من يقرأ القرآن بتمعن، يصل إلى حقيقة أجدها قاعدة مطردة في معرفة الله تعالى، وفهم ذاته وصفاته العلية القدسية، ومنها أنه جل جلاله له معايير في الحكم على الاشياء وتقييم الوقائع، تختلف تمام الاختلاف عن المعايير التي يتعامل بها الناس فيما بينهم.
ومن ذلك ما يمر بنا في كل جمعة بالكهف، مع نبي الله موسى والعبد الصالح، وفي صحيح البخاري وردت ملابسات تُفصّل هذه الواقعة، ينقل فيها أبي بن كعْب، عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قوله: *(قَامَ مُوسَى خَطِيبًا في بَنِي إسْرَائِيلَ فقِيلَ له: أيُّ النَّاسِ أعْلَمُ؟ قالَ: أنَا، فَعَتَبَ اللَّهُ عليه إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، وأَوْحَى إلَيْهِ: بَلَى عَبْدٌ مِن عِبَادِي بمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هو أعْلَمُ مِنْكَ، قالَ: أيْ رَبِّ، كيفَ السَّبِيلُ إلَيْهِ؟ قالَ: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فَحَيْثُما فقَدْتَ الحُوتَ فَاتَّبِعْهُ، قالَ: فَخَرَجَ مُوسَى ومعهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بنُ نُونٍ، ومعهُما الحُوتُ حتَّى انْتَهَيَا إلى الصَّخْرَةِ، فَنَزَلَا عِنْدَهَا…* إلى أن قال: *(فَلَمَّا انْتَهَيَا إلى الصَّخْرَةِ، إذْ هُما برَجُلٍ مُسَجًّى بثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عليه مُوسَى، قالَ: وأنَّى بأَرْضِكَ السَّلَامُ، فَقالَ: أنَا مُوسَى، قالَ: مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: هلْ أتَّبِعُكَ علَى أنْ تُعَلِّمَنِي ممَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا؟….الحديث).*
*الشاهد؛* أن موسى نبي من أولي العزم، وكليم الله وصفيه، وبموجب هذه المعايير من سيكون على وجه الأرض أعلم منه؟ لذلك لم يجد غضاضة في الاجابة عن سؤال من سأل حين قال *أنا*، فهو على وجه الحقيقة كذلك تصدقه المعايير الأرضية.
لكن معايير الله مختلفة في الحكم على الوقائع، وكان لابد للباري عزوجل أن يصحح مسارات المفاهيم مع نبيه، كما فعل مع سائر انبيائه وأصفيائه، لكي يعلم البشرية من خلال نقل الواقعة في كتابه الخاتم، ألا تركن إلى معايريها وتطلق العنان لقصورها في النظر إلى الأشياء، فإن هي فعلت ذلك زاغت وضلت فأضلت، وطغت فبغت.
فجاء العتاب سريعا إلى كليم ربه *(إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ وأَوْحَى إلَيْهِ: بَلَى عَبْدٌ مِن عِبَادِي بمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ).*
دعونا ننظر للأمر من زاوية عقولنا القاصرة؛ موسى نبي الزمان، وما كان للعبد الصالح أن يسير في طريق الحق سبحانه الا باتباع مقام النبوة.
لكن العليم العاطي سبحانه؛ الذي كرم بالنبوة موسى، كرم سواه بالعلم اللدني *(وعلمناه من لدنا علما)*، فما كان للمطلع على أسرار السماء بالوحي، أن يخص نفسه بمرتبة العلم المطلق، دون الرجوع إلى العليم الوهاب تبارك اسمه، وهو ما استحق بموجبه موسى العتاب من ربه.
*أخلص من هذا المساق* إلى أن نظرتنا البشرية إلى الأشخاص يجب أن تترفع عن الحكم على الظواهر والمظاهر، وتتجنب التزكية المطلقة التي نمنحها في العادة لعلمائنا الذين نقدر هيئاتهم أو محفوظاتهم الوافرة من النصوص، أو مؤلفاتهم من الكتب والمجلدات والمصنفات المبهرة، وهي التي تقودنا إلى منحهم صفات الحصانة؛ ويصل بعضنا ببعضهم الى القداسة التي تجرم وتحرم من يفكر او يحدث نفسه بنقدهم ومعارضتهم ومراجعتهم فيما تخرجه عقولهم من نظر وفكر.
فقد يكون أعلم الناس وأتقاهم وأعرفهم بالله رجل لا يحمل إجازة علمية مسندة من شيخ متصلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحمل ماجستير أو دكتوراه تفتح له كل المنابر وتجعله خطيب كل المحافل، قد يكون (رَجُلا مُسَجًّى بثَوْبٍ) لا مؤلفات له تشهره بين الانام، ولا جاه يسوقه متحدثا في كل المنصات، يفتح الله له مغاليق خزائن علمه، ويمنحه الفهم والتأويل والنظر الثاقب، وفي قصة موسى مع العبد الصالح دلالة وعبر.
الأزكى عند الله
ولعل ما أشرت إليه آنفا يذكرنا بقول الله تعالى:
{فلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}، إذ تميل بنا طبائعنا البشرية للتزكية بناء على معايير نستمدها من ظواهر الأشياء، التوجيه القرآني نهانا عن تزكية أنفسنا أو غيرنا والشهادة لها بالخير، لأن الإنسان لا يعلم مصيره ولا يعلم ما قبل من أعماله، ويعلمنا القران الكريم أن المؤمن يعمل العمل الصالح وهو على وجل من أن لا يتقبله منه، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وَجِلَة أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِم رَاجِعُون . أُولَئِك يُسَارعُونَ فِي الْخَيْرَات وَهُم لَها سَابِقُون}.
فالذين يخافون ألا يتقبل الله منهم هم أهل الإيمان، لذلك لا يزكون أنفسهم، وهذا ما ربى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقد قرات في صحيح البخاري حديثا عجبا في هذا الباب، جاء فيه أن:
أم العلاء عمة حزام بن حكيم، قد بايعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبرته أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى حين أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين، قالت أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى، فمرضناه، حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه، دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت:
(رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله).
فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟.
فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أما عثمان فقد جاءه والله اليقين، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به، قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده أبدا، وأحزنني ذلك.
كما أخرج البخاري في الصحيح عن ابن أبي مليكة وهو من كبار التابعين تعليقا قال: (أدركت ثلاثين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ما منهم أحد يقول إيماني على إيمان جبريل وميكائيل، وما منهم أحد إلا وهو يخاف النفاق على نفسه).
وحوت السيرة العطرة صورة نت أروع الصور في هذا الباب، نقلها لنا عمر بن الخطاب، الذي كان يبحث عن رجل من عموم الناس يأتي من اليمن يتطلع ان يستغفر له، يقول عمر محدثا أويس القرني الذي عاصر النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينعم برؤيته:
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: يَأْتي علَيْكُم أُوَيْسُ بنُ عَامِرٍ مع أَمْدَادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ، كانَ به بَرَصٌ فَبَرَأَ منه إلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، له وَالِدَةٌ هو بهَا بَرٌّ، لو أَقْسَمَ علَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لكَ فَافْعَلْ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ له. فَقالَ له عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: الكُوفَةَ، قالَ: أَلَا أَكْتُبُ لكَ إلى عَامِلِهَا؟ قالَ: أَكُونُ في غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيَّ….الحديث) رواه مسلم.
كما نقل لنا الكتاب الكريم في سورة الكهف؛ أن أحدا لن يكون مؤهلا لينال التزكية المطلقة من الناس أو من نفسه في الفقه والعلم والاطلاع على مراد الله وحكمه، كذلك نقلت لنا السنة أن أحباء الله المختصين بقربه وفضله وكرامته، لا يمكن حصرهم أو العثور عليهم بين المشاهير أصحاب الحظوة والمكانة الاجتماعية، بل هم عباد من عباده يعرفهم هو سبحانه ولا نعرفهم نحن، قصر جهلنا البشري في إدراكهم.

