أمريكا تتجه نحو سياسة البلطجة الدولية

تحليل دلالات اختطاف مادورو وتحولات القوة الأمريكية

لم يكن الإعلان الأمريكي عن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثا عابرا في سجل الصراعات الدولية، بل هو علامة فارقة في تطور السلوك الأمريكي على المسرح العالمي. 

الحدث لا يتعلق فقط بعملية أمنية أو خلاف سياسي مع نظام مادورو، بل بانتقال واضح من سياسة الضغط والاحتواء إلى سياسة الفعل القسري المباشر، خارج أي غطاء دولي.

إذا نحن هنا أمام تحول نوعي في مفهوم استخدام القوة؛ من الهيمنة المقنعة بالقانون الدولي، إلى ما يمكن وصفه بوضوح بـ (البلطجة الدولية).

عملية الاختطاف حدث كاشف 

عملية اختطاف مادورو كما قدمت في الخطاب الأمريكي، لم تسوق باعتبارها حربا، ولا حتى تدخلا عسكريا تقليديا، بل كعمل تنفيذي سيادي تقوم به واشنطن ضد رئيس دولة أخرى.

هذه الصيغة بحد ذاتها تحمل دلالة خطيرة:

1- لم تطرح العملية في إطار القانون الدولي.
2-لم تُستحضر قرارات أممية أو تحالفات دولية.
3-لم يقدم أي التزام بقواعد السيادة.
بمعنى آخر، الولايات المتحدة نصبت نفسها قاضيا وجلادا في آن واحد، وهو ما يمثل خروجا صريحا على قواعد النظام الدولي الذي قامت واشنطن نفسها بتكريسه بعد الحرب العالمية الثانية.

خطاب يؤطر للبلطجة

لا يمكن فصل عملية مادورو عن اللغة السياسية التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعاطيه مع دول أمريكا اللاتينية.

حين يقول في خطاب إعلان مادورو:

  • إن رئيس كولومبيا يصنع الكوكايين ويرسله إلى الولايات المتحدة.
  • ويصف المكسيك بأنها تدار من عصابات المخدرات.
  • ويؤجل الحديث عن كوبا باعتبارها ملفًا قادما.

فنحن هنا لا نقرأ تصريحات منفصلة، بل بناء سرديا متكاملا يقوم على:

  1. شيطنة الأنظمة.
  2. نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عنها.
  3. تقديم التدخل الأمريكي بوصفه ضرورة أخلاقية وأمنية.
    هذا النمط الخطابي هو ذاته الذي سبق التدخلات العسكرية الكبرى في التاريخ الحديث، حيث يصبح العنف لاحقا نتيجة منطقية لخطاب سابق.

عقيدة سياسية لا إجراء تكتيكي

إذا كان ترامب يمثل الوجه الشعبوي لسياسة الادارة الامريكية الحالية، فإن تصريحات وزير خارجيته ماركو روبيو تكشف عن عمق عقائدي لهذا التوجه، فقد قال في وقت سابق معلقا على قضايا أمريكا اللاتينية:

“لو كنت أعيش في هافانا وكنت عضوًا في الحكومة لكنت قلقا على الأقل”

هذا يثبت اننا لسنا أمام ليس توصيف سياسي، بل رسالة تهديد غير مباشرة، تتجاوز الأعراف الدبلوماسية، وتدخل في منطق الترهيب الاستباقي.

كما ان وصفه كوبا بأنها “كارثة يديرها رجال غير أكفاء ومصابون بالخرف” يعكس:

-إنكارا لسيادة الدولة.
-تحقيرا ممنهجا للنخب الحاكمة.
-تهيئة نفسية للرأي العام لفكرة التدخل.
هنا تتحول الخارجية الأمريكية من جهاز دبلوماسي إلى أداة ضغط نفسية وسياسية.

توسيع دائرة التهديد

الأخطر في مسار الادارة الامريكية ليس ما جرى في فنزويلا وحسب، بل بقابلية تعميم النموذج.

فحين يربط مراقبون بين ما حدث لمادورو وتحذيرات ترامب لإيران بشأن التعامل مع المتظاهرين السلميين، فإنهم يلتقطون إشارة بالغة الخطورة، مفادها أن نقل منطق الاختطاف والتدخل من الإقليم الخلفي (أمريكا اللاتينية) إلى مسارح دولية أكثر حساسية امر وارد.

هذا يعني أن معيار التدخل لم يعد عسكريا صرفا، بل أصبح مرتبطا بتقدير واشنطن لسلوك الأنظمة داخليا، أي أن السيادة باتت مشروطة بالرضا الأمريكي!.
مرحلة غير مسبوقة في بنية النظام الدولي

في الحرب الباردة، ورغم كل شيء، كان هناك؛ عدو واضح هو (الاتحاد السوفياتي)، حدث فيه تقاسم نفوذ مدروس، اسس لخطوط حمراء متبادلة.
أما اليوم، فنحن أمام قوة عظمى؛ بلا ند مكافئ، بلا رادع دولي فعال، وبلا حاجة لتبرير أفعالها ضمن نظام ثنائي.
وهنا تكمن خطورة البلطجة الدولية، فنحن امام تشكل قوة مطلقة تتحرك خارج القواعد لأنها لم تعد مضطرة لاحترامها.

وهذا يستدعي استحضار نموذج النازية الهتلرية في المانيا، وهناك اوجه تشابه منها:

1-الخطاب القومي الفج.
2-تضخيم الأخطار الخارجية.
3-تصوير الذات باعتبارها المنقذ الوحيد للنظام العالمي.
4-تحويل القوة إلى أداة طبيعية للحسم السياسي.
فهتلر لم يبدأ بحرب عالمية، بل بخطاب، ثم بتجاوزات صغيرة، ثم بفرض أمر واقع،  والتاريخ يعلمنا أن الانزلاق لا يحدث فجأة بل بالتدرج.

خاتمة تحليلية

ما جرى مع مادورو ليس نهاية القصة، بل بدايتها؛ نحن أمام تحول بنيوي في السياسة الأمريكية، ينتقل فيها مركز الثقل من القانون إلى القوة، ومن التحالف إلى الإكراه، ومن القيادة إلى الفرض.

إنها مرحلة تعاد فيها صياغة العلاقات الدولية على قاعدة واحدة:

من يملك القوة يملك الحق.

وهي قاعدة، إن استقرت، فلن تهدد خصوم واشنطن فقط، بل النظام الدولي برمته.

Scroll to Top