أعلنت مجموعة «دوي هوا» لحقوق الإنسان، في يناير 2024، أن الصين حكمت على “رحيل داووت” وهي أكاديمية بارزة من أقلية الإيغور المسلمة في الصين، بالسجن مدى الحياة بتهمة تعريض أمن الدولة للخطر.
وتُتّهم الحكومة الصينية باحتجاز أكثر من مليون من الأقليات المسلمة في حملة قمع استمرت سنوات تقول جماعات حقوقية إنّها تشمل جرائم ضد الإنسانية.
وأكدت ابنتها “أكيدا بولاتي” التي تقيم حالياً في الولايات المتحدة، في مقابلة عبر الهاتف مع وكالة الصحافة الفرنسية، أنها تأمل أن يقوم أكاديميون من أنحاء العالم بالمساعدة في الضغط على بكين؛ وقالت: «آمل ألا يواصلوا الصمت»، مضيفة: «أريد ألا ينسى العالم ولا المنظمات الإنسانية أبداً شعب الإيغور فهُم لا يزالون يعانون».
وناشدت ابنة الأكاديمية دعم والدتها قائلة إن السلطات الصينية لم تُظهر لها أي رحمة، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
ويواجه شعب الاويغور في إقليم “شينجيانغ” في دولة الصين، حملة اضطهاد وملاحقة وتعذيب واحتجاز في معسكرات على شاكلة المعسكرات النازية، بهدف محو هويتهم الدينية وطمس انتمائهم القومي، حيث تفرض السلطات قيوداً مشددة على حياة الأقليات المسلمة في المنطقة باسم مكافحة الارهاب والتيارات الانفصالية، بحسب تقارير للأمم المتحدة.
وتحدثت تقارير حقوقية محلية ودولية العام الماضي عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان طالت أقلية الاويغور المسلمة في المنطقة الواقعة شمال غرب الصين والتي تتشارك بحدود مع باكستان وأفغانستان.
من هم الاويغور
يشكل شعب الاويغور المسلم نسبة 45٪ من أصل 11 مليون نسمة من سكان إقليم “شينجيانغ” الصيني الذي يخضع لحكم ذاتي.
الأويغور ومعناها “الاتحاد أو التحالف” كانت قبائل رحل تعيش في منغوليا، وقد وصلوا إلى الصين بعد سيطرتهم على القبائل المغولية خلال زحفهم نحو الشمال الغربي للصين في القرن الثامن الميلادي.
يقدر عددهم حسب إحصاء عام 2003 بنحو 8.5 ملايين نسمة يعيش 99% منهم داخل إقليم “شينجيانغ”، ويتوزع الباقون بين كزاخستان ومنغوليا وتركيا وأفغانستان وباكستان وألمانيا وإندونيسيا وأستراليا وتايوان، ويتحدثون اللغة الإيغورية التي تنحدر من اللغة التركية ويستعملون في كتابتها الحروف العربية.
تمكن الايغور من إقامة دولة تركستان الشرقية التي استمرت على مدار عشرة قرون قبل أن تنهار أمام الغزو الصيني عام 1759.
ورغم ضم دولتهم للصين إلا أن الايغور قاموا بعدة ثورات نجحت في بعض الأحيان بإقامة دولة مستقلة على غرار ثورات 1933 و1944، لكنها سرعان ما تنهار أمام الصينيين الذين أخضعوا الإقليم في النهاية لسيطرتهم عام 1949.
وبهدف إحداث تغيير ديموغرافي دفع الصينيون عرق “الهان” الصيني إلى المنطقة وبات أغلبية اليوم على حساب السكان الأصليين.
واستغلت السلطات الصينية أحداث 11 سبتمبر 2001 لشن حملة مطاردة للاستقلاليين الايغور، وتمكنت من القبض على بعض الناشطين بالتعاون مع دول إسلامية منها باكستان وكزاخستان وقيرغزستان في إطار ما يسمى الحملة الدولية لمكافحة “الإرهاب”.
مليون إيغوري معتقل
كشف تقرير صادر عن لجنة القضاء على التمييز العنصري، التابعة للأمم المتحدة في 31 أغسطس 2018، أعدَّه خبراء أمميون في مجال حقوق الإنسان، عن وجود مليون شخص من مسلمي الإيغور، محتجزين بشكل غير قانوني في معسكرات تطلق عليها الصين تسمية (معسكرات إعادة التثقيف السياسي)، وطالبت اللجنة الصين بالإفراج فوراً عنهم منتقدةً ما وصفته بالتعريف الفضفاض الذي تتبناه لمفهوم “الإرهاب” و “الانفصال”.
ولفتت اللجنة في تقريرها إلى أن إبقاء كثير من الايغور قيد الاحتجاز، في إقليم تركستان الشرقية “شينجيانغ”، دون توجيه أي تهمة ومحاكمة بحجة الإرهاب والتطرف الديني ينذر بالخطر.
وأعرب الخبراء عن قلقهم العميق إزاء الأنباء المتواترة حول خضوع معتقلين للحبس الانفرادي لفترات طويلة، وتعرضهم لأنماط من التعذيب والمعاملة السيئة، وأن شعب الايغور يتعرضون لمراقبة جماعية مفرطة، حيث يتم توقيفهم بشكل متكرر على حواجز الشرطة، وفحص محتويات هواتفهم المحمولة، وأخد عينات من حمضهم النووي، وتجاهل طلباتهم للسفر خارج البلاد لسنوات.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن المحتجزين الايغور يرغمون في مراكز الاحتجاز على حفظ دعاية الحزب الشيوعي، وانتقاد سلوكهم الديني السابق، وإنكار الإسلام، من خلال أكل لحم الخنزير وشرب الكحوليات، وفقاً لما ذكرته مجلة The Atlantic الأميركية.
وحسب تقرير لمؤسسة “مشروع حقوق الإنسان للاويغور” ومقرها واشنطن، فقد سجنت السلطات الصينية أو أخفت قسريا 338 مثقفاً على الأقل منذ نيسان 2017.
ووفقا للتقرير، تأكدت وفاة خمسة أشخاص خلال احتجازهم، لكن العدد الكلي للمثقفين الذين قضوا خلال فترة سجنهم لا يمكن التأكد منه.
الاضطهاد الديني
لا تكتفي السلطان الصينية بسجن واعتقال وتعذيب الاويغور، بل تمارس ضدهم تميزاً دينياً، وتتخذ إجراءات من خلال مؤسساتها الأمنية لمنعهم من أداء شعارهم الدينية، من بينها منع الطلاب والمعلمين والموظفين من الصيام في شهر رمضان، كما يخضعون لرقابة مشددة.
وفقاً لتقرير بثته إذاعة “آسيا الحرة” الجمعة ٨ فبراير ٢٠١٩، قال السكان إنهم مُجبرون على تناول لحم الخنزير وشرب الخمر في عطلة العام القمري الجديد (عام الخنزير) في البلاد.
وأوضحوا، أن “دعوات وُجّهت إليهم لتناول عشاء رأس السنة الصينية، حيث يقدَّم لحم الخنزير والكحول”.
وأشار السكان إلى أن “مسؤولين صينيين هددوهم بإرسالهم إلى معسكرات إعادة التثقيف؛ إذا رفضوا المشاركة”.
وأظهرت الصور التي أُرسلت إلى الراديو مسؤولاً صينياً في مدينة “يينينغ” بالإقليم يزور أسراً مسلمة ويوزّع لحم الخنزير، عشية الاحتفال بالعام الجديد.
وفي ذات السياق نقلت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية عن المتحدث باسم مجموعة الاويغور في المنفى، ديلكسات راكسيت، قوله: “وفقاً لمعلوماتنا فإن الحكومة الصينية تصعّد من حملتها ليتخلى الاويغور عن تقاليدهم الإسلامية، وإجبارهم على الاندماج في الثقافة الصينية، وعلى الاحتفال بالسنة القمرية الجديدة”.
وتابع: “إنهم يجبرون الاويغور على شرب الكحول حتى يثبتوا تخليهم عن معتقداتهم الدينية، ولا يستهتروا بالثقافة الصينية التقليدية”.
إدانات ومواقف دولية
حث نشطاء حقوقيون، مطلع شهر فبراير الجاري، الدول الأوروبية والإسلامية على المبادرة ببدء تحقيق تابع للأمم المتحدة في معسكرات الاعتقال الصينية و”معسكرات التلقين”.
واتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية، في تقرير صادر يوم ١١ سبتمبر ٢٠١٨، الحكومة الصينية بإطلاق “حملة انتهاك جماعية ممنهجة ضد المسلمين الاويغور وقالت: إن لديها “أدلة جديدة على الاعتقال التعسفي الجماعي ضدهم، إلى جانب التعذيب وسوء المعاملة والقيود المتزايدة على الحياة اليومية في جميع أنحاء المنطقة”.
وأوضحت أن “المسلمين الترك، البالغ عددهم 13 مليون نسمة، في الإقليم يخضعون للتلقين السياسي القسري، والعقاب الجماعي، والقيود المفروضة على الحركة والاتصالات، والقيود الدينية المتزايدة، والمراقبة الجماعية”.
ولفتت المنظمة إلى أن “الصين لا تتوقع تكلفة سياسية كبيرة لانتهاكاتها”، مرجعةً ذلك إلى “نفوذها داخل منظومة الأمم المتحدة، في مواجهة الأدلة الدامغة على الانتهاكات الجسيمة في الإقليم”.
ودعت المنظمة الحكومات إلى “اتخاذ إجراءات مشتركة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وإنشاء ائتلاف لجمع وتقييم الأدلة على الانتهاكات في الإقليم، وفرض عقوبات هادفة على أمين الحزب الشيوعي تشن كوانغو وغيره من كبار المسؤولين”.
تركيا هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي أدانت بشكل علني الممارسات الغير إنسانية ضد المسلمين في الصين، وقال حامي أقصوي، المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، في بيان صادر يوم ٩ فبراير الجاري: إن “سياسة الاستيعاب المنظم التي تستهدف الاويغور الأتراك وتنفذها سلطات الصين تعد عاراً كبيراً على الإنسانية”.
وأضاف: “لم يعد سراً أن هناك أكثر من مليون من الاويغور الأتراك الذين يتعرضون لاعتقال تعسفي وتعذيب وعمليات غسل دماغ سياسي في معسكرات الاعتقال والسجون”.
ودعا مُشرِّعون أميركيون، إدارة الرئيس دونالد ترمب، في أغسطس ٢٠١٨ إلى فرض عقوبات على بكين، لاستمرار انتهاجها القمع بحق الأقليات المسلمة في تركستان الشرقية.
وأعاد المشرّعون إحياء مشروع القانون الخميس 17 يناير الماضي، ما قد يمهد الطريق لفرض عقوباتٍ على الصين، ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة The Washington Post الأمريكية فإن مشروع قانون مجلس الشيوخ سيستحدث مناصب داخل وزارة الخارجية الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالات الاستخبارات الأمريكية لدراسة القضايا المتعلقة ببرنامج الاعتقال المستمر، ما يزيد الضغط الذي تمارسه واشنطن على الصين.