المعاصر ترتبط بما يمكن تسميته بـ “تقديس القرار”، أي تحويل القرار القيادي إلى رمز غير قابل للمراجعة، بينما تظهر السنة النبوية أن القرار حتى في أعلى موقع قيادي قابل للنقاش والتصحيح دون أن يمس أصل القيادة أو مشروعيتها؛ وهذه نقطة مفصلية في فهم العلاقة بين الشرعية والمساءلة.
ثانيا: نقد القرار الميداني آلية تصحيح مبكر
تظهر وقائع السيرة أن القرارات الميدانية في العهد النبوي لم تكن مغلقة على المراجعة، بل كانت تخضع لتقييم فوري من داخل الجماعة نفسها.
ويكشف تحليل واقعة بدر في اختيار موقع النزول؛ عن نموذج مبكر لما يمكن تسميته بـ”التصحيح اللحظي للقرار (Real-time Decision Adjustment) (28).
ففي هذه الواقعة لم ينظر إلى مراجعة القرار بوصفها تشكيكا في القيادة، بل بوصفها وظيفة تصحيحية داخل المنظومة، وهذا يتقاطع مع ما تؤكده الأدبيات المعاصرة في دراسات التنظيم حول أن القرارات التي تصحح في مراحلها الأولى تقل كلفتها الاستراتيجية مقارنة بالقرارات التي يؤجل تصويبها (29).
وتشير تحليلات القيادة التكيفية (Adaptive Leadership) إلى أن القائد الفعال هو الذي يميز بين:
-القرار القيمي غير القابل للمساومة
-القرار الإجرائي القابل للتعديل(30)
-التفريق ذاته الذي تؤسسه السنة عمليا بين الوحي والاجتهاد البشري، فالنموذج النبوي لم يخلط بين المقام النبوي وبين حدود الخبرة الميدانية، وهو ما يمنح النقد شرعية وظيفية داخل البناء القيادي.
التحليل البنيوي هنا:
السنة لا تشرعن النقد كـ”استثناء أخلاقي”، بل تدرجه كآلية تشغيلية لتحسين القرار. وهذا فارق جوهري.
ثالثا: التمييز بين المجال القيمي والمجال التقني
معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لمسألة تأبير النخل، تكشف عن تأسيس مبكر لما يمكن تسميته بـ “تقسيم مجالات المعرفة داخل القيادة”، فالنموذج النبوي لا يدعي الإحاطة الفنية بكل المجالات، بل يقر صراحة بحدود المعرفة التخصصية، ويعيدها إلى أهلها (31).
لذلك؛ تمثل هذه الواقعة تأسيسا لمبدأ توزيع المعرفة داخل المؤسسة، وهو ما تؤكد عليه نظريات الإدارة الحديثة التي ترى أن احتكار المعرفة في يد القيادة يؤدي إلى أخطاء كارثية في القرار (32).
وتشير دراسات السلوك التنظيمي إلى أن الخلط بين المكانة الرمزية والكفاءة الفنية يؤدي إلى تعطيل النقد المتخصص، لأن الأفراد يترددون في تصحيح من يملكون سلطة معنوية عليهم(33). بينما النموذج النبوي يفصل بوضوح بين؛ المقام الرسالي، والمجال المهني، وبذلك يمنح النقد الفني شرعية كاملة.
التحليل البنيوي:
أغلب المؤسسات الإسلامية اليوم تعاني من:
-تديين القرار الإداري
-تقديس الرأي الفني
-خلط المكانة بالخبرة
وهذا كله نقيض المنهج النبوي.
رابعا: قابلية الاستراتيجية للتقويم
تكشف معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لقضية أسرى بدر عن نموذج متقدم في قابلية الاستراتيجية للمراجعة، فالقرار الذي اتخذ بناء على تقدير مصلحي تمت مراجعته في ضوء المالات، وهو ما ينسجم مع ما تقرره نظريات التخطيط الاستراتيجي الحديثة حول ضرورة إعادة تقييم القرار بعد ظهور معطيات جديدة.
ويؤكد علماء المقاصد أن الشريعة لا تقدس الوسائل بل تراجعها في ضوء النتائج(34). وهذا يعني أن القرار السياسي في النموذج الإسلامي ليس محصنا، بل خاضع للتقويم المستمر.
التحليل البنيوي:
غياب ثقافة مراجعة القرار السياسي داخل الحركات والمؤسسات الإسلامية المعاصرة يمثل انحرافا عن هذا الأصل ويحول الاجتهاد إلى “كرامة” لا إلى وظيفة.
خامسا: مرونة الرسالة لا جمود الأسلوب
تعكس معالجة الوحي لواقعة عبد الله بن أم مكتوم تأسيسا لمبدأ مهم في الإدارة الدعوية، وهو أن الخطاب نفسه خاضع للتقويم فلا يوجد أسلوب فوق المراجعة ولا جمهور محصن من إعادة الترتيب.
وتشير دراسات الاتصال المؤسسي إلى أن الجمود في الخطاب يؤدي إلى فقدان الفاعلية، حتى لو كانت الرسالة صحيحة(35)، وهو ما يتقاطع مع الدلالة النبوية في إعادة ترتيب الأولويات الدعوية.
التحليل البنيوي:
كثير من الحركات الإسلامية اليوم تقدس “الطريقة” كما تقدس “المنهج”، وتخلط بين الثابت والمتغير، مما يعطل النقد الداخلي.
سادسا: بناء بيئة السؤال
السؤال لم يكن مرفوضا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان جزءا من التربية النبوية، وهذا يؤسس لما تسميه أدبيات الإدارة المعاصرة بـ”السلامة النفسية” (Psychological Safety)، أي البيئة التي تسمح بطرح الملاحظات دون خوف(36).
وتشير دراسات الأداء المؤسسي إلى أن غياب هذه البيئة يؤدي إلى:
-إخفاء الأخطاء
-تعطيل الملاحظات
-تراكم الإخفاقات (37)
وهو ما يفسر فشل كثير من المؤسسات المغلقة على النقد.
سابعا: قبول النقد حتى عند تجاوز الناقد حدوده
تكشف حادثة صلح الحديبية عن بعد عميق في المنهج النبوي في إدارة النقد يتجاوز مجرد قبول الرأي المخالف، إلى احتواء الاعتراض حتى عندما يكون في صيغة حادة أو يتجاوز الناقد فيها حد الادب التنظيمي.
فقد اعترض عمر بن الخطاب على بنود الصلح اعتراضا مباشرا، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (الست نبي الله حقا؟) ثم قال: (اليسوا على باطل ونحن على حق؟) ثم قال: (فلم نعطي الدنية في ديننا؟) (38) وهو تعبير يحمل في بنيته اتهاما ضمنيا بالقبول بالهوان!!!، ويكشف عن مستوى عال من التوتر النفسي والاحتجاج الداخلي.
من منظور تحليلي مؤسسي، يمثل هذا الاعتراض تجاوزا لحدود الدور الوظيفي للتابع، وخرقا لما يسمى في التنظيمات الحديثة بـ”سلسلة القرار”(39). ومع ذلك، لم يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الاعتراض بوصفه تمردا، ولا بوصفه خروجا على الطاعة، ولا بوصفه تهديدا للهيبة القيادية، بل أجاب بهدوء: (انا رسول الله ولن يضيعني)، دون توبيخ، ودون تخوين، ودون تقليل من مكانة المعترض.
والأهم من ذلك أن عمر، رغم عدم اقتناعه بالجواب، انتقل مباشرة الى ابي بكر وكرر عليه الاعتراض نفسه بنفس الصيغة: (فلم نعطي الدنية في ديننا؟) وهو ما يعني أن حالة الاعتراض لم تكن لحظة عابرة، بل موقفا داخليا غير محسوم ومع ذلك لم يعامل ابو بكر هذا السلوك بوصفه انشقاقا ولا بوصفه تهديدا للكيان، بل كرر الجواب نفسه.. ثم شد على عمر بعبارة تنظيمية واضحة: (الزم غرسك)، أي التزم بالموقف القيادي ولا تخرج عن الصف.
الدلالة البنيوية هنا شديدة الاهمية:
نحن امام نموذج قيادي يجمع بين ثلاث خصائص نادرة:
1-سعة صدر للاعتراض حتى عندما يكون في صيغة حادة.
2-ثبات على القرار دون الدخول في صراع شخصي مع المعترض.
3-عدم معاقبة المعترض لاحقا أو اسقاطه من المكانة التنظيمية.
فالواقع التاريخي يثبت أن عمر لم يفقد مكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الحادثة، بل بقي مستشارا مقربا، وركنا أساسيا في الدولة، ثم كان الخليفة من بعده، وهذا يعني أن الاعتراض – حتى عندما يكون غير صائب – لم يتحول الى وصمة تنظيمية، ولم يسجل في ملف الرجل بوصفه عنصر قلق او متمرد.
وهذا يعطينا قاعدة ادارية شديدة العمق؛ ان القيادة النبوية تميز بين؛ خطأ الرأي، ونية صاحبه، وموقعه في المنظومة، ولا تخلط بينها خلطا عاطفيا.
وهذا بالضبط ما تغفله كثير من الحركات والمؤسسات الاسلامية المعاصرة، حيث يجري تحويل النقد – حتى إذا كان محقا – الى تشكيك في الولاء، طعن في الصف، خروج على الطاعة، تهديد للهيبة، ثم يبنى على ذلك:
-الإقصاء من المسؤوليات
-العزل التنظيمي
-تجفيف الادوار
-اخراج الناقد من دوائر التأثير
وهو سلوك معاكس تماما للمنهج النبوي.
فالإشكالية في كثير من البنى الإسلامية المعاصرة ليست فقط في رفض النقد، بل في تجريم الناقد، وتحويله من فاعل اصلاح الى عبء تنظيمي، بينما النموذج النبوي يقدم صورة مغايرة جذريا:
-اعتراض حاد لا يهدم المكانة
-سؤال جريء لا يلغي الثقة
-خلاف داخلي لا ينتج قطيعة
ومن منظور علم التنظيم، يمكن تصنيف هذا السلوك القيادي ضمن ما يسمى اليوم بـ”احتواء التوتر التنظيمي (Organizational Tension Containment) حيث يتم امتصاص الصدمة الداخلية دون تفكيك البنية ولا كسر الأفراد.
التحليل البنيوي هنا يقودنا الى نتيجة خطيرة:
ان اغلب ازمات التفكك داخل الحركات الاسلامية ليست بسبب النقد ذاته؛ بل بسبب طريقة التعامل مع النقد، فالناقد لا يخرج في الغالب لانه يريد الهدم، بل لأنه لم يجد قناة آمنة للتعبير، ولم يجد قيادة تحتمل التوتر، ولم يجد بيئة تفصل بين الرأي وصاحبه؛ والنموذج النبوي في الحديبية يقدم درسا اداريا عميقا:
-القائد الواثق لا يخاف السؤال
-القائد الراشد لا يعاقب على الاعتراض
-القائد المأمون لا يخلط بين النقد والعداء
وهذا درس لم نستوعبه بعد.
الخلاصة
تظهر حادثة الحديبية أن السنة النبوية لا تشرعن فقط حق النقد، بل تشرعن ايضا:
-حق الخطأ في النقد
-حق التوتر في الاعتراض
-حق القلق في السؤال
دون ان يترتب على ذلك:
-اسقاط المكانة
-سحب الثقة
-تهميش الدور
وبذلك تقدم السنة نموذجا قياديا متقدما في ادارة الاعتراض الداخلي، يختلف جذريا عن الممارسات الاقصائية السائدة في كثير من التنظيمات الاسلامية المعاصرة.
خلاصة الباب
يمكن استخلاص النتائج الآتية:
-السنة تؤسس لقيادة قابلة للمراجعة لا محصنة من النقد.
-تشرعن تصويب القرار الميداني في الزمن الحقيقي.
-تفصل بين المقام القيمي والكفاءة الفنية.
-تجعل القرار السياسي خاضعا للمآلات لا للهيبة.
-تراجع الخطاب والأسلوب ولا تقدسهما.
-تبني بيئة نفسية تسمح بالسؤال والمبادرة.
وعليه، فإن غياب ثقافة النقد في الواقع الإسلامي المعاصر لا يجد له سندا في السنة، بل يمثل انحرافا عنها.
الباب الثالث: الشورى بوصفها إطارا حاكما للمراجعة والمساءلة
أولا: الإطار النظري
الشورى في القرآن والسنة لم ترد بوصفها قيمة اخلاقية تجميلية، ولا شعارا خطابيا، كما يظهر لنا من القراءة الاستقرائية للنصوص، بل جاءت بوصفها آلية حاكمة في بنية اتخاذ القرار فقوله تعالى: {وشاورهم في الامر} لا يؤسس لفضيلة شخصية في القيادة، بل يضع قاعدة اجرائية تضبط مسار القرار داخل الجماعة السياسية الناشئة.
وقد ذهب عدد من الباحثين في الفكر السياسي الاسلامي إلى أن الشورى في هذا السياق تمثل ما يمكن تسميته بـ “الشرعية الاجرائية”، أي أن القرار لا يكتسب مشروعيته فقط من صواب مضمونه، بل من سلامة مساره التشاركي (40).
الأمر بالشورى جاء في القرآن الكريم جاء بسياق بناء الجماعة السياسية، لا في سياق الوعظ الفردي، مما يدل على أن الشورى مكون بنيوي في النظام العام، لا سلوكا أخلاقيا اختياريا. ويعزز هذا المعنى قوله تعالى: {وامرهم شورى بينهم}، حيث جاءت الصيغة خبرية تقريرية لا انشائية، وكأنها تصف هوية الجماعة المؤمنة من حيث بنيتها التنظيمية (41).
ومن منظور علم السياسة المقارن، يمكن تصنيف الشورى بوصفها نمطا مبكرا من الحوكمة التشاركية (Participatory Governance)، حيث يتم توزيع سلطة الرأي، وعدم احتكار المعرفة، وكسر مركزية القرار.
وتشير دراسات الحوكمة الحديثة إلى أن النظم التي تدرج المشورة ضمن آلياتها الرسمية تكون اكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وتقليل اخطاء القرار، وبناء شرعية داخلية مستدامة (42).
التحليل البنيوي هنا يكشف أن الشورى في التصور الاسلامي ليست “ادبا قياديا”، بل قيدا على السلطة، وحدا من تغول الرأي الفردي، وهذا يضعها في تضاد مباشر مع الثقافة السلطوية التي ترى في الاستشارة ضعفا، وفي المراجعة تهديدا.
الشورى آلية لتفكيك احتكار القرار
عند تفكيك مفهوم الشورى من زاوية تنظيمية، يتضح أنها تؤدي ثلاث وظائف مركزية:
1-تفكيك احتكار المعرفة داخل القيادة.
2-توزيع عبء التقدير على أكثر من عقل.
3-تحويل القرار من فعل فردي إلى عملية جماعية.
وهذه الوظائف الثلاث هي ذاتها التي تؤكد عليها ادبيات الادارة الاستراتيجية الحديثة، حيث تشير دراسات اتخاذ القرار إلى أن القرارات المعتمدة على عقل واحد تكون اكثر عرضة للتحيز، والانغلاق، وسوء التقدير مقارنة بالقرارات الناتجة عن مشاورة متعددة الأطراف (43).
ويذهب بيتر سينج في تحليله لمنظمات التعلم إلى أن أحد أخطر امراض المؤسسات هو “العمى الجماعي” الناتج عن تكرار نفس الافتراضات داخل دائرة ضيقة من القادة (44) والشورى، في بنيتها الاسلامية، تعمل على كسر هذا النمط عبر ادخال اصوات مختلفة، وتجارب متعددة، ورؤى متباينة.
هذا يقودنا إلى نتيجة واضحة:
الشورى ليست ترفا تنظيميا بل صمام أمان بنيوي ضد انغلاق القيادة، وهذا يجعل تعطيلها في المؤسسات الاسلامية المعاصرة ليس مجرد خلل اداري بل انتهاكا لقاعدة تأسيسية في البناء السياسي الإسلامي.
الشورى إطار للمراجعة المستمرة
من الاخطاء الشائعة في فهم الشورى اختزالها في لحظة استشارة تسبق القرار، ثم تنتهي، بينما تكشف السيرة النبوية أن الشورى كانت عملية مستمرة، ترافق القرار قبل اتخاذه وأثناء تنفيذه، وبعد ظهور نتائجه؛ وهذا يعني أن الشورى في المنهج النبوي ليست فقط الية اختيار، بل الية مراجعة وتقويم.
النظم التي تراجع قراراتها بعد التنفيذ؛ تكون أكثر قدرة على التعلم المؤسسي، وتقليل تكرار الأخطاء بحسب تحليلات السلوك التنظيمي (45)، وهذا يتطابق تماما مع النموذج النبوي في مراجعة الخطط العسكرية والسياسات الدعوية والقرارات الاجتماعية.
و هنا نؤكد من خلال التحليل على أن:
الشورى في الإسلام ليست مدخلا للقرار فقط، بل جسرا دائما بين القرار والواقع، وهو ما نفتقده اليوم في كثير من البنى التنظيمية التي تمارس “استشارة شكلية” ثم تغلق الملف.
الشورى تأسس لشرعية المساءلة السياسية
تؤسس الشورى في بنيتها العميقة لما يمكن تسميته بـ “شرعية السؤال”، فحين يبنى القرار على المشورة، يصبح من حق المشاركين – بل من واجبهم – مراجعة نتائجه ومساءلة مساره وهذا يحول المساءلة من تهديد سياسي إلى امتداد طبيعي لعملية الشورى.
وتشير دراسات النظم السياسية المقارنة إلى أن المساءلة لا تنجح في البيئات التي لا تشرك القاعدة في القرار، لأن الفرد لا يسائل ما لم يشعر أنه شريك (46)، وهذا يفسر لماذا كانت المساءلة في العصر النبوي والراشدي ممكنة، بينما تتعطل في النظم السلطوية.
إذا يمكننا الاستنتاج؛ أن تعطيل الشورى يؤدي بالضرورة إلى تعطيل المساءلة.
وهذا ما نراه اليوم في كثير من التنظيمات الاسلامية التي ترفع شعار الشورى، لكنها في الواقع تمارس مركزية القرار، ثم تستغرب غياب الثقة، وانتشار الاحتقان، وتصاعد الانشقاقات.
من الشورى إلى الشخصنة
عند الانتقال من النموذج النبوي الى ما تلاه تاريخيا، نلاحظ تحولا تدريجيا من الشورى بوصفها اطارا حاكما؛ إلى الشورى بوصفها قيمة شكلية، هذا التحول لم يقع دفعة واحدة، بل عبر مسار تراكمي ارتبط بتغير بنية السلطة، واتساع الدولة، وتعقد المصالح.
وتشير بعض الدراسات إلى أن انتقال مركز الثقل من الجماعة إلى الفرد، ومن المشورة إلى الأمر، كان بداية لتاكل ثقافة المراجعة(47). وهذا لا يعني نفي وجود شورى لاحقا، بل يعني تغير موقعها في البنية السياسية من مركز القرار إلى هامشه.
الانحراف لم يبدأ بإلغاء الشورى، بل بتفريغها من وظيفتها الحاكمة؛ وهذا هو اخطر انواع الانحراف المؤسسي، لأنه يحافظ على الشكل ويقتل المضمون.
الخلاصة
يمكن استخلاص النتائج الاتية من هذا التأسيس النظري:
1-الشورى في الاسلام اطار حاكم لا قيمة اخلاقية فقط.
2-الشورى الية لتفكيك احتكار القرار وتوزيع المعرفة.
3-الشورى عملية مستمرة للمراجعة لا لحظة اجرائية.
4-الشورى تؤسس لشرعية المساءلة السياسية.
5-تعطيل الشورى يؤدي بالضرورة الى تاكل النقد والمراجعة.
6-الانحراف التاريخي بدأ بتهميش وظيفة الشورى لا بإلغائها شكليا.
ثانيا: التطبيق العملي للشورى في الخلافة الراشدة – من النظرية إلى الممارسة
أولا- خلافة أبي بكر – تأسيس المساءلة السياسية والاجتماعية منذ اللحظة الاولى
تكشف خطبة ابي بكر الاولى بعد توليه الخلافة عن تصور عميق لمفهوم السلطة بوصفها وظيفة خاضعة للمساءلة لا مقاما فوق النقد فقوله: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم” لا يمكن قراءته بوصفه تواضعا شخصيا فقط، بل بوصفه تأسيسا دستوريا مبكرا لشرعية المراجعة الشعبية(48).
تمثل هذه العبارة من منظور تحليل النظم السياسية؛ ما يمكن تسميته بـ”تفكيك العصمة السياسية” منذ اللحظة الأولى لتشكل الدولة، فهي تنقل السلطة من كونها امتدادا للشخص إلى كونها وظيفة مشروطة بالقيم، وتربط الطاعة بالالتزام لا بالمكانة، وهذا يتقاطع مع ما تؤكد عليه نظريات الشرعية الحديثة من أن السلطة التي لا تقبل المساءلة تتحول سريعا إلى تسلط (49).
واللافت هنا أن هذا التأسيس لم يكن موجها للنخبة فقط، بل للجمهور العام، مما يعني أن المساءلة لم تكن امتيازا نخبويا، بل حقا مجتمعيا؛ وهذا يعكس فهما عميقا لدور المجتمع في ضبط السلطة لا مجرد تلقيها.
وعلى المستوى الدعوي والاجتماعي، لم ينظر ابو بكر إلى النقد بوصفه تهديدا لوحدة الصف، بل بوصفه آلية حماية له، ويتجلى ذلك في تعامله مع اعتراضات بعض الصحابة على قتال مانعي الزكاة، حيث لم يقمع الرأي المخالف، ولم يصنفه خروجا، بل ناقشه، وحاجج، ثم ثبت على رأيه بالحجة لا بالقهر (50).
الخليفة الثاني (رضي الله عنه) لم يبن سلطته على الهيبة ولا التاريخ ولا الصحبة، بل أسسها على شرعية قابلة للمساءلة، وهذا يضعه كنقطة تأسيس في مسار الدولة النقدية في الإسلام.
ثانيا- الشورى في خلافة ابي بكر – من النخبة إلى المجتمع
عند تحليل اليات اتخاذ القرار في عهد ابي بكر، يتضح أنه لم يحصر المشورة في دائرة ضيقة، بل كان يستدعي أهل الرأي والخبرة من مختلف الاتجاهات. وهذا يعكس فهما مبكرا لما يمكن تسميته بـ “تعدد مصادر المعرفة” في صناعة القرار(51).
وهو بذلك يجمع بين مشورة كبار الصحابة، ومراعاة المزاج العام للمجتمع، والاصغاء للمعترضين، وهذا الدمج بين النخبة والقاعدة هو ما يمنح الشورى بعدها الاجتماعي، لا السياسي فقط.
هنا نؤكد على ان الشورى ليست فقط الية حكم؛ بل الية اندماج اجتماعي تمنع احتكار القرار، وتقلل الاحتقان، وتبني شعورا بالشراكة.
وهذا ما تفتقده العديد من المؤسسات المعاصرة التي تحصر القرار في مجالس مغلقة، ثم تستغرب ضعف الانتماء.
ثالثا- خلافة عمر – الانتقال من الشورى الى ثقافة المساءلة العلنية
تمثل خلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مرحلة نوعية في تطور مفهوم المراجعة والمساءلة، حيث انتقلت الشورى من كونها ممارسة داخلية إلى ثقافة عامة يمارسها المجتمع علنا، ويكفي في هذا السياق استحضار واقعة المرأة التي اعترضت على تحديد المهور، فقال عمر: “أصابت امرأة وأخطأ عمر”(52).
من منظور تحليلي وفق قواعد الثقافة السياسية، تمثل هذه الواقعة تحولا مهما:
-الحاكم يُراجع علنا
-القرار يُنقض علنا دون أن تمس هيبة الدولة
وهذا نموذج متقدم لما تسميه نظريات الحكم الرشيد بـ “الشفافية التصحيحية” (Corrective Transparency) (53)، والاهم من ذلك أن عمر لم يعاقب المرأة، ولم يشكك في نيتها، ولم يطلب منها السكوت باسم النظام، بل حول الموقف إلى درس عام في قابلية السلطة للخطأ.
هذه الحادثة تؤسس لقاعدة شديدة العمق؛ الهيبة لا تبنى بإسكات النقد، بل بتحمل النقد، وهو مبدأ غائب تماما في كثير من التجارب المعاصرة.
رابعا- عمر والمسؤولية الاجتماعية
لم يقتصر فتح باب المراجعة في عهد عمر على القضايا الكبرى، بل امتد إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية. فعبارته الشهيرة: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها” تعكس تصورا للسلطة بوصفها مسؤولية خاضعة للمحاسبة الالهية والمجتمعية (54).
هنا نشير الى أن ثاني الخلفاء الراشدين (رضي الله عنه) أسس لما يمكن تسميته بـ”المساءلة الوقائية”، حيث لا ينتظر الخطأ ليصححه، بل يبني سياساته على افتراض قابلية الخطأ (55)، وهذا النموذج يمثل منظور علم الاجتماع السياسي هو عكس ما يسمى بـ”السلطة الدفاعية” التي ترى في كل سؤال تهديدا، وفي كل نقد خصومة (56).
تحليل بنوي:
عمر لم يكن يخاف النقد، لأنه لم يبن شرعيته على العصمة، بل على: العدالة + القابلية للمراجعة، وهذا فارق جوهري.
خامسا- الشورى في البعد الدعوي – المجتمع شريك في الاصلاح
لم تكن الشورى في العصر الراشدي محصورة في القرار السياسي، بل كانت ممتدة إلى المجال الدعوي والتربوي. فالتوجيه، والنصيحة، والاعتراض، كانت تمارس بوصفها واجبا دينيا لا امتيازا تنظيميا، ثقافة النصيحة العلنية، والمراجعة المباشرة في المجتمعات الاولى كانت جزءا من البناء التربوي، لا استثناء فيه (57).
وهذا يعني أن؛ النقد لم يكن سلوكا شاذا بل نسقا تربويا.
وهذا ما نفتقده اليوم حيث يربى الافراد على الصمت لا على السؤال.
سادسا- بناء بيئة نفسية امنة للنقد
عند تحليل شخصية عمر القيادية نجد أنه رغم شدته كان يؤسس لبيئة تسمح بالاعتراض؛ وهذا التناقض الظاهري (الشدة + قبول النقد) هو ما يجعل تجربته فريدة.
وبحسب دراسات القيادة فإن القائد الذي يجمع بين الحزم والمرونة ينتج بيئة عالية الثقة، حيث يشعر الافراد بالأمان في التعبير دون خوف من الانتقام (58)، وهذا يفسر كثرة الاعتراضات في مجلس عمر، لا قلتها.
نستنتج هنا أن؛ بيئة عمر لم تكن بيئة خوف، بل بيئة جدية، وهذا فرق كبير.
سابعا- مقارنة ملبين النموذج الراشدي والواقع المعاصر
عند مقارنة هذا النموذج بالواقع التنظيمي في كثير من الحركات الاسلامية المعاصرة، تظهر مفارقة حادة:
-في النموذج الراشدي:
-الحاكم يسأل
-القرار يراجع
-الناقد يبقى داخل الصف
-الاعتراض لا يساوي الخيانة
في الواقع المعاصر:
-القيادة تقدس
-القرار يحصن
-الناقد يقصى
-السؤال يشيطن
وهذا يعني أننا لم ننحرف فقط عن المثال، بل عن المنهج.
الخلاصة
يمكن استخلاص النتائج الآتية:
-الخلافة الراشدة أسست الشورى كإطار حاكم لا كإجراء شكلي.
-ابو بكر أسس للمساءلة منذ اللحظة الاولى.
-عمر نقل الشورى من النخبة إلى المجتمع.
-النقد كان واجبا اجتماعيا لا جرأة فردية.
-الاعتراض لم يكن سببا للإقصاء.
-البيئة النفسية كانت حاضنة للسؤال لا طاردة له.
وبناء على ذلك، يتضح أن ازمة النقد في الواقع الإسلامي المعاصر ليست تراثية، بل حديثة.
ثالثا: الدولة الأموية تحول هادئ في بنية المراجعة
يمثل الانتقال من الخلافة الراشدة إلى الدولة الأموية لحظة مفصلية في التاريخ السياسي الإسلامي، ليس من حيث الشرعية الدينية فقط، بل من حيث بنية القرار، وموقع الشورى، ودور النقد داخل النظام، ولا يمكن فهم هذا التحول بوصفه انقلابا فجائيا، بل يجب قراءته ضمن سياق اجتماعي وسياسي معقد، اتسم باتساع الدولة، وتغير طبيعة السلطة، وتعاظم التحديات الأمنية والإدارية (59).
هذا الانتقال لم يكن انقطاعا كاملا عن النموذج الراشدي، بل كان إعادة تشكيل تدريجية لمنظومة الحكم، حيث بدأ مركز الثقل ينتقل من الجماعة إلى الفرد، ومن المشورة إلى القرار المركزي، ومن المراجعة إلى الضبط (60).
التحليل البنيوي هنا ضروري لتجنب القراءة الأخلاقية السطحية، والانتقال إلى قراءة مؤسسية تفكك ما يلي:
-ماذا تغير؟
-ولماذا تغير؟
-وكيف أثر ذلك على موقع النقد؟
أولا: من الشورى إلى الإدارة المركزية
أحد العوامل البنيوية الكبرى التي أثرت في بنية المراجعة في العصر الأموي هو الاتساع الجغرافي السريع للدولة، فالدولة التي كانت تدار في المدينة بمجلس مفتوح، تحولت إلى كيان مترامي الأطراف يحتاج إلى جهاز إداري مركزي، وولاة، وجيش دائم، ونظام جباية منظم(61).
الاتساع الجغرافي غالبا ما يؤدي إلى مركزية القرار، وتقليص دوائر المشاركة، وتراجع الشفافية التفاعلية (62)؛ وهذا لا يقرأ كخطأ أخلاقي، بل كتحول وظيفي في طبيعة الدولة.
عندما تتحول الدولة من “جماعة سياسية” إلى “كيان امبراطوري”، يتغير بالضرورة موقع الشورى من مركز القرار إلى هامشه، وهذا ما بدأ يظهر تدريجيا في العصر الأموي.
ثانيا: الشورى الانتقائية
في العصر الراشدي، كانت الشورى عامة في المجال مفتوحة في المشاركة علنية في الممارسة.
بينما تشير المصادر التاريخية إلى أن العصر الأموي شهد تحولا في نمط المشورة، حيث بدأت تمارس داخل دوائر ضيقة من اهل الثقة، والمقربين من السلطة، لا ضمن المجال العام(63).
وتحلل دراسات الحكم السلطاني هذا النمط بوصفه “مشورة انتقائية (Selective Consultation)” حيث يتم الاحتفاظ بالمشورة شكلا، لكن يضبط نطاقها وظيفيا(64).
يمكن القول هنا؛ أن الشورى لم تلغ، لكنها أعيدت هندستها، وهذا التحول رغم كونه مفهوما في سياقه السياسي كان له أثر مباشر على:
-تراجع صوت المجتمع
-تراجع النقد العلني
-انتقال المراجعة من الفضاء العام إلى الغرف المغلقة
ثالثا: تغليب منطق الاستقرار على المراجعة
الدولة الأموية نشأت في سياق صراعات داخلية وحروب أهلية، وهو ما جعل الاستقرار السياسي أولوية عليا(65) لدى صناع القرار، وفي مثل هذه السياقات، تميل النظم إلى تضييق النقد، ضبط المعارضة، تأجيل المراجعة، لا بدافع الاستبداد فقط، بل بدافع الخوف من التفكك.
النظم الخارجة من صراعات داخلية غالبا ما تفضل الضبط على الانفتاح، والهيبة على الحوار، والاستقرار على المشاركة، وهو ما تؤكد عليه وتؤكد دراسات بناء الدولة (State Formation) (66)
تراجع النقد في العصر الأموي لم يكن فقط نتيجة تحول في القيم، بل أيضا نتيجة تحول في منطق الدولة؛ وهذا مهم جدا لفهم المسار دون تبسيط.
رابعا: التحول في صورة الحاكم
في النموذج الراشدي، كان الحاكم جزءا من الجماعة، خاضعا للمساءلة العلنية، قابلا للمراجعة المباشرة، بينما صورة الحاكم في العصر الأموي بدأت تتحول تدريجيا إلى مركز للسلطة لا مجرد إداري لها(67)، وهذا التحول الرمزي له أثر عميق في ثقافة النقد، لأن النقد في المجتمعات التقليدية يرتبط دائما بموقع الرمز، فكلما تعاظمت رمزية الحاكم، تقلصت مساحة مساءلته.
وهذا التحول يوصف في نظريات السلطة الرمزية بأنه انتقال من “الشرعية التشاركية” إلى “الشرعية الكارزمية”(68).
تغير صورة الحاكم يؤدي تلقائيا إلى تغيير موقع النقد.
خامسا: أثر التحول على المجالين الدعوي والاجتماعي
لم يكن هذا التحول سياسيا فقط بل امتد إلى المجال الاجتماعي والدعوي؛ فمع صعود الدولة المركزية، بدأ المجال العام يضيق تدريجيا وتراجع دور المجتمع في مراقبة السلطة، وتحولت النصيحة من ممارسة عامة إلى وظيفة نخبوية، وتضييق المجال العام يؤدي إلى:
-انكفاء الدعوة
-تديين الصمت
-تحويل النصيحة إلى شأن خاص(69)
التحليل البنيوي: حين تضيق السياسة، يضيق معها الدين الاجتماعي، وهذا ما بدأ يتشكل في هذه المرحلة.
سادسا: النقد من العلنية إلى الرمزية
وهنا نؤكد على أن النقد في العصر الأموي لم يختف، لكنه؛ انتقل من العلنية إلى الرمز، ومن المواجهة إلى الشعر، ومن السياسة إلى الزهد، فظهرت مدارس الزهد بوصفها نقدا أخلاقيا غير مباشر، وظهرت المعارضة الشعرية بوصفها نقدا سياسيا رمزيا، وهذا يعكس انتقال النقد من المجال المؤسسي إلى المجال الثقافي، وهو تحول له دلالة عميقة على تغير بنية النظام(70).
استنتاج: حين يغلق باب النقد المؤسسي، يفتح باب النقد الثقافي، وهذا قانون اجتماعي معروف.
سابعا: ما الذي تغير فعلا؟
إذا قارنا حالة النقد في العصر الراشدي بالعصر الأموي من زاوية المراجعة، نجد أن في الراشدي:
-الشورى إطار حاكم
-النقد علني
-المساءلة عامة
-المجتمع شريك
في الأموي:
-الشورى انتقائية
-النقد محدود
-المساءلة نخبوية
-المجتمع متلق
الخلاصة
-العصر الأموي شهد تحولا تدريجيا في موقع الشورى داخل النظام السياسي.
-لم تلغ الشورى، لكنها فقدت موقعها الحاكم.
-النقد لم يختف لكنه انتقل من المجال المؤسسي إلى المجال الرمزي.
-الاستقرار السياسي أصبح أولوية على حساب المراجعة.
-صورة الحاكم تغيرت، فتغير معها موقع النقد.
-المجال الدعوي والاجتماعي تأثر مباشرة بتضييق المجال السياسي.
وبناء على ذلك، يمكن القول إن العصر الأموي يمثل بداية التحول البنيوي في علاقة السلطة بالنقد، لا نهايته.
رابعا: العصر العباسي – بين المركزية وبناء النقد المؤسسي
يمثل العصر العباسي مرحلة مركبة في تطور العلاقة بين السلطة والنقد في التاريخ الإسلامي؛ فمن جهة، شهد هذا العصر تعميقا للمركزية السياسية وبناء جهاز دولة قوي متماسك، ومن جهة أخرى شهد ازدهارا غير مسبوق للمؤسسات العلمية والفقهية والفكرية التي أدت دورا نقديا عميقا، وإن كان غير سياسي مباشر في كثير من الأحيان.
هذا التوازي بين؛ سلطة سياسية مركزية قوية، وسلطة معرفية متنامية ومستقلة نسبيا، يخلق بنية مزدوجة لا يمكن قراءتها بمنطق أبيض/أسود، بل بمنطق التوازن المشدود بين الضبط والحرية، بين الهيبة والمساءلة، بين الدولة والعلم.
أولا: من إدارة الخلافة إلى هندسة السلطة
العباسيون ورثوا دولة واسعة، متعددة الأعراق، متباينة الأقاليم، الأمر الذي فرض بالضرورة تعميق البنية البيروقراطية، وتوسيع جهاز الدواوين، وتعزيز مركز القرار في العاصمة، ومن منظور علم السياسة التاريخي، تمثل هذه المرحلة انتقالا من الدولة الأخلاقية البسيطة ، إلى الدولة المركبة ذات الأجهزة المتخصصة، وهذا التحول البنيوي ينعكس مباشرة على موقع النقد، فكلما تعقدت الدولة، ازداد ميلها إلى الضبط، وكلما توسعت البيروقراطية، ضاق هامش المراجعة العفوية، لذلك فإن النظم المعقدة تميل إلى تقنين المعارضة، وتنظيم المشورة، وضبط المجال العام، وقد تبرر السلطة ذلك على انه ضرورة بل بدافع إدارة المخاطر.
الدولة العباسية لم تكن دولة مستبدة بالضرورة، لكنها كانت أكثر تعقيدا؛ والتعقيد بطبيعته يقلل المساحات الحرة غير المنضبطة وهذا يفسر سبب تراجع النقد السياسي العلني مقارنة بالعصر الراشدي، دون الحاجة إلى تفسير أخلاقي تبسيطي.
ثانيا: النقد من فضاء السياسة إلى فضاء المعرفة
في مقابل تعمق المركزية السياسية، شهد العصر العباسي نشوء ما يمكن تسميته بالمؤسسة العلمية المستقلة متمثلة بالفقهاء، والمحدثون، والاصوليون، والمتكلمون، والمفسرون.
وهذه لها لم تكن تابعة بشكل عضوي للدولة، بل نشأت من داخل المجتمع، ومولت اجتماعيا، واكتسبت شرعيتها من العلم لا من السلطة؛ ومن منظور سوسيولوجي، يمثل هذا نشوء طبقة معرفية مستقلة وهي ظاهرة نادرة في تاريخ الإمبراطوريات.
هذا التحول يعني أن؛ النقد لم يعد فقط سياسيا، بل أصبح علميا، فقهيا، عقديا، فكريا، وبذلك انتقلت وظيفة المراجعة من القصر إلى المسجد، و الحلقة والمدرسة…
حين يضيق النقد السياسي، غالبا ما يتسع النقد المعرفي، وهذا ما حدث بالضبط في العصر العباسي.
ثالثا: شرعية سلطة الفقهاء
الفقهاء في العصر العباسي لم يكونوا مجرد ناقلين للأحكام، بل تحولوا تدريجيا إلى مرجعية تقويمية للمجتمع والسلطة معا، فكانوا يصححون ويعترضون ويفتون بخلاف رغبة الخليفة، ويرفضون التوظيف السياسي، وهو ما أفرز نوعا من التوازن غير المعلن بين الدولة والعلماء، فالدولة تملك القوة والعلماء يملكون الشرعية، وهذا التوازن هو ما منع في كثير من المراحل تحول الدولة العباسية إلى نموذج استبدادي مغلق بالكامل.
الفقهاء لم يسقطوا الدولة لكنهم منعوا تأليهها، وهذا فرق دقيق لكنه حاسم.
رابعا: لحظة الانفجار بين السلطة والمعرفة
تمثل محنة خلق القرآن لحظة مفصلية في العلاقة بين السلطة العباسية والمؤسسة العلمية، إذ اتجهت الدولة إلى فرض تصور عقدي رسمي، فواجهت مقاومة عنيفة من العلماء، وعلى رأسهم الإمام احمد بن حنبل.
ومن منظور تحليلي، لهذه الواقعة تتكشف لنا ثلاثة امور:
1-الدولة كانت تسعى إلى توحيد المرجعية الفكرية.
2-العلماء كانوا يدافعون عن استقلال المجال المعرفي.
3-المجتمع كان يميل وجدانيا إلى العلماء لا إلى السلطة.
وهذا يعني أن ميزان الشرعية لم يكن بيد الدولة وحدها.
المحنة لم تكن فقط صراعا عقديا، بل كانت صراعا على من يملك حق تعريف الحقيقة، وهذا جوهر كل علاقة بين السلطة والنقد.
خامسا: تحول النقد إلى مراجعة أخلاقية
ظهرت في العصر العباسي حركة زهد قوية يمكن قراءتها بوصفها؛ نقدا اخلاقيا صامتا للنموذج السلطوي والترف السياسي، فالزهاد لم يخرجوا بالسيف ولم يكتبوا بيانات، لكنهم انتقدوا الترف، والظلم، وقاطعوا البلاط، وربوا الناس على المسافة من السلطة، وهذا يمثل منظور علم الاجتماع معارضة قيمية غير مباشرة، وهذا شكل راق من النقد في المجتمعات التي تضيق فيها السياسة.
حين يضعف النقد السياسي، يتقوى النقد الاخلاقي، وهذا قانون اجتماعي يتكرر.
سادسا: المدارس الفقهية مؤسسات نقد داخلية
نشوء المدارس الفقهية الكبرى، هو من أعظم ما شهده العصر العباسي؛ وهذه المدارس اصبحت مؤسسات نقد داخلية للفهم الديني نفسه، فالاختلاف الفقهي لم يكن ترفا، بل آلية مراجعة مستمرة للنص والفهم والتطبيق، وهذا يعني أن الاسلام في هذا العصر لم يتحول إلى فكر مغلق، بل إلى فضاء جدلي حي، وهذا الفضاء هو الذي حفظ حيوية العقل الإسلامي إلى يومنا هذا.
الاختلاف الفقهي هو شكل من أشكال النقد المؤسسي، وحين يقمع الاختلاف، يموت العقل.
سابعا: مقارنة بنيوية ماذا ربحنا وماذا خسرنا؟
بالمقارنة مع العصور السابقة، فقد حقق العصر العباسي مكاسب مهمة للحضارة الاسلامية منها:
-تشكيل مؤسسات علمية قوية.
-استقلال نسبي للمعرفة
-التنوع الفكري
في المقابل حدثت خسائر على مستوى النقد والمراجعة لعمل الدولة ومؤسسة الحكم، ومنها
-خسارة الشورى العامة.
-غياب المساءلة السياسية العلنية.
-ضعف مشاركة المجتمع في القرار
وهذا يعني أننا انتقلنا من النقد السياسي المباشر، إلى النقد المعرفي غير مباشر، وهذا انتقال بنيوي لا أخلاقي.
الخلاصة
يمكن استخلاص النتائج الآتية:
-العصر العباسي عمق المركزية السياسية.
-نشأت مؤسسة علمية مستقلة نسبيا.
-انتقل النقد من المجال السياسي إلى المجال المعرفي.
-الفقهاء شكلوا سلطة موازية للسلطة السياسية.
-الزهد مثل نقدا اخلاقيا غير مباشر.
-الاختلاف الفقهي حافظ على حيوية العقل.
-التوازن بين الدولة والعلم منع الانغلاق الكامل.
وبناء على ما تقدم يمكن القول إن العصر العباسي لم يلغ النقد، بل غير مجاله.
خامسا: الدولة العثمانية من الخلافة إلى الإمبراطورية
تمثل الدولة العثمانية أطول تجربة سياسية في التاريخ الإسلامي، وأكثرها تعقيدا من حيث البنية المؤسسية والامتداد الجغرافي والتعدد الاجتماعي، لذلك فإن تحليل موقع النقد والمراجعة في التجربة العثمانية لا يمكن أن يتم بمنطق الإدانة أو التبرئة، بل يجب أن يقرأ ضمن منطق تحول الدولة من جماعة سياسية إلى إمبراطورية حضارية؛ وهذا التحول في ذاته يحمل اثارا عميقة على بنية القرار، وموقع الشورى، ووظيفة العلماء، ودور المجتمع في المراقبة والمساءلة.
وكلما اتسعت النظم السياسية، وزادت رقعتها الجغرافية وتعقدت إدارتها، انتقلت بالضرورة من نمط الحكم التشاركي إلى نمط الحكم البيروقراطي، حيث تصبح الكفاءة الإدارية والاستقرار الوظيفي أولوية على حساب المشاركة الواسعة.
وهذا ما شهدته الدولة العثمانية بوضوح مع تحولها إلى كيان متعدد القوميات، متشعب المصالح، يحتاج إلى جهاز إداري ضخم، ونظام ضرائب منظم وجيش دائم وسلسلة قيادة هرمية؛ ومن منظور علم السياسة التاريخي، يمثل هذا انتقالا من دولة الجماعة إلى دولة الجهاز، وهو انتقال له تبعات مباشرة على موقع النقد والمراجعة داخل النظام.
ففي النموذج الراشدي كانت الشورى جزءا من البنية اليومية للقرار، وكان المجتمع شريكا مباشرا في المراقبة والمساءلة.
أما في النموذج العثماني فأعيدت هندسة الشورى ضمن الأطر المؤسسية، وأصبحت المشورة وظيفة داخل الجهاز لا ممارسة عامة في الفضاء المجتمعي؛ وهذا لا يعني أن الشورى ألغيت، بل يعني أنها انتقلت من المجال العام إلى المجال الإداري، وهذه النقلة البنيوية تفسر كثيرا من التحولات في ثقافة النقد، حيث لم يعد النقد ممارسة اجتماعية مفتوحة، بل أصبح نشاطا مقننا مضبوط الإيقاع محكوما باعتبارات الاستقرار والهيبة.
تعمق البيروقراطية أدى إلى تضييق المساحات غير الرسمية للتعبير، لأن الدولة الإمبراطورية حساسة تجاه الاضطراب، وتفضل الضبط على الانفتاح، والتنظيم على العفوية؛ وهذا ليس حكما أخلاقيا، بل توصيف بنيوي لطبيعة الدولة المركبة، فالأنظمة المعقدة تميل دائما إلى تقنين المجال العام لا إلى فتحه، لأن كلفة الفوضى فيها أعلى من كلفتها في الدول البسيطة.
في هذا السياق، يتغير موقع العلماء بالضرورة، فالعلماء في العصر العثماني لم يعودوا مجرد فاعلين اجتماعيين خارج السلطة كما كان الحال في مراحل سابقة، بل اندمجوا تدريجيا في بنية الدولة عبر القضاء، والإفتاء، ومشيخة الإسلام؛ وهذا الاندماج منحهم نفوذا مؤسسيا كبيرا، ومكنهم من التأثير في التشريع والإدارة، لكنه في المقابل قلص هامش استقلالهم النقدي، وهنا يظهر التحول البنيوي الدقيق: من علماء خارج السلطة يراقبونها، إلى علماء داخل جهاز الحكم يشاركون في تشغيله.
هذا التحول يمثل انتقالا من الرقابة الخارجية إلى الرقابة الداخلية، وهو انتقال يحمل معه دائما مفارقة مزدوجة؛ زيادة التأثير مقابل تقليص حرية المواجهة، فالعالم داخل الجهاز يستطيع أن يغير من الداخل لكنه يفقد القدرة على الصدام العلني، وهذا يفسر لماذا تراجع النقد المباشر للسلطة في العصر العثماني، دون أن يعني ذلك اختفاء الوعي النقدي أو ذوبان المؤسسة العلمية في الدولة.
في مقابل هذا التراجع في النقد السياسي المباشر، برز التصوف في العصر العثماني بوصفه فضاء نقديا أخلاقيا موازيا، فالطرق الصوفية، والزوايا، والمشايخ، لعبوا دورا تربويا عميقا في نقد الترف، والظلم، والقسوة، لكن بلغة الوعظ والتهذيب لا بلغة المواجهة، ومن منظور علم الاجتماع الديني، يمثل التصوف في المجتمعات السلطانية صمام أمان أخلاقي، يوازن بين هيبة الدولة وضمير المجتمع، وهو نقد غير سياسي في شكله، لكنه شديد العمق في أثره القيمي.
كما حافظ القضاء الشرعي في الدولة العثمانية على قدر معتبر من الاستقلال الوظيفي، حيث كان القاضي يحكم بالفقه لا بالأمر السلطاني، ويستند إلى المذهب لا إلى التوجيه الإداري، وهذا خلق مساحة مراجعة قانونية داخل النظام، حتى في ظل مركزية الدولة، وهذه المساحة لم تكن ثورية، لكنها كانت كابحة للتغول، تمنع تحول الدولة إلى جهاز مطلق بلا ضوابط.
أما المجتمع، فلم يكن خاضعا خضوعا كاملا، ولا ثائرا ثورة دائمة، بل كان مجتمعا متكيفا، يمارس أشكالا من النقد الرمزي عبر الأدب، والشعر، والحكاية، والوعظ، والنكتة. وهذا النمط من النقد الثقافي يظهر عادة حين يضيق النقد المؤسسي، وهو يعكس وجود وعي نقدي غير مصرح به رسميا، لكنه حاضر وجدانيا.
ومع دخول الدولة العثمانية مراحلها المتأخرة، تعمق الجمود المؤسسي، وتصلبت البيروقراطية، وضعف التجديد، وبدأ يظهر انفصال تدريجي بين الدولة والمجتمع، وهذا الانفصال انعكس مباشرة على ضعف المراجعة الداخلية، وبطء الإصلاح، وتعطل آليات التصحيح. وتمثل هذه الحالة ما يعرف بـ “الصلابة المؤسسية”، حيث تفقد المؤسسة قدرتها على التعلم الذاتي، وتتحول إلى كيان يدافع عن نفسه أكثر مما يراجع ذاته.
وهنا تبرز مفارقة حضارية عميقة: الدولة العثمانية بلغت ذروة التنظيم والاتساع، لكنها في الوقت نفسه بدأت تفقد قدرتها على المراجعة العميقة، وهذا ما يفسر لماذا سقطت في النهاية دون ثورة فكرية داخلية كبيرة، لأن النقد لم يكن في موقعه المؤثر داخل بنية القرار، بل كان محاصرا في المجالات الثقافية والروحية.
من خلال هذا التحليل، يمكن القول إن التجربة العثمانية لم تلغ النقد، لكنها أبعدته عن مركز السلطة.
ولم تقتل المراجعة، لكنها قننتها وضبطتها؛ وهذا التحول البنيوي يفسر كثيرا من ملامح الانفصال بين الدولة والمجتمع في أواخر العهد العثماني، ويشكل جسرا تفسيريا ضروريا لفهم ما سيأتي بعد سقوط الخلافة.
أولا: تعمق البيروقراطية وتحول الدولة من الجماعة إلى الجهاز
أحد أهم التحولات البنيوية الحاسمة في الحكم تمثل في الانتقال من نمط الدولة الجماعة، إلى نمط الدولة الجهاز، فمع اتساع الرقعة الجغرافية، وتعدد القوميات، وتعقد شبكة الضرائب والحاجة إلى جيش دائم، أصبح من غير الممكن إدارة الدولة بالآليات البسيطة التي كانت سائدة في العصر الراشدي أو حتى في بدايات الدولة الأموية، وقد حل الجهاز الإداري محل البنية التشاركية، وأصبحت الدواوين، والولايات، والهرمية الوظيفية هي الإطار الناظم للقرار السياسي(71).
ويؤكد خليل إينالجك في دراسته عن الإدارة العثمانية أن الدولة العثمانية “بنت واحدة من أكثر البيروقراطيات انضباطا في العالم الإسلامي، تعتمد على التسلسل الوظيفي الصارم، وتحديد الاختصاص، والرقابة الداخلية” (72)، وهذا الوصف لا يحمل في ذاته إدانة، لكنه يكشف تحولا جوهريا في منطق الحكم: من حكم يقوم على القرب الاجتماعي إلى حكم يقوم على الوساطة المؤسسية.
يذهب ماكس فيبر، من منظور علم السياسة المقارن، إلى أن البيروقراطية بطبيعتها تميل إلى إغلاق المجال العام، لأنها تعمل بمنطق الإجراء لا بمنطق المشاركة، وبمنطق الانضباط لا بمنطق الحوار (73) وإذا أسقطنا هذا التحليل على التجربة العثمانية، يتضح أن تعمق البيروقراطية لم يكن مجرد تطور إداري، بل كان تحولا في بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث انتقلت المشاركة من كونها حقا اجتماعيا إلى كونها وظيفة إدارية.
هذا التحول انعكس مباشرة على موقع النقد والمراجعة، ففي الدولة الجماعة يكون النقد جزءا من التفاعل اليومي، بينما في الدولة الجهاز يصبح النقد محكوما بالقنوات الرسمية ومقيدا بالإجراءات، ومضبوطا بالتراتبية؛ وكلما توسع الجهاز تقلصت المساحات الحرة للتعبير، ليس بالضرورة بسبب القمع، بل بسبب منطق الضبط المؤسسي الذي يخشى الاضطراب أكثر مما يحتمل التصحيح، بحسب دراسات الحوكمة التاريخية (74).
التحليل البنيوي هنا يقود إلى نتيجة دقيقة: أن تراجع النقد في الدولة العثمانية لم يكن في بداياته نتيجة نزعة استبدادية، بل نتيجة تحول وظيفي في طبيعة الدولة، غير أن هذا التحول، مع الزمن، أنتج بيئة أقل حساسية للمراجعة، وأكثر ميلا إلى الدفاع عن الاستقرار القائم، حتى على حساب التصويب.
ثانيا: اندماج العلماء في الجهاز وتحول وظيفة النقد
المؤسسة العلمية في الدولة العثمانية لم تقص عن الدولة بل على العكس: جرى إدماجها إدماجا واسعا في الجهاز الرسمي عبر القضاء، والإفتاء، ومشيخة الإسلام، ويذهب رشاد جلال في دراسته عن القضاء العثماني إلى أن “العلماء تحولوا من فاعلين اجتماعيين مستقلين إلى موظفين كبار داخل الدولة”(75) وهذا التحول منحهم نفوذا تشريعيا واسعا، لكنه في الوقت نفسه أعاد تعريف دورهم الوظيفي.
هذا الانتقال يمثل تحولا من الرقابة الأخلاقية الخارجية إلى الضبط القانوني الداخلي، من منظور علم الاجتماع المؤسسي، فالعالم الذي كان يقف في وجه السلطة من خارجها، أصبح جزءا من منظومتها، ويشير بيير بورديو في تحليله للعلاقة بين السلطة والمعرفة إلى أن إدماج النخب المعرفية في الجهاز يؤدي غالبا إلى ترويض خطابها النقدي دون الحاجة إلى قمع مباشر (76).
منصب شيخ الإسلام مثلا، رغم مكانته العالية، كان جزءا من النظام السلطاني، يخضع لمنطق الدولة في التعيين والعزل مما قلل من مساحة المواجهة المباشرة (77) وهذا لا يعني خيانة العلماء ولا تديين السلطة، بل يعني أن موقع العالم البنيوي تغير، وبالتالي تغيرت أدواته وحدود فعله.
العلماء في العصر العثماني لم يتوقفوا عن النقد، لكنهم انتقلوا من نقد السلطة إلى تقويم المجتمع، ومن المواجهة السياسية إلى الضبط الفقهي. وهذا التحول يفسر لماذا ازدهر الفقه والتقنين في العصر العثماني، بينما تراجع النقد السياسي العلني.
ثالثا: التصوف كفضاء نقد أخلاقي بديل
التصوف في العصر العثماني لم يكن مجرد حركة روحية، بل كان يؤدي وظيفة اجتماعية نقدية واضحة. فحين تضيق السياسة، ويقنن الفقه، يبحث المجتمع عن فضاء آخر للتعبير القيمي، وغالبا ما يكون هذا الفضاء هو الدين الوجداني، ويذهب أنور الجندي إلى أن الطرق الصوفية لعبت دور الضمير الأخلاقي للمجتمع العثماني (78).
ومن منظور تحليلي، يمكن تصنيف التصوف في هذه المرحلة بوصفه نقدا أخلاقيا غير مباشر للسلطة، عبر التركيز على الزهد، والعدل، ومحاسبة النفس، وذم الترف، ويشير عبد الوهاب المسيري في تحليله للظاهرة الصوفية إلى أن الزهد غالبا ما يكون رد فعل حضاري على فائض السلطة وفائض الثروة (79).
هذا النقد لم يكن سياسيا في شكله، لكنه كان عميقا في أثره الاجتماعي؛ فهو يعيد تعريف القيم، ويضع مسافة وجدانية بين المجتمع والسلطة، ويمنع الذوبان الكامل في النموذج السلطاني، ومن منظور علم الاجتماع يمثل هذا ما يسمى بـ”المعارضة القيمية (Value-based Opposition)، وهي شكل راق من النقد في البيئات السلطوية.
التحليل هنا يقود إلى نتيجة دقيقة:
حين يقيد النقد المؤسسي، لا يموت النقد، بل يتحول مجاله، وفي الحالة العثمانية، تحول من السياسة إلى الأخلاق.
رابعا: القضاء الشرعي كمساحة مراجعة داخل النظام
تشير الدراسات المتخصصة في القضاء العثماني إلى أن القاضي كان يتمتع بهامش استقلال معتبر، يستمده من الفقه لا من السلطة التنفيذية. ويؤكد روجر أوين في تحليله للنظم القانونية الإسلامية أن القضاء في الدولة العثمانية كان أحد آخر الخطوط الدفاعية ضد تغول السلطة(80).
فالقاضي يحكم باسم الشرع، ويستند إلى المذهب، وليس إلى الأمر السلطاني، وهذا خلق ما يمكن تسميته بمساحة مراجعة قانونية داخل النظام، وهذه المساحة لم تكن سياسية لكنها كانت كابحة للتجاوز.
تمثل هذه البنية ما يسمى بـ “الضبط الداخلي” (Internal Regulation) في علم النظم؛ حيث تقوم أجزاء من النظام بتقويم أجزاء أخرى دون الحاجة إلى ثورة أو صدام، وهذا النمط شائع في الدول المركبة.
نخلص هنا إلى أن:
الدولة العثمانية لم تكن جهازا مطلقا، بل جهازا محكوما بتوازنات داخلية، أحدها القضاء. وهذا يفسر لماذا استمر قدر من العدالة حتى في مراحل الضعف.
خامسا: المجتمع والنقد الثقافي غير المؤسسي
المجتمعات الإمبراطورية تمارس أنماطا من النقد غير المباشر عبر الحكاية الشعبية، الشعر، النكتة، الموعظة؛ ويذهب جيمس سكوت في كتابه “الهيمنة وفنون المقاومة” إلى أن المجتمعات الخاضعة تطور دائما ما يسميه بـ”النص الخفي”، وهو خطاب نقدي غير رسمي يتداول في الظل (81).
وإذا طبقنا هذا على المجتمع العثماني، نجد أن الأدب الشعبي، والشعر، والمواعظ، كانت تحمل نقدا ضمنيا للظلم والفساد، وهذا يعني أن الوعي النقدي لم يمت، بل انتقل إلى المجال الثقافي.
قانون اجتماعي: حين يغلق النقد المؤسسي، يفتح النقد الثقافي.
سادسا: التكلس المؤسسي في المراحل المتأخرة
المرحلة الأخيرة في أعمار الامبراطوريات عادة ما تتسم بتضخم الجهاز الحكومي، وضعف التجديد، وتكلس البنية، وفقدان القدرة على التعلم الذاتي، ويؤكد أرنولد توينبي في تحليله لانهيار الحضارات أن الحضارات لا تموت بالضربة الخارجية، بل بـ”الجمود الداخلي”(82)، وفي الحالة العثمانية، تظهر بوضوح علامات الصلابة المؤسسية في القرنين الأخيرين: بطء الإصلاح، مقاومة التغيير، ضعف الاستجابة للتحديات الجديدة. وهذا كله يعكس غياب آليات المراجعة العميقة.
التحليل البنيوي هنا شديد الوضوح:
حين تتوقف المؤسسة عن مراجعة ذاتها، تبدأ بالانهيار.
سابعا: الحصيلة البنيوية للتجربة العثمانية في باب النقد
عند جمع هذه العناصر، يتضح أن التجربة العثمانية، لم تلغ النقد، ولم تؤله السلطة، لكنها أبعدت النقد عن مركز القرار، وهذا الإبعاد هو ما جعل الإصلاح متأخرا، ورد الفعل بطيئا، والتجديد ضعيفا.
وبذلك يمكن القول – بمنهج علمي لا عاطفي – إن الدولة العثمانية نجحت حضاريا، لكنها أخفقت مؤسسيا في بناء منظومة مراجعة ذاتية فعالة في مراحلها المتأخرة.
سادسا: سقوط الخلافة وبداية الدولة القومية
لم يكن سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 مجرد حدث سياسي رمزي، بل كان لحظة قطيعة بنيوية أعادت تشكيل المجال العام في العالم الإسلامي من جذوره. ففي البنى الإمبراطورية السابقة كان توزيع الشرعية متعددا؛ الدولة تملك أدوات الحكم، والعلماء يملكون جزءا من الشرعية الدينية، والاوقاف تمول مجالات معرفية وخدمية خارج سيطرة الدولة المباشرة، بينما يظل المجتمع محتفظا بقنوات نقد ثقافي وديني متراكمة.
ومع ميلاد الدولة القومية الحديثة، بدأ مسار جديد يقوم على تجميع أدوات السلطة في مركز واحد، والسعي لاحتكار الشرعية السياسية والمعرفية معا، وهو ما يعني أن النقد لم يعد وظيفة اصلاحية، بل صار منافسا على الشرعية في نظر الدولة الناشئة (83).
وتظهر أدبيات بناء الدولة الحديثة؛ أن الدولة حين تتشكل ضمن سباق على السيطرة والاستخراج (جباية، تجنيد، ادارة) تميل بالضرورة إلى توحيد أدوات القهر والمال في يد مركز واحد، وتحييد كل مراكز القوة المنافسة.
ويقدم تشارلز تيلي صيغة تفسيرية مفيدة هنا مفادها أن بناء الدولة في السياق الأوروبي ارتبط تاريخيا بتوسيع قدرة المركز على تعبئة الموارد وفرض النظام عبر مؤسسات قسرية وإدارية، وهو منطق لا يتكرر حرفيا في الشرق الاوسط، لكنه يساعد على فهم لماذا تتوتر الدولة الحديثة بنيويا مع النقد عندما تعرفه كتهديد للتماسك لا كأداة تعلم(84).
في السياق الشرق أوسطي، لم تأت الدولة القطرية بوصفها تطورا عضويا من داخل المجتمع، بل تشكلت غالبا ضمن لحظة استعمارية وما بعد استعمارية حملت معها جهازا اداريا مركزيا حديثا، شديد الحساسية تجاه الاضطراب. وتوضح ليزا اندرسون، في دراساتها عن تشكل الدولة في شمال افريقيا، كيف يمكن أن تتكون دولة قوية اداريا، لكنها ضعيفة تمثيليا، أي تمتلك جهازا فعالا للضبط دون أن تمتلك عقدا سياسيا متينا يؤسس للمساءلة(85) وهذا التكوين ينتج تلقائيا ثقافة سياسية تكافئ الصمت وتجرم الاعتراض: لأن الدولة تعتبر النقد علامة على انقسام المجتمع، لا علامة على حيويته.
وبصورة أكثر جرأة لم يقتصر التحول على السياسة، بل طال طريقة تصور المجتمع نفسه.
يشرح تيموثي ميتشل، في تحليله لخبرة مصر الحديثة تحت الاستعمار، أن مشروع التحديث لم يكن مجرد إصلاحات إدارية، بل عملية إعادة ترتيب تجعل المجتمع قابلا للرؤية والقياس والتصنيف، ومن ثم قابلا للإدارة؛ بهذا النسق تصبح مؤسسات مثل التعليم والسجل المدني والشرطة ليست خدمات فقط، بل أدوات لانتاج مجتمع منضبط، وتحديد ما هو مقبول وما هو خارج (86) وهنا يتغير معنى النقد: بدل أن يكون جزءا من العقل العام، يصبح تشويشا على هندسة النظام.
وعندما تنتقل الدولة من كونها مركز حكم إلى كونها مركز تعريف، أي تعريف الوطنية والشرعية والمعقول والمرفوض، فإن النقد يتحول من اختلاف في الرأي إلى خروج على السردية الرسمية.
وهذا يفسر لماذا تعززت في المنطقة فكرة الاستقرار بوصفها القيمة العليا، ولو على حساب المراجعة.
وتقدم ايفا بيلين تحليلا شديد الاهمية حين تربط استمرار السلطوية في الشرق الأوسط بما تسميه “متانة الجهاز القسري” واستعداده وقدرته على سحق المبادرات الديمقراطية، وهو ما يعني أن بيئة النقد لا تقاس فقط بالنوايا، بل بالبنية المادية للمؤسسات القسرية وإرادتها السياسية (87).
ومن أخطر ما ترتب على هذه القطيعة البنيوية: أن المجال الديني نفسه لم يعد فضاء مستقلا ينتج النقد من الداخل، بل صار هدفا لإعادة التنظيم والاحتواء، فالدولة الحديثة لم تكتف ببناء وزارة داخلية، بل بنت وزارة اوقاف، ومؤسسات افتاء رسمية، ونظم ترخيص للوعظ والتعليم الديني؛ أي أنها سعت إلى إدارة الدين ضمن منطق الدولة، هذا لا يعني أن الدين تحول إلى دعاية بالضرورة في كل الحالات، لكنه يعني أن النقد الديني للسلطة فقد كثيرا من استقلاله البنيوي لأن مصادره المؤسسية باتت مرتبطة بالترخيص والوظيفة والميزانية.
وتساعدنا تحليلات طلال اسد حول تشكل العلماني في فهم كيف تعيد الدولة الحديثة تعريف الدين وحدوده ووظائفه داخل المجال العام (88).
ثم جاء عامل اخر أكثر حدة؛ صعود الدولة العسكرية/الحزبية في أجزاء واسعة من العالم الإسلامي وفي هذا النمط لا تكون الدولة مجرد ادارة، بل مشروعا شموليا يطالب بالولاء، ويعيد تعريف الوحدة باعتبارها انضباطا، لا باعتبارها مشاركة.
ويحلل خوان لينز خصائص النظم السلطوية بوصفها نظما تقلص التعددية، وتحتكر المجال العام، وتستخدم مؤسسات الاعلام والتعليم لإنتاج “اجماع موجه”، وهو ما يجعل النقد مكلفا دائما حتى لو كان اصلاحيا (89).
وعند هذه النقطة يلتقي السياسي بالثقافي، ثقافة الوصاية الابوية في المنطقة لا تعمل وحدها، لكنها تتغذى من بنية الدولة القسرية وتخدمها، فحين تصاغ الطاعة في الوعي الجمعي كفضيلة مطلقة، ويصاغ النقد كقلة أدب أو خروج عن الجماعة، يصبح من السهل على الدولة (وأحيانا على التنظيمات غير الحكومية) أن تعيد انتاج نموذج “القائد/الرعية” داخل المؤسسات المدنية والدعوية. ويقدم هشام شرابي مفهوم “النيوبطريركية” بوصفها نمطا حديثا يعيد انتاج البنى الابوية داخل شكل حديث من الدولة والمجتمع، بحيث يظهر التحديث شكليا بينما تبقى العلاقات السلطوية عميقة (90).
وهنا نصل إلى أخطر نتيجة في هذا الباب (وبأقصى قدر من الجرأة العلمية):
كثير من المؤسسات والحركات في المنطقة، بما فيها الحركات ذات المرجعية الإسلامية، لم تكتف بالتأثر بالدولة السلطوية من الخارج، بل حملت منطقها إلى الداخل.
فمع ضغط الملاحقة والاغلاق، تتشكل البنى الدفاعية داخل التنظيمات: مركزية القرار تأليه الانضباط تضييق النقد الداخلي، وتحويل وحدة الصف إلى ذريعة لتعطيل المراجعة.
وتساعد دراسة كاري ويكهام لتطور جماعة الإخوان المسلمين في تفسير كيف تتغير البنى التنظيمية تحت الضغط السياسي، وكيف يتحول التنظيم من فضاء تعلم إلى فضاء حماية ذاتية يرى النقد تهديدا وجوديا (91).
بهذا المعنى، فإن القطيعة بعد سقوط الخلافة لم تنتج فقط دولا قطرية، بل أنتجت نمطا جديدا من العلاقة بالنقد، دولة تعتبر النقد منافسة على الشرعية، ومجتمعا يخلط بين النصيحة والفضيحة، وتنظيمات دفاعية تخلط بين المراجعة والانشقاق، وهذه ثلاثية تفسر لماذا تتكرر أخطاء المؤسسات في العالم الإسلامي رغم كثرة الوعظ وقلة التغيير: لأن الآليات التي تحول النقد إلى تعلم تم تفكيكها تاريخيا، واستبدلت بآليات تجعل الصمت شرطا للاستمرار.
سابعا: كيف تتحول المؤسسات المدنية والدعوية إلى بنى مضادة للنقد؟
لا يمكن فهم أزمة النقد داخل المؤسسات المدنية والدعوية في العالم الإسلامي بمعزل عن السياق السياسي والثقافي الذي نشأت فيه، فهذه المؤسسات لم تتشكل في فراغ، بل نشأت في بيئة دولة قطرية سلطوية، وثقافة اجتماعية أبوية، وتاريخ طويل من القمع والاشتباه الأمني، وهذا التداخل بين السياسي والثقافي والتنظيمي أنتج نمطا خاصا من المؤسسية يمكن وصفه – تحليليا – بأنه مؤسسية دفاعية، مؤسسات ترى في النقد تهديدا، وفي المراجعة خلخلة، وفي السؤال شبهة.
المؤسسات التي تنشأ تحت ضغط خارجي شديد (قمع، ملاحقة، تضييق) تميل إلى تطوير آليات داخلية للحماية الذاتية، أهمها؛ مركزية القرار، تضييق دوائر الثقة، وتقديس القيادة بوصفها رمز الاستمرارية.
ويذهب روبرت ميشيلز في نظريته المعروفة بـ”القانون الحديدي للأوليغارشية” إلى أن التنظيمات – مهما كانت نياتها ديمقراطية – تميل مع الزمن إلى تركيز السلطة في يد نخبة ضيقة، خصوصا حين تواجه تهديدا خارجيا (92) وهذا التحليل يكتسب أهمية خاصة في حالة الحركات الاسلامية والمؤسسات الدعوية التي عاشت طويلا تحت ضغط المنع والملاحقة.
لا يعمل هذا القانون التنظيمي وحده، بل يتغذى على بنية ثقافية أعمق تقوم على الوصاية الابوية، حيث يعاد تعريف الطاعة بوصفها فضيلة أخلاقية، ويعاد تعريف النقد بوصفه سوء أدب أو خروج عن الجماعة.
وهنا يتقاطع التحليل التنظيمي مع تحليل هشام شرابي للنيوبطريركية، حيث يبين أن المجتمعات العربية الحديثة أعادت انتاج البنى الابوية داخل الأطر الحديثة، فصار القائد – حتى في التنظيم المدني أو الدعوي – يقوم مقام الأب، وتفهم العلاقة معه بمنطق البر لا بمنطق المساءلة (93).
هذا السياق يفسر لماذا تتحول كثير من المؤسسات إلى ما يشبه العائلة الكبيرة لا “المنظمة الحديثة” وفي العائلة لا يكافأ النقد، بل ينظر إليه بوصفه تهديدا للتماسك.
ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يشرح إرفنغ جانيس في نظريته عن “التفكير الجمعي” (Groupthink) كيف أن الجماعات المتماسكة عاطفيا تميل إلى قمع الأصوات الناقدة داخليا حفاظا على الانسجام الظاهري، حتى لو أدى ذلك إلى قرارات خاطئة (94)، وهذا النمط يظهر بوضوح في كثير من المؤسسات الدعوية حيث يقدم “الصف” على “الصواب”، و”الانسجام” على “التصويب”.
ومن أخطر آليات التحول إلى بنية مضادة للنقد: شخصنة المؤسسة، فبدل أن تكون المؤسسة منظومة أدوار وقواعد، تصبح امتدادا لشخص أو مجموعة ضيقة من الاشخاص، وفي هذه الحالة، يتحول النقد من كونه مراجعة للأداء إلى كونه هجوما على الشخص، ومن ثم يقابل بالدفاع لا بالتفكير.
ويشير بيير بورديو إلى أن الحقول الاجتماعية حين تختزل في أشخاص، تفقد قدرتها على التجدد، لأن الرأسمال الرمزي يصبح محصورا، ويدافع عنه كما يدافع عن الملكية الخاصة (95).
وفي كثير من الحالات، تتعزز هذه الشخصنة بعامل آخر هو “الأمننة” أي تحويل القضايا التنظيمية إلى قضايا أمنية، فالناقد لا يسأل: هل كلامه صحيح؟ بل يسأل: ما نيته؟ لمن يعمل؟ من يقف وراءه؟ وهذا النمط ليس خاصا بالدولة فقط، بل يتسرب إلى التنظيمات التي تعيش تحت ضغط الدولة.
وتبين دراسة كاري ويكهام لتطور جماعة الإخوان المسلمين أن فترات القمع الشديد دفعت التنظيم إلى تشديد الانضباط، وتضييق دوائر القرار، وتحويل النقد الداخلي إلى ملف حساس، وهذا لا يفهم بوصفه “انحرافا أخلاقيا” بقدر ما يفهم بوصفه استجابة بنيوية للضغط.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الاستجابة المؤقتة إلى ثقافة دائمة، فالتنظيم الذي بني على منطق الطوارئ، إذا لم يراجع نفسه بعد زوال الطوارئ، يتحول إلى بنية مغلقة بطبيعتها، وهنا يقع ما يسميه علم التنظيم بتكلس القواعد (Rule Rigidity) حيث تصبح القواعد غاية لا وسيلة، ويصبح الحفاظ على الشكل أهم من تحقيق المقصد (96).
ومن منظور تربوي، يشير باولو فريري إلى أن المؤسسات التي لا تربي أعضاءها على السؤال والنقد، بل على التلقي والطاعة، تنتج “وعيا مكمما” عاجزا عن المبادرة (97)، وهذا التحليل ينطبق بوضوح على كثير من البيئات الدعوية التي تركز على الامتثال أكثر من التفكير، وعلى السمع أكثر من الفهم.
وهنا يتكون جيل صالح لكنه غير ناقد، متحمس لكنه غير بصير، مخلص لكنه غير قادر على التصويب، وهذه واحدة من أخطر نتائج غياب ثقافة المراجعة.
وإذا جمعنا هذه العناصر معا، نجد أن المؤسسة في كثير من السياقات الشرق اوسطية تعيش داخل مثلث ضاغط:
-دولة سلطوية تجرم النقد.
-ثقافة أبوية تشيطن السؤال.
-تنظيم دفاعي يقدس الانضباط.
وفي هذا المثلث، يصبح النقد فعلا مكلفا نفسيا، اجتماعيا، وتنظيميا. فيقصى الناقد لا لأنه مخطئ، بل لأنه “مربك”.
وتهمش المراجعة لا لأنها غير مفيدة، بل لأنها “تفتح بابا لا نريده”.
وهنا يحدث التحول الخطير: من ثقافة ترى النقد أداة إصلاح، إلى ثقافة تراه خطرا وجوديا.
والأخطر من ذلك أن هذا النمط يعاد إنتاجه جيلا بعد جيل. فالعضو الجديد يتعلم منذ البداية أن السلامة في الصمت، وأن القبول في الامتثال، وأن التقدم في الولاء. ومع الزمن، لا يعود التنظيم بحاجة إلى قمع النقد، لأن الأعضاء يقمعونه ذاتيا، وهذا ما يسميه فوكو “الضبط الداخلي”، حيث تتحول السلطة من جهاز خارجي إلى آلية داخل الوعي (98).
ثامنا: النتائج التحليلية العامة
استخلاصا بنيوية من المسار القرآني إلى الدولة القومية
بعد تتبع مفهوم النقد والمراجعة في القرآن، والسنة، والسيرة، والخلافة الراشدة، والتحولات الأموية، ثم العباسية، فالعثمانية، وصولا إلى الدولة القومية الحديثة، يمكن استخلاص جملة من النتائج التحليلية المتماسكة التي تكشف أن أزمة النقد في العالم الاسلامي المعاصر ليست عرضا عابرا، ولا انحرافا أخلاقيا فرديا، بل نتيجة مسار تاريخي بنيوي طويل أعاد تشكيل العلاقة بين السلطة، والمعرفة، والمجتمع.
أولا: يتبين بوضوح أن القران الكريم أسس منذ البداية لنمط من الوعي قائم على محاسبة الذات، ونقد السلوك، ومراجعة التصورات، ورفض التقليد الأعمى، وتجريم اتباع الظن، وتكريس العقل أداة في التكليف.
وهذا يعني أن الأصل المرجعي في الاسلام هو نقدي لا تسليمي، وأن أي ثقافة تشيطن السؤال أو تجرم المراجعة إنما تناقض البنية القرآنية لا تنسجم معها.
ثانيا: تكشف السنة النبوية في ممارسات القيادة والقرار عن نموذج عملي متقدم في إدارة النقد، حيث قبل الاعتراض في المجال العسكري، والاجتماعي والتنظيمي، والدعوي، دون أن يفسر بوصفه تمردا، ودون أن يرتب عليه إقصاء؛ بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قبل النقد حتى حين جاء من موقع أدنى، أو بصيغة حادة، أو بفهم ناقص، ولم يحول الخطأ في التقدير إلى خصومة شخصية؛ وهذا يؤسس لنمط قيادي يرى النقد وظيفة إصلاحية لا تهديدا للهيبة.
ثالثا: يظهر النموذج الراشدي بجلاء أن الشورى لم تكن قيمة تجميلية، بل بنية حكم، وأن المحاسبة لم تكن استثناء، بل ممارسة يومية.
ومع التحول الأموي، بدأ الانتقال من الخلافة الشورية إلى الملك السياسي، وبدأ تضييق المجال النقدي، ليس فجأة، بل تدريجيا، مع بقاء بعض آثاره في الفقه والأدب.
رابعا: في العصر العباسي، انتقل النقد من المجال السياسي إلى المجال المعرفي، وتراجع النقد العلني للسلطة، لكن ازدهر النقد الفقهي، والكلامي، والفلسفي، وهذا يؤكد أن النقد لم يمت، بل غير مجاله حين ضاق المجال السياسي. وهو قانون اجتماعي يتكرر.
خامسا: في الدولة العثمانية، تعمقت البيروقراطية، واندمج العلماء في الجهاز، وبرز التصوف كفضاء نقد أخلاقي بديل، وحافظ القضاء على مساحة مراجعة قانونية، لكن النقد ابتعد تدريجيا عن مركز القرار، ومع التكلس المؤسسي في المراحل المتأخرة، ضعفت آليات التصحيح، وتباطأ الإصلاح.
سادسا: مع سقوط الخلافة وقيام الدولة القومية الحديثة، حدثت قطيعة بنيوية مع منظومة المراجعة التاريخية، إذ سعت الدولة الحديثة إلى احتكار الشرعية، وضبط المجال الديني، وأمننة السياسة، وتحويل النقد إلى خطر أمني، وتغذى هذا كله بثقافة أبوية تجرم السؤال، وتقدس الطاعة، وتربط الاستقرار بالصمت.
سابعا: الأخطر من ذلك أن كثيرا من المؤسسات والحركات في العالم الاسلامي اعادت انتاج منطق الدولة السلطوية داخل بنيتها التنظيمية، فتحولت من فضاءات دعوية أو مدنية إلى بنى دفاعية ترى النقد تهديدا، وتخلط بين وحدة الصف وإغلاق باب المراجعة، وبين الطاعة والانضباط الأعمى، وهنا لم تعد المشكلة خارجية فقط (الدولة)، بل داخلية أيضا (الثقافة التنظيمية).
ثامنا: يتضح من مجمل المسار أن أزمة النقد في العالم الإسلامي المعاصر ليست أزمة “نص”، ولا أزمة “دين”، بل أزمة بنية سياسية–ثقافية–تنظيمية، أي أن النص يؤسس للنقد، لكن البنية تعاديه. وهذه المفارقة هي مفتاح الفهم.
تاسعا: يتبين كذلك أن المجتمعات التي غاب فيها النقد المؤسسي لم تصبح مجتمعات بلا وعي، بل تحولت إلى ممارسة النقد بطرق غير مباشرة: أخلاقيا، ثقافيا، رمزيا، ساخرا، وهذا يدل على أن الحاجة للنقد حاجة فطرية، لكن القنوات هي التي تغلق أو تفتح.
عاشرا: يظهر أن المؤسسات التي لا تراجع ذاتها لا تسقط فجأة، بل تتكلس، ثم تفاجأ بالانهيار، وهذا ما يفسر كثرة الإخفاقات في العمل الدعوي والمدني والسياسي رغم كثرة النوايا الطيبة.
تاسعا: التوصيات الإصلاحية
-إعادة بناء ثقافة النقد بوصفها شرطا للنهضة المؤسسية.
هذه التوصيات لا تصاغ بوصفها نصائح أخلاقية، بل هي مداخل بنيوية لإعادة هندسة العلاقة بين القيادة، والمؤسسة، والناقد وهي موجهة بالدرجة الأولى إلى:
-المؤسسات الدعوية
-الجمعيات الخيرية
-الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية
-مؤسسات المجتمع المدني
-القيادات الفكرية والدينية
1-إعادة تعريف النقد في الوعي المؤسسي؛ وتفكيك الصورة الذهنية السائدة عن النقد، يجب الانتقال من تعريفه بوصفه: تشويشا – تمردا – تهديدا.
إلى تعريفه بوصفه: آلية تعلم – أداة تصحيح – ضمانة ضد الانحراف.
وهذا يتطلب عملا تربويا واعيا داخل المؤسسات، يعيد ربط النقد بنصوص الوحي، وبالسيرة، وبالنموذج النبوي، لا بتراث التنظيم فقط.
2-الفصل بين “المكانة” و”الصواب”
من أخطر آليات تعطيل النقد خلط المكانة بالصواب، حيث يرفض الرأي لا لأنه ضعيف، بل لأن قائله صغير او حديث عهد بالمؤسسة، ويقبل الرأي لا لأنه قوي، بل لأن قائله كبير او من الرعيل الاول.
التوصية هنا: ترسيخ مبدأ أن الحجج لا تقاس بالأشخاص، وأن القيمة العلمية لا تقاس بالموقع التنظيمي.
وهذا يتطلب:
-آليات تقييم موضوعية
-لجانا مستقلة للمراجعة
-ثقافة تسمح للأصغر أن يصوب للأكبر دون خوف
-3 بناء قنوات رسمية للمراجعة الداخلية
المؤسسات التي لا تملك قنوات رسمية للنقد، ستدفع النقد إلى الظل، حيث يتحول إلى تذمر أو انفجار.
التوصية العملية:
-إنشاء وحدات مراجعة داخلية مستقلة
-فتح جلسات تقييم دورية
-إتاحة تقارير نقدية محمية من العقاب
-النقد الذي لا يجد قناة، يتحول إلى أزمة.
4- تفكيك الشخصنة وبناء المؤسسية
-أي مؤسسة تختزل في شخص، محكوم عليها بالهشاشة.
-أي نقد يفهم بوصفه هجوما على الشخص، محكوم عليه بالرفض.
التوصية:
الانتقال من “القيادة الكارزمية” إلى “قيادة النظام”، بمعنى:
-تحديد الصلاحيات
-تقنين القرار
-توثيق الإجراءات
-منع تركز السلطة
5- التمييز الصارم بين وحدة الصف وإلغاء العقل
-وحدة الصف قيمة، لكنها ليست بديلا عن المراجعة.
-الانضباط ضرورة، لكنه ليس بديلا عن التفكير.
التوصية:
إعادة تعريف وحدة الصف بوصفها وحدة على الحق، لا وحدة على الخطأ.
وهذا يتطلب شجاعة قيادية، لأن القائد الحقيقي لا يخاف من السؤال.
6-تأهيل القيادات على إدارة النقد
كثير من القيادات لم تدرب على إدارة النقد، بل دربت على إدارة الأتباع، وهذا فرق جوهري.
التوصية:
ادخال المهارات التالية ضمن برامج اعداد القادة:
-إدارة الخلاف
-الاستماع النقدي
-تحويل النقد إلى قرار
7- تحرير الخطاب الديني من تديين الصمت
من أخطر الانحرافات: تحويل الصمت إلى عبادة، والطاعة إلى غاية، والنصيحة إلى فتنة.
التوصية:
إعادة الاعتبار لفريضة النصيحة، والأمر بالمعروف، ومحاسبة النفس، في الخطاب الديني، لكن بلا فوضى، بلا تشهير، بلا صدام، بل بمنهج علمي أخلاقي.
8-حماية الناقد لا معاقبته
-المؤسسة التي تعاقب الناقد، تقتل جهازها العصبي.
-المؤسسة التي تحمي الناقد، تحمي مستقبلها.
التوصية العملية:
-سن لوائح تحمي من يقدم الملاحظات.
-منع أي إجراء انتقامي
-مكافأة من يكشف الخلل مبكرا
9-الانتقال من ثقافة السمع والطاعة إلى ثقافة الفهم والمشاركة
وهذه من أعمق التحولات المطلوبة، لأن السمع والطاعة بلا فهم تنتج جموعا، لا شركاء.
التوصية:
-إعادة هندسة التربية التنظيمية لتقوم على: الفهم – السؤال – النقاش – المشاركة، وهذا يحتاج وقتا، لكنه يصنع مؤسسات لا تخدع ولا تستنزف.
10-الربط الواعي بين المرجعية الاسلامية والمنهج المؤسسي الحديث
لا يكفي أن نقول عندنا شورى، بل يجب أن نسأل: كيف تدار؟ من يشارك؟ كيف توثق؟ كيف تلزم؟
التوصية:
11-تحويل الشورى من قيمة رمزية إلى نظام اجرائي.
خلاصة ختامية
يمكن القول في ختام هذا البحث إن أزمة النقد في العالم الإسلامي ليست أزمة أخلاق أفراد، ولا أزمة نصوص، بل أزمة بنى: بنى دولة، وبنى ثقافة، وبنى تنظيم.
وأن استعادة النقد ليست ترفا فكريا، بل شرطا للنهضة؛ وأن أي مشروع إصلاحي يتجاوز هذا الملف محكوم عليه بإعادة إنتاج الفشل.
كما يمكن الجزم – بناء على هذا المسار التحليلي – أن:
-الأمة التي لا تراجع، لا تتجدد.
-المؤسسة التي لا تسائل، لا تتعلم.
-الدعوة التي لا تنقح، لا تثمر.
يمكن الاطلاع على الجزء الأول من الدراسة من خلال الرابط ادناه
https://mohammadsadk.com/كيف-يساهم-النقد-في-تحسين-عمل-المؤسسات؟/
الهوامش
(1) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد شاكر، دار هجر، القاهرة، 2001، ج24، ص155.
(2) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، 1999، ج4، ص491.
وانظر: الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج30، ص157.
(3) Senge, Peter M., The Fifth Discipline: The Art & Practice of The Learning Organization, Doubleday, New York, 1990, pp. 8–12.
(4) الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، ج4، ص381.
(5) ابن القيم، مدارج السالكين، ج1، ص 455.
(6) Bazerman, Max H. & Moore, Don A., Judgment in Managerial Decision Making, Wiley, 2013, p. 37–40.
(7) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، دار هجر، القاهرة، ج7، ص98.
وانظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية، ج4، ص33.
(8) القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، القاهرة، ج4، ص171.
(9) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد، المدينة، ج28، ص126–127.
(10) O’Donnell, Guillermo, “Horizontal Accountability in New Democracies”, Journal of Democracy, 1998, p.112–126.
(11) طه جابر العلواني، أدب الاختلاف في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1995، ص43–45.
(12) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009، ص112–115.
(13) ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، ج2، ص196.
(14) محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009، ص112–113.
(15) محمد أركون، نقد العقل الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1998، ص45–50.
(16) DiMaggio, Paul J. & Powell, Walter W., “The Iron Cage Revisited: Institutional Isomorphism and Collective Rationality”, American Sociological Review, 1983, p.147–160.
(17) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، 1999، ج4، ص17.
(18) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد، المدينة، ج7، ص284.
(19) يوسف القرضاوي، فقه الاختلاف في الإسلام، دار الشروق، القاهرة، 1994، ص36–38.
(20) Weber, Max, Economy and Society, University of California Press, 1978, p.241–254.
(21) الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج2، ص30.
(22) العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار الكتب العلمية، بيروت، ج1، ص7.
(23) طه عبد الرحمن، روح الدين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2006، ص45–50.
(24) عبد الكريم بكار، نقد الوعي التربوي والدعوي، دار القلم، دمشق، 1999، ص66–70.
(25) ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية (رواية ابن إسحاق)، تحقيق مصطفى السقا وآخرين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج2، ص233.
(26) ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، مجمع الملك فهد، المدينة المنورة، ج20، ص179.
(27) Yukl, Gary, Leadership in Organizations, Pearson, 2013, pp.110–115.
(28) ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج2، ص236.
(29) Edmondson, Amy, “Learning from Failure”, Harvard Business Review, 2011.
(30) Heifetz, Ronald & Linsky, Marty, Leadership on the Line, Harvard Business School Press, 2002, pp.13–20.
(31) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره من معايش الدنيا، حديث رقم 2363.
(32) Senge, Peter, The Fifth Discipline: The Art and Practice of the Learning Organization, Doubleday, 1990, pp.68–75.
(33) Edmondson, Amy, “Psychological Safety and Learning Behavior in Work Teams”, Administrative Science Quarterly, Vol.44, No.2, 1999.
(34) الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات في أصول الشريعة، دار المعرفة، بيروت، ج5، ص177.
(35) Mintzberg, Henry, The Rise and Fall of Strategic Planning, Free Press, 1994.
(36) Edmondson, Amy, “Psychological Safety and Learning Behavior in Work Teams”, Administrative Science Quarterly, Vol.44, No.2, 1999, pp.350–383.
(37) Morrison, Elizabeth & Milliken, Frances, “Organizational Silence: A Barrier to Change and Development in a Pluralistic World”, Academy of Management Review, Vol.25, No.4, 2000, pp.706–725.
(38) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، حديث رقم 2731.
(39) Fayol, Henri, General and Industrial Management, Pitman, 1949.
(40) الغنوشي، راشد، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993، ص 112–115.
(41) القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، ج16، ص 37.
الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث، ج27، ص 166.
ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية، ج25، ص 64.
(43) Kahneman, Daniel, Thinking, Fast and Slow, Farrar, Straus and Giroux, 2011.
Janis, Irving, Groupthink, Houghton Mifflin, 1982.
(44) Senge, Peter, The Fifth Discipline: The Art and Practice of the Learning Organization, Doubleday, 1990, pp.18–25.
(45) Argyris, Chris & Schön, Donald, Organizational Learning II: Theory, Method, and Practice, Addison-Wesley, 1996, pp.21–30.
(46) Pateman, Carole, Participation and Democratic Theory, Cambridge University Press, 1970, pp.68–75.
(47) الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار الهلال، القاهرة، ص 45–50.
(48) الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، ج3، ص210.
(49) Beetham, David, The Legitimation of Power, Palgrave Macmillan, 1991, pp.25–30.
(50) البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، حديث رقم 1399.
(51) محمد عمارة، الإسلام والاستبداد السياسي، دار الشروق، القاهرة، 2001، ص 75–80.
(52) رُوي هذا الأثر في سياق تفسير قوله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} (النساء: 20). ينظر: القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، القاهرة، ج5، ص99–100؛ وابن كثير، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، الرياض، ج2، ص243.
(53) عن علاقة الشفافية بالمساءلة والتصحيح المؤسسي، ينظر: Hood, Christopher & Heald, David (eds.), Transparency: The Key to Better Governance?, Oxford University Press, 2006؛ Fox, Jonathan, “The Uncertain Relationship between Transparency and Accountability”, Development in Practice, 17(4–5), 2007, pp.663–671.
(54) تُنسب هذه العبارة إلى عمر بن الخطاب في كتب الآثار والأدب السياسي بصيغ متعددة. للمقاربة الأوسع حول تصور عمر للمسؤولية والمحاسبة، ينظر: ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، ج3، ص281–285؛ والطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، ج4، ص205–210.
(55) حول فكرة “المساءلة الاستباقية/الوقائية” بوصفها بناء سياسات على افتراض الخطأ والمخاطر قبل وقوعها، ينظر: Bovens, Mark, “Analysing and Assessing Accountability: A Conceptual Framework”, European Law Journal, 13(4), 2007, pp.447–468؛ وPower, Michael, The Risk Management of Everything, Demos, 2004.
(56) في تفسير النزوع الدفاعي لدى القيادات والمؤسسات عند مواجهة النقد، ينظر: Argyris, Chris, Overcoming Organizational Defenses: Facilitating Organizational Learning, Allyn and Bacon, 1990.
(57) عن “النصيحة/الأمر بالمعروف” كآلية اجتماعية للضبط والمراجعة في التجربة الإسلامية المبكرة وتطورها، ينظر: Cook, Michael, Commanding Right and Forbidding Wrong in Islamic Thought, Cambridge University Press, 2000.
(58) حول أثر الجمع بين الحزم والمرونة في بناء الثقة ورفع الأمان في التعبير داخل المنظمات، ينظر: Heifetz, Ronald & Linsky, Marty, Leadership on the Line, Harvard Business School Press, 2002، ص13–25؛ Edmondson, Amy, “Psychological Safety and Learning Behavior in Work Teams”, Administrative Science Quarterly, 44(2), 1999, pp.350–383.
(59) Kennedy, Hugh, The Prophet and the Age of the Caliphates, Routledge, 2004, pp.80–95.
(60) Donner, Fred, The Early Islamic Conquests, Princeton University Press, 1981, pp.210–220.
(61) Kennedy, Hugh, The Prophet and the Age of the Caliphates, Routledge, 2004, pp.96–110.
(62) Tilly, Charles, Coercion, Capital and European States, Blackwell, 1990.
(63) البلاذري، أنساب الأشراف، تحقيق سهيل زكار، دار الفكر.
(64) Linz, Juan J., Totalitarian and Authoritarian Regimes, Lynne Rienner, 2000, pp.159–170.
(65) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار التراث.
(66) Tilly, Charles, Coercion, Capital and European States, Blackwell, 1990.
(67) Wellhausen, Julius, The Arab Kingdom and Its Fall, University of Calcutta, 1927.
(68) Weber, Max, Economy and Society, University of California Press.
(69) عبد العزيز الدوري، دراسات في العصور الإسلامية الأولى، مركز دراسات الوحدة العربية.
(70) شوقي ضيف، العصر الأموي، دار المعارف.
(71) Hugh Kennedy, The Prophet and the Age of the Caliphates, 2nd ed., Longman, London, 2004, pp.127–145؛
Ira M. Lapidus, A History of Islamic Societies, Cambridge University Press, 2002, pp.79–110.
(72) خليل إينالجيك، الإمبراطورية العثمانية: العصر الكلاسيكي 1300-1600، دار فينيكس للنشر لندن 2000، ص 65-90.
(73) Max Weber, Economy and Society, Vol.1, University of California Press, 1978, pp.956–1005؛ Max Weber, From Max Weber: Essays in Sociology, Oxford University Press, 1946, pp.196–244.
(74) Charles Tilly, Coercion, Capital, and European States, AD 990–1992, Blackwell, 1990, pp.67–95؛
James C. Scott, Seeing Like a State, Yale University Press, 1998, pp.2–8, 87–102؛
Timothy Mitchell, Rule of Experts, University of California Press, 2002, pp.1–23.
(76) Pierre Bourdieu, On the State, Polity Press, 2014, pp.140–165.
(77) Richard Repp, The Müfti of Istanbul, Ithaca Press, 1986, pp.1–40.
(78) أنور الجندي، معالم الفكر الإسلامي، دار الاعتصام، القاهرة، 1981، ص 233–240؛
أنور الجندي، الصحوة الإسلامية في مواجهة التحديات الحضارية، دار الاعتصام، القاهرة، 1985، ص 145–150.
(79) عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة، 2002، ج2، ص 213–220؛
عبد الوهاب المسيري، رحلتي الفكرية: في البذور والجذور، دار الشروق، القاهرة، 2003، ص 178–182.
(80) Roger Owen, State, Power and Politics in the Making of the Modern Middle East, Routledge, London, 2000, pp. 30–45.
(81) James C. Scott, Domination and the Arts of Resistance: Hidden Transcripts, Yale University Press, New Haven, 1990, pp. 2–15.
(82) Arnold J. Toynbee, A Study of History, Oxford University Press, Vol. IV, pp. 45–60.
(83) Max Weber, Politics as a Vocation, in: H.H. Gerth & C. Wright Mills (eds.), From Max Weber: Essays in Sociology, Oxford University Press, 1946, pp. 77–78.
(84) Charles Tilly, Coercion, Capital, and European States, AD 990–1992, Blackwell, Oxford, 1992, pp. 67–95.
(85) Lisa Anderson, The State and Social Transformation in Tunisia and Libya, Princeton University Press, 1986, pp. 12–30.
(86) تيموثي ميتشل، استعمار مصر، مطبعة جامعة كامبريدج، 1988، ص 1-25.
(87) Eva Bellin, “The Robustness of Authoritarianism in the Middle East”, Comparative Politics, Vol. 36, No. 2 (2004), pp. 139–157.
(88) Talal Asad, Formations of the Secular: Christianity, Islam, Modernity, Stanford University Press, 2003, pp. 1–17.
(89) Juan J. Linz, Totalitarian and Authoritarian Regimes, Lynne Rienner, 2000, pp. 159–185.
(90) Hisham Sharabi, Neopatriarchy, Oxford University Press, 1988, pp. 3–20.
(91) Carrie Rosefsky Wickham, The Muslim Brotherhood: Evolution of an Islamist Movement, Princeton University Press, 2013, pp. 90–130.
(92) Robert Michels, Political Parties: A Sociological Study of the Oligarchical Tendencies of Modern Democracy, Free Press, New York, 1962 (orig. 1911), pp. 365–392.
(93) Hisham Sharabi, Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society, Oxford University Press, 1988, pp. 22–45.
(94) Irving L. Janis, Groupthink: Psychological Studies of Policy Decisions and Fiascoes, 2nd ed., Houghton Mifflin, Boston, 1982, pp. 9–35.
(95) Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power, Harvard University Press, 1991, pp. 163–170.
ينظر أيضًا: Pierre Bourdieu, The Logic of Practice, Stanford University Press, 1990, pp. 52–65.
(96) Michael T. Hannan & John Freeman, “Structural Inertia and Organizational Change”, American Sociological Review, Vol. 49, No. 2, 1984, pp. 149–164.
ينظر أيضًا: James G. March & Herbert A. Simon, Organizations, Wiley, 1958, pp. 140–160.
(97) Paulo Freire, Pedagogy of the Oppressed, Continuum, New York, 1970, pp. 52–67.
(98) ميشيل فوكو، المراقبة والعقاب: ولادة السجن، ترجمة: جورج أبي صالح، دار الطليعة، بيروت، ص 245–275.

