خريطة توضح تطورات الحرب في الشرق الأوسط مع إبراز ميناء دمياط المصري وتحليل سياسي حول مزاعم استهدافه وإمكانية توسيع الصراع الإقليمي.

هل تمهد مزاعم استهداف ميناء دمياط لتوسيع الحرب؟

قراءة استراتيجية في دلالات التصعيد واحتمالات إعادة رسم خرائط الصراع في الشرق الأوسط

لا تكتسب الأحداث أهميتها في الحروب الإقليمية الكبرى من حجم الخسائر التي تخلفها؛ بقدر ما تستمدها من توقيتها، والرسائل التي تحملها، والنتائج السياسية والعسكرية التي يمكن أن تترتب عليها.

كثيرا ما كانت حادثة محدودة، أو حتى رواية إعلامية لم تثبت صحتها بعد، نقطة تحول أعادت تشكيل مسار صراع بأكمله، بعدما استخدمت لتغيير المزاج السياسي أو لتبرير انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة؛ من هنا، فإن التعامل مع التقارير التي تحدثت عن استهداف محيط ميناء دمياط المصري بطائرة مسيرة نسبت إلى إيران أو إلى أطراف موالية لها، باعتبارها مجرد خبر أمني، قد يحجب أبعادا أكثر عمقا تتعلق بطبيعة الحرب الدائرة في المنطقة واتجاهاتها المستقبلية.

فالشرق الأوسط يعيش اليوم واحدة من أكثر مراحله سيولة منذ عقود، ولم يعد الصراع محصورا في المواجهة بين إيران والكيان الغاصب، ولا في الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران، بل تحول تدريجيا إلى شبكة متداخلة من الجبهات العسكرية والاقتصادية والإعلامية، حيث يؤثر أي تطور في البحر الأحمر على أسواق الطاقة، وينعكس أي تصعيد في الخليج على حركة التجارة العالمية، بينما أصبحت الحرب النفسية وصناعة الرواية جزءا موازيا للعمليات العسكرية، وربما لا يقل تأثيرا عنها.

يبرز اسم دمياط ضمن هذا السياق، باعتباره أكثر من مجرد موقع جغرافي؛ فالميناء يقع على مقربة من أحد أهم الشرايين التجارية في العالم، ومصر تمثل ركنا رئيسيا في معادلة أمن البحر الأحمر وقناة السويس، ومجرد إدخال اسمها إلى دائرة الاستهداف –سواء ثبتت الرواية أو بقيت في إطار المزاعم– يحمل دلالات تتجاوز الحدث ذاته، ويستدعي التساؤل عما إذا كانت المنطقة تدخل مرحلة جديدة تستهدف توسيع نطاق الحرب، ليس فقط جغرافيا، وإنما سياسيا واقتصاديا أيضا.

والسؤال الذي يحاول هذا التحليل الإجابة عنه ليس ما إذا كانت الرواية صحيحة أو خاطئة، فهذه مسألة تحسمها التحقيقات الفنية، وإنما سؤال آخر أكثر أهمية: 

هل يشير ظهور هذه الرواية في هذا التوقيت إلى محاولة لإعادة تشكيل مسرح الصراع، ودفع أطراف جديدة إلى قلب المواجهة، أم أنها مجرد حلقة جديدة في الحرب الإعلامية التي ترافق كل نزاع إقليمي كبير؟.

لماذا برز اسم دمياط في هذا التوقيت؟

اختيار الأهداف في العلوم العسكرية، لا ينظر إلى بوصفه قرارا ميدانيا فحسب، بل هو رسالة سياسية تحمل مضمونا يتجاوز القيمة العسكرية المباشرة للهدف نفسه، فكثير من العمليات لا تستهدف تدمير موقع معين بقدر ما تستهدف التأثير في حسابات دولة، أو إعادة توجيه اهتمام الرأي العام، أو فرض معادلة ردع جديدة. 

من هذا المنطلق، فإن ظهور اسم ميناء دمياط في خضم تصاعد المواجهة الإقليمية يفرض قراءة أوسع من مجرد البحث في تفاصيل الحادثة.

دولة مصر؛ بخلاف كثير من دول المنطقة، نجحت منذ اندلاع الأزمة في الحفاظ على مسافة محسوبة من المواجهة العسكرية المباشرة، فهي تدرك أن موقعها الجغرافي يجعلها طرفا متأثرا بأي اضطراب في البحر الأحمر أو شرق المتوسط، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الانخراط العسكري المباشر قد يحمل كلفة استراتيجية تتجاوز بكثير أي مكاسب محتملة، لذا تبنت القاهرة سياسة تقوم على احتواء تداعيات الأزمة، مع الحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف، بما يضمن استمرار دورها كوسيط إقليمي، ويجنبها الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

هذه المقاربة لا تخدم مصر وحدها، بل تمثل أيضا عنصر استقرار نسبي في الإقليم، فأي تطور قد يؤدي إلى تغيير هذا الموقف ستكون له انعكاسات تتجاوز الحدود المصرية؛ فدخول القاهرة إلى معادلة الصراع، حتى لو اقتصر في البداية على تشديد الإجراءات الأمنية أو تعديل قواعد الاشتباك، سيعيد حسابات جميع الأطراف، لأن مصر ليست دولة هامشية في معادلة البحر الأحمر، بل إحدى ركائزها الأساسية.

من هنا؛ كان توقيت تداول مزاعم استهداف دمياط مثيرا لتساؤلات مشروعة، فلو افترضنا صحة وقوع حادث أمني، فإن الانتقال السريع إلى ربطه بإيران قبل صدور نتائج رسمية يفتح الباب أمام فرضية أخرى، وهي أن القيمة الحقيقية للرواية لا تكمن في الحدث نفسه، وإنما في الأثر السياسي الذي قد يترتب عليها، فالحروب الحديثة لا تعتمد فقط على الصواريخ والطائرات المسيرة، بل تعتمد أيضا على تشكيل البيئة النفسية والسياسية التي تتخذ في إطارها القرارات العسكرية.

ومن اللافت أن هذه الرواية ظهرت في وقت تتعرض فيه الولايات المتحدة لضغوط متزايدة بسبب اتساع نطاق المواجهة، بينما يواجه الكيان الغاصب لأرض فلسطين المباركة تحديات متصاعدة على أكثر من جبهة، في الوقت الذي يحاول فيه الحوثيون تكريس البحر الأحمر كساحة ضغط استراتيجية، وتواصل إيران إدارة المواجهة عبر شبكة واسعة من الحلفاء الإقليميين؛ في ظل هذا التشابك، يصبح إدخال دولة بحجم مصر إلى دائرة التهديد –حتى على مستوى الإدراك– تطورا لا يمكن فصله عن السياق الأشمل للحرب.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود مخطط مؤكد لاستدراج القاهرة إلى المواجهة، فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة لا تتوافر حتى الآن. 

إلا أن القراءة الاستراتيجية تقتضي التمييز بين؛ إثبات الوقائع، وتحليل دلالاتها، فالتحليل لا يجزم بما لم تثبته الأدلة، لكنه يدرس ما يمكن أن يعنيه الحدث إذا جاء ضمن سياق أوسع من التصعيد وإعادة رسم خرائط الصراع، من هذا المنظور، يبدو أن القيمة الاستراتيجية لمزاعم استهداف دمياط لا تكمن في الأضرار التي قد تكون نجمت عنها، بل في كونها فتحت الباب أمام سؤال لم يكن مطروحا بقوة من قبل: 

هل ما زالت مصر قادرة على البقاء خارج المواجهة إذا استمرت الحرب في التوسع، أم أن التطورات المتلاحقة ستفرض عليها في مرحلة ما إعادة النظر في قواعد إدارتها للأزمة؟.

هذا السؤال، أكثر من الحادثة نفسها، قد يكون مفتاح فهم المرحلة المقبلة من الصراع في الشرق الأوسط.

هل يراد استهداف مصر أم استخدامها لتوسيع الحرب؟

الإجابة عن هذا السؤال تفرض التمييز بين استهداف الدولة ذاتها، واستغلال موقعها الجيوسياسي لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للحرب.

فالمنطق العسكري البحت لا يجعل من مصر حتى الآن، هدفا أوليا لأي طرف يسعى إلى توجيه رسائل ردع إلى الولايات المتحدة أو الكيان، فهناك قواعد أمريكية منتشرة في المنطقة، ومنشآت عسكرية أكثر ارتباطا بمسرح العمليات، وأهداف تحقق أثرا عسكريا وسياسيا أكبر إذا كان المقصود هو التصعيد المباشر. وعليه فإن إدراج مصر في معادلة الاستهداف إن صح، يحتاج إلى تفسير يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.

ومن هنا تبرز فرضية أخرى أكثر اتساقا مع طبيعة الصراعات الحديثة، وهي أن الهدف قد لا يكون استهداف مصر، بقدر ما هو؛ استخدامها لإعادة صياغة المشهد السياسي والإعلامي، ففي الحروب المركبة، لا يشترط أن يكون الهدف الحقيقي هو الموقع الذي يقع عليه الهجوم، بل قد يكون الهدف هو التأثير في رد فعل دولة أخرى، أو دفع الرأي العام إلى تبني مواقف جديدة، أو خلق انطباع بأن الحرب تجاوزت حدودها السابقة وأصبحت قادرة على الوصول إلى أطراف لم تكن تعد نفسها جزءا من المواجهة.

بناء على ما سبق؛ تتجلى أهمية مصر في الحسابات الإقليمية، فهي الدولة العربية الأكبر المطلة على البحر الأحمر، وصاحبة السيادة على قناة السويس، كما أنها تحتفظ بعلاقات معقدة ومتوازنة مع معظم القوى المنخرطة في الأزمة، 

هذا الموقع يمنحها قدرة على التأثير تتجاوز بكثير قدراتها العسكرية وحدها، لأن أي تغير في موقفها سينعكس على أمن الملاحة، وعلى الجهود الدبلوماسية، وعلى طبيعة التحالفات الإقليمية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: 

هل يستطيع أي طرف استهداف مصر؟.

 وإنما: 

من الذي يستفيد من تغيير الحسابات المصرية؟.

فإذا اقتنعت القاهرة بأن أمنها القومي أصبح مهددا بصورة مباشرة، فإنها قد تضطر إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية، وزيادة انخراطها في ترتيبات البحر الأحمر، وربما تعديل طبيعة تعاونها مع القوى الدولية المعنية بحماية الملاحة؛ حتى لو لم تصل الأمور إلى تدخل عسكري مباشر، فإن مجرد انتقال مصر من موقع “المراقب الحذر” إلى موقع “الفاعل الأمني” سيغير جزءا مهما من معادلة الصراع.

بقاء مصر على نهجها الحالي يمنحها مساحة للمناورة الدبلوماسية، ويحافظ على قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، وهو ما يجعلها أحد اللاعبين القلائل القادرين على أداء دور الوسيط إذا ما نضجت ظروف التسوية، وعليه فإن كل طرف ينظر إلى الموقف المصري من زاوية مختلفة؛ فالبعض قد يرى في حياده النسبي عاملا يساعد على احتواء الأزمة، بينما قد يراه آخرون عقبة أمام إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بالشكل الذي يخدم مصالحهم.

وهذا ما يجعل حادثة دمياط، بصرف النظر عن نتائج التحقيقات، حدثا سياسيا اكثر مما هو حدث أمني، فالقيمة الحقيقية لمثل هذه الوقائع لا تقاس بعدد الطائرات المسيرة أو حجم الأضرار، وإنما بقدرتها على التأثير في قرارات الدول، وإعادة رسم إدراكها لمستوى التهديد الذي تواجهه.

من الحرب العسكرية إلى الحرب على الجغرافيا الاقتصادية

إذا كانت الحروب التقليدية تستهدف السيطرة على الأرض، فإن الحروب المعاصرة باتت تستهدف السيطرة على العقد الاقتصادية التي يقوم عليها النظام الدولي، ولم يعد الهدف الرئيسي احتلال المدن أو إسقاط الجيوش، بل امتلاك القدرة على تعطيل التجارة، ورفع تكلفة النقل، وإرباك أسواق الطاقة، بما يفرض ضغوطا اقتصادية على الخصوم قد تكون أكثر فاعلية من المواجهة العسكرية المباشرة.

وهذا التحول يفسر سبب انتقال مركز الثقل تدريجيا من البر إلى البحر، فالبحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح أحد أهم ميادين الصراع، لأن السيطرة على حركة التجارة تمنح تأثيرا يتجاوز بكثير نتائج أي معركة تقليدية، لذا لم يعد السؤال المطروح لدى القوى الكبرى هو: 

من يسيطر على الأرض؟ بل: من يستطيع التأثير في حركة الاقتصاد العالمي؟.

في هذا السياق، تكتسب مصر أهمية مضاعفة، فهي لا تمثل فقط دولة ذات ثقل سياسي وعسكري، بل تشرف على قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويعتمد عليها جزء مهم من التجارة بين آسيا وأوروبا، وهذا يعني أن أي اضطراب أمني يمتد إلى محيطها، أو أي تغير في طريقة إدارتها للأزمة، ستكون له انعكاسات تتجاوز الإقليم لتصل إلى الأسواق العالمية.

ومن هنا يمكن فهم الترابط بين مزاعم استهداف دمياط والتطورات المتسارعة في البحر الأحمر، فحتى لو لم يكن هناك ارتباط عملياتي مباشر بين الحدثين، فإنهما يتحركان داخل البيئة الاستراتيجية نفسها، حيث تتزايد أهمية الموانئ والمضائق البحرية بوصفها أدوات ضغط في الصراع. 

فكلما اتسعت دائرة التهديد حول هذه الممرات، ارتفعت كلفة التجارة العالمية، وازدادت الضغوط على القوى الكبرى لإيجاد حلول تحافظ على حرية الملاحة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية؛ فالحرب لم تعد تستهدف تدمير الاقتصاد العالمي، لأن ذلك لا يخدم أيا من الأطراف، وإنما تستهدف، استخدام الاقتصاد العالمي كورقة ضغط، فمجرد ارتفاع تكاليف الشحن، أو ازدياد أقساط التأمين، أو تأخير وصول البضائع، يخلق ضغوطا سياسية على الحكومات الغربية، ويجعلها مضطرة إلى إعادة تقييم سياساتها العسكرية والدبلوماسية.

وبهذا المعنى، فإن البحر الأحمر لم يعد مجرد مسرح ثانوي للحرب، بل أصبح أحد مفاتيحها الرئيسية، كما أن أي محاولة لربط مصر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بهذا المسرح، تستحق قراءة تتجاوز الحدث الآني، لأنها قد تكون مؤشرا على أن الصراع ينتقل تدريجيا من استهداف الخصوم إلى استهداف البيئة الاقتصادية التي يعتمدون عليها.

لماذا أصبح باب المندب نقطة الارتكاز الحقيقية في الحرب؟

إذا كانت مزاعم استهداف محيط ميناء دمياط تطرح تساؤلات حول احتمال توسيع الحرب جغرافيا، فإن باب المندب يطرح سؤالا أكثر خطورة يتعلق بطبيعة الحرب نفسها، فالمؤشرات المتراكمة خلال الأشهر الأخيرة توحي بأن الصراع لم يعد يدور حول السيطرة على أراض أو تحقيق انتصارات عسكرية تقليدية، وإنما حول امتلاك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي من خلال التحكم بأهم الممرات البحرية.

لهذا السبب، يصعب فهم أي تطور يتعلق بمصر أو البحر الأحمر بمعزل عن باب المندب، فالجغرافيا تفرض علاقة عضوية بين المضيق وقناة السويس، وأي اضطراب في الأول ينعكس تلقائيا على الثانية، وإذا كانت قناة السويس تمثل بوابة التجارة إلى البحر المتوسط، فإن باب المندب يمثل البوابة التي تسمح للتجارة بالوصول إليها أساسا؛ ومن ثم، فإن الحديث عن أمن الملاحة في أحدهما لا يكتمل من دون الآخر.

وهنا تكمن نقطة التحول في طبيعة الصراع، فخلال العقود الماضية، كانت المضائق البحرية تعامل باعتبارها ممرات دولية محمية بالقانون الدولي، بينما يجري التنافس بين القوى الكبرى على ضمان أمنها واستمرار تدفق التجارة عبرها، أما اليوم، فقد بدأت هذه المضائق تتحول تدريجيا إلى أدوات ضغط سياسية واقتصادية، يستخدمها الفاعلون الإقليميون لتعويض الفارق الكبير في موازين القوة العسكرية.

وهذا التحول لا يعني أن الحوثيين أو غيرهم أصبحوا قادرين على السيطرة الكاملة على باب المندب، فذلك يتجاوز إمكاناتهم العسكرية، لكنه يعني أنهم استطاعوا إثبات قدرة عملية على التأثير في مستوى المخاطر داخل المضيق، وهو فارق جوهري؛ ففي الاقتصاد العالمي لا يقاس الخطر فقط بما يحدث فعلا، وإنما أيضا بما يحتمل أن يحدث. عليه فإن مجرد ارتفاع احتمالات تعرض السفن لهجمات كفيل بدفع شركات التأمين إلى رفع أقساطها، ودفع شركات الملاحة إلى إعادة النظر في مساراتها، حتى لو بقيت حركة الملاحة مستمرة.

لذا يمكن القول إن القيمة الاستراتيجية لباب المندب لا تكمن في إمكانية إغلاقه الكامل، بل في القدرة على إبقاء العالم في حالة عدم يقين، فكلما ازدادت الشكوك حول أمن الملاحة، ارتفعت الكلفة الاقتصادية، حتى من دون إعلان رسمي عن إغلاق المضيق أو تعطيل حركة السفن، وهذه إحدى السمات الرئيسية للحروب غير التقليدية، حيث يتحول “التهديد” ذاته إلى أداة تأثير لا تقل أهمية عن استخدام القوة.

وهذا يفسر أيضا سبب الاهتمام الأمريكي والأوروبي المتزايد بالبحر الأحمر، فالغرب لا يخشى فقط تعطيل الملاحة، بل يخشى ترسيخ معادلة جديدة يصبح فيها أي فاعل خارجي قادرا على فرض كلفة اقتصادية على المجتمع الدولي عبر تهديد ممر بحري دولي. 

فإذا ترسخت هذه السابقة، فإنها قد تشجع أطرافا أخرى في مناطق مختلفة من العالم على تبني النموذج نفسه، وهو ما يمثل تحديا للنظام البحري الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالتالي، فإن باب المندب لم يعد مجرد عقدة جغرافية في البحر الأحمر، بل أصبح ساحة اختبار لإرادة القوى الكبرى في الحفاظ على قواعد النظام الاقتصادي العالمي، ومن هنا يمكن فهم سبب ارتباط أي تطور يخص مصر أو قناة السويس أو البحر الأحمر بحسابات أوسع بكثير من حدود الإقليم.

هل يحتاج الحوثيون إلى إغلاق باب المندب فعلا؟

يتعامل كثير من التحليلات مع إغلاق باب المندب بوصفه السيناريو الأخطر، لكن هذا الافتراض يحتاج إلى مراجعة. فالإغلاق الكامل للمضيق قد يكون، من الناحية العسكرية والسياسية، أقل فائدة للحوثيين من الإبقاء على مستوى محسوب من التهديد.

فالسيطرة المطلقة على المضيق تعني عمليا الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى البحرية الكبرى، وهو خيار يحمل مخاطر هائلة، لأن الولايات المتحدة وبريطانيا ودولا أوروبية وآسيوية تعتبر حرية الملاحة في هذا الممر جزءا من أمنها القومي والاقتصادي؛ ومن المستبعد أن تسمح هذه القوى بإغلاق دائم لأحد أهم الممرات التجارية في العالم دون رد واسع.

أما استمرار الهجمات الانتقائية، أو إبقاء مستوى المخاطر مرتفعا دون الوصول إلى الإغلاق الكامل، فيحقق نتائج مختلفة، فهو يفرض ضغوطا اقتصادية متزايدة على خصوم الحوثيين، ويمنح الجماعة حضورا سياسيا يتجاوز حدود اليمن، ويجبر القوى الكبرى على تخصيص موارد عسكرية وبحرية كبيرة لحماية الملاحة، من دون أن يمنحها مبررا واضحا لشن حرب شاملة.

وهنا تظهر إحدى المفارقات المهمة في الصراع؛ فنجاح الحوثيين لا يقاس بعدد السفن التي يمنعونها من العبور، وإنما بقدرتهم على رفع تكلفة العبور، فكل زيادة في تكلفة التأمين أو الشحن أو زمن الرحلة تعني أن الهدف السياسي يتحقق جزئيا، حتى لو بقي المضيق مفتوحا من الناحية العملية.

السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب قد لا يكون الإغلاق الكامل، وإنما إدارة مستوى التهديد بما يحقق أكبر قدر من الضغط بأقل قدر من المخاطرة، فهذه الاستراتيجية تمنح الحوثيين ورقة تفاوضية مستمرة، وتحافظ في الوقت نفسه على هامش للمناورة، لأنها لا تدفع القوى الكبرى مباشرة إلى خيار الحرب المفتوحة.

لكن هذا لا يعني استبعاد سيناريو التصعيد، فإذا توسعت الحرب بصورة أكبر، أو تعرضت إيران لضربات استراتيجية واسعة، أو رأت الجماعة أن قواعد الاشتباك تغيرت جذريا، فقد يصبح اللجوء إلى خطوات أكثر حدة جزءا من معادلة الرد، وعندها لن يكون السؤال هو ما إذا كان باب المندب سيغلق، بل كيف سيكون رد المجتمع الدولي على محاولة تغيير قواعد الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي هذا السياق، يصبح الربط بين مزاعم استهداف دمياط والتطورات في باب المندب أكثر وضوحا. 

إذا كانت بعض الأطراف تسعى إلى توسيع نطاق الحرب أو تغيير مواقف الدول المحيطة بالبحر الأحمر، فإن الضغط على مصر، والضغط على الملاحة، قد يكونان وجهين لاستراتيجية واحدة تهدف إلى إعادة رسم التوازنات في هذه المنطقة الحساسة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية العالمية بصورة غير مسبوقة.

ماذا لو فرض الحوثيون رسوما على الملاحة؟

 ولماذا قد يكون هذا السيناريو أخطر من إغلاق باب المندب؟

ينصرف معظم النقاش حول البحر الأحمر إلى احتمال إغلاق باب المندب، وكأن تعطيل الملاحة هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه الأزمة، غير أن القراءة الاستراتيجية تشير إلى وجود سيناريو آخر قد يكون أقل صخبا إعلاميا، لكنه أكثر تعقيدا من الناحية السياسية والاقتصادية، ويتمثل في محاولة فرض رسوم أو مقابل مالي على السفن العابرة تحت مسمى “رسوم حماية” أو “تصاريح مرور”.

قد يبدو هذا السيناريو بعيدا للوهلة الأولى، إلا أن قيمته لا تكمن في سهولة تطبيقه، بل في كونه يمثل محاولة للانتقال من استخدام القوة لتعطيل التجارة، إلى استخدام القوة لإدارة التجارة، هنا يحدث التحول الأخطر؛ لأن الهدف لا يعود إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي، بل توظيفه كمصدر نفوذ وتمويل واعتراف غير مباشر.

من الناحية العملية، يصعب تصور أن تعلن شركات الملاحة الكبرى اعترافها بمثل هذه الرسوم، لأن ذلك سيعني الاعتراف بسلطة غير معترف بها دوليا على ممر مائي دولي، كما أن الدول الغربية ستتعامل مع هذه الخطوة باعتبارها تحديا مباشرا لقواعد حرية الملاحة التي يقوم عليها النظام البحري العالمي، لكن المشكلة لا تكمن في الاعتراف القانوني، بل في سلوك الشركات التجارية.

فشركات النقل البحري لا تتحرك وفق الاعتبارات السياسية فقط، بل وفق حسابات الكلفة والمخاطر، فإذا وجدت بعض الشركات أن دفع مبلغ محدود يضمن مرور سفنها بأمان ويجنبها التأخير أو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، فقد تظهر ضغوط داخل القطاع التجاري للتعامل مع الواقع القائم، حتى وإن رفضته الحكومات رسميا، وهنا تبدأ الفجوة بين الموقف السياسي والسلوك الاقتصادي، وهي فجوة كثيرا ما استغلتها جماعات مسلحة في مناطق نزاع مختلفة.

إلا أن هذا السيناريو يصطدم بعقبة أساسية، وهي أن قبوله لا يعني مجرد دفع رسوم، بل يعني إنشاء سابقة دولية خطيرة، فإذا أصبح بالإمكان فرض مقابل مالي على المرور في باب المندب بقوة السلاح، فما الذي يمنع تكرار النموذج في مضائق وممرات بحرية أخرى حول العالم؟.

لذلك، فإن رد الفعل الدولي لن يكون دفاعا عن رسوم مالية محدودة، بل دفاعا عن مبدأ قانوني يحكم التجارة البحرية العالمية منذ عقود.

بناء على ذلك؛ أي محاولة لتحويل باب المندب إلى نقطة جباية لن تقرأ بوصفها خطوة اقتصادية، بل باعتبارها محاولة لإعادة تعريف من يملك حق إدارة الممرات الدولية، وهذا ما يجعلها أكثر حساسية من مجرد تعطيل الملاحة لساعات أو أيام، لأن آثارها تمتد إلى بنية النظام الدولي نفسه.

كيف سيهز هذا السيناريو الاقتصاد العالمي؟

تكمن خطورة أي اضطراب في باب المندب في أن تأثيره لا يتوقف عند حدود البحر الأحمر، بل ينتقل بسرعة عبر سلاسل الإمداد العالمية، والاقتصاد الحديث لا يقوم على المخزونات الكبيرة كما كان الحال قبل عقود، بل يعتمد على التدفق المستمر للبضائع والمواد الخام وفق أنظمة إنتاج دقيقة، ما يجعل أي تأخير في النقل ينعكس على قطاعات متعددة في وقت واحد.

إذا ارتفعت كلفة المرور بسبب زيادة المخاطر الأمنية أو بسبب رسوم جديدة، فإن أول المتأثرين سيكون قطاع الشحن البحري، وستعمد شركات التأمين إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر، وهو ما يرفع أقساط التأمين على السفن العابرة، ومع ارتفاع كلفة التأمين، ترتفع تلقائيا كلفة النقل، لتنتقل هذه الزيادة إلى المستوردين، ثم إلى المصانع، ثم إلى المستهلك النهائي.

ولا تتوقف السلسلة عند هذا الحد؛ فارتفاع تكاليف النقل يرفع أسعار المواد الخام ومكونات الصناعة، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج في قطاعات تمتد من صناعة السيارات إلى الإلكترونيات والمواد الغذائية؛ ومع انتقال هذه الزيادات إلى الأسواق، تتعرض الاقتصادات الكبرى لموجة تضخمية جديدة، في وقت لم تتعاف فيه بالكامل من آثار الأزمات السابقة.

وهنا تجد البنوك المركزية نفسها أمام معضلة معقدة، إذا ارتفع التضخم، قد تضطر إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو حتى رفعها مجددا، ما يبطئ الاستثمار والاستهلاك ويزيد احتمالات تباطؤ النمو، وبهذا يتحول اضطراب محلي في ممر بحري إلى عامل ضغط على الاقتصاد العالمي بأكمله.

أما أوروبا، فتظل الأكثر حساسية لهذا المسار، لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية القادمة من آسيا عبر قناة السويس، وكلما طالت الرحلات أو ارتفعت تكلفتها، ازدادت الضغوط على الصناعات الأوروبية التي تعاني أصلا من ارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ الطلب العالمي، لذلك، فإن استمرار التوتر في البحر الأحمر لا يمثل تحديا أمنيا لأوروبا فحسب، بل تحديا اقتصاديا يمس قدرتها التنافسية.

وفي المقابل، قد تستفيد بعض الاقتصادات بصورة نسبية، فالدول المصدرة للطاقة قد تحقق عوائد أعلى إذا أدى التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط، كما قد تستفيد بعض الموانئ الواقعة على مسارات بديلة من زيادة الحركة التجارية، غير أن هذه المكاسب ستظل محدودة مقارنة بالخسائر التي قد يتكبدها الاقتصاد العالمي إذا تحول اضطراب الملاحة إلى حالة طويلة الأمد.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لمصر؟

إذا كان باب المندب يمثل بوابة البحر الأحمر، فإن قناة السويس تمثل شريانه الرئيسي، وأي اضطراب مستمر في المضيق ينعكس مباشرة على حركة السفن العابرة للقناة، سواء عبر انخفاض أعدادها أو لجوء بعضها إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

وهنا تتقاطع مزاعم استهداف دمياط مع المعادلة الاقتصادية. فحتى لو لم تكن الحادثة مرتبطة ميدانيا بما يجري في باب المندب، فإن مجرد إدخال الموانئ المصرية إلى دائرة التهديد يضاعف من القلق المرتبط بأمن الملاحة في البحر الأحمر. وهذا قد يدفع بعض شركات النقل إلى تبني سياسات أكثر تحفظا، وهو ما يضيف ضغوطا جديدة على قطاع يمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري.

تدرك القاهرة في المقابل، أن أفضل وسيلة لحماية مصالحها لا تتمثل في الانجرار إلى الحرب، وإنما في الحفاظ على استقرار الممرات البحرية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة. 

الموقف المصري يبدو حتى الآن أقرب إلى استراتيجية احتواء التصعيد لاتوسيعه، لأن أي انفلات في البحر الأحمر ستكون كلفته على الاقتصاد المصري أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية محتملة.

لهذا؛ أي محاولة لزج مصر في المواجهة يجب أن تقرأ ضمن حسابات أوسع تتعلق بأمن التجارة العالمية، وليس فقط باعتبارات الصراع العسكري الدائر في المنطقة.

قراءة استشرافية.. إلى أين تتجه الحرب؟

بعد أشهر من التصعيد المتدرج، أصبح واضحا أن الشرق الأوسط تجاوز مرحلة المواجهات المحدودة التي يمكن احتواؤها عبر الضغوط الدبلوماسية أو الضربات العسكرية المتبادلة. 

ولاتظهر المؤشرات الحالية أن المنطقة تتجه بالضرورة نحو حرب إقليمية شاملة تشارك فيها جميع القوى دفعة واحدة. فالمشهد يبدو أكثر تعقيدا من هذين الاحتمالين، إذ تتحرك الأطراف الرئيسية ضمن مساحة رمادية تجمع بين التصعيد والاحتواء في آن واحد، حيث يسعى كل طرف إلى زيادة الضغوط على خصومه دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى انفجار يصعب السيطرة عليه.

وهذه المعادلة تعكس إدراكا مشتركا لدى مختلف الأطراف بأن الحرب الشاملة ستكون باهظة الكلفة على الجميع، فالولايات المتحدة، رغم تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، لا تبدو راغبة في الانخراط في حرب مفتوحة تستنزف قدراتها في وقت تواجه فيه تحديات استراتيجية متزايدة في آسيا وأوروبا.

إيران تدرك بدورها أن مواجهة مباشرة مع واشنطن قد تعرض بنيتها العسكرية والاقتصادية لضربات يصعب تعويضها، بينما يعرف الكيان أن اتساع نطاق الحرب إلى جبهات متعددة سيضاعف الضغوط العسكرية والاقتصادية عليه، حتى القوى الإقليمية الأخرى، وفي مقدمتها مصر وتركيا ودول الخليج، تبدو أكثر ميلا إلى منع اتساع رقعة الصراع من المشاركة فيه.

لكن هذا الإدراك المتبادل لا يعني أن خطر التصعيد قد تراجع، بل على العكس، قد يصبح أكثر خطورة بسبب تعدد الفاعلين وتداخل الجبهات، فكلما زاد عدد الأطراف القادرة على اتخاذ قرارات مستقلة، ارتفعت احتمالات وقوع أخطاء في التقدير أو سوء فهم للنوايا، وهي عوامل كانت تاريخيا من أبرز أسباب اتساع الحروب، لذلك، فإن التهديد الأكبر لا يتمثل في قرار سياسي معلن بإشعال حرب إقليمية، بل في احتمال أن تقود سلسلة من الأحداث المتتابعة إلى واقع لم يكن أي طرف يخطط له منذ البداية.

وفي هذا السياق، تكتسب مزاعم استهداف محيط ميناء دمياط أهمية خاصة، ليس لأنها تمثل تحولا عسكريا حاسما، وإنما لأنها تعكس احتمال انتقال الحرب من استهداف الخصوم المباشرين إلى توسيع دائرة الضغوط على الدول التي لا تزال تحاول الحفاظ على هامش من الحياد. 

وفي حال أصبحت الموانئ والمنشآت الاقتصادية والممرات البحرية جزءا دائما من معادلة الردع، فإن المنطقة ستكون أمام مرحلة جديدة تختلف في طبيعتها عن المراحل السابقة، لأن مركز الثقل سينتقل من ميادين القتال التقليدية إلى البنية الاقتصادية التي يقوم عليها الاستقرار الإقليمي والدولي.

عليه فإن باب المندب وقناة السويس لا ينبغي النظر إليهما بوصفهما مجرد ممرين للملاحة، بل باعتبارهما مؤشرين رئيسيين على اتجاه الصراع. 

إذا بقيت الهجمات عند مستوى يسمح باستمرار حركة التجارة مع ارتفاع محدود في المخاطر، فمن المرجح أن تستمر الحرب في إطار سياسة الاستنزاف المتبادل، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي دون الوصول إلى مواجهة شاملة. 

أما إذا انتقلت العمليات إلى مرحلة تستهدف تعطيل الملاحة بصورة واسعة، أو فرض قواعد جديدة على حركة السفن، فإن ذلك سيعني أن الحرب بدأت تتحول من صراع إقليمي إلى أزمة تمس النظام الاقتصادي العالمي، وهو تحول سيستدعي استجابة دولية مختلفة وأكثر حدة.

يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحا في ضوء المعطيات الحالية، هو استمرار التصعيد المنضبط، أي بقاء العمليات العسكرية ضمن مستوى يسمح بتبادل الرسائل الاستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. 

ويستند هذا الترجيح إلى أن جميع الأطراف ما زالت ترى في إدارة التصعيد وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، بينما تدرك أن الحرب الشاملة قد تؤدي إلى نتائج يصعب التحكم بها، سواء على مستوى الاقتصاد أو الأمن أو الاستقرار الداخلي.

غير أن هذا السيناريو يظل مشروطا بعدم وقوع متغيرات استراتيجية كبرى، فاستهداف منشآت سيادية داخل دولة لم تكن طرفا مباشرا في الصراع، أو وقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الأمريكية، أو إغلاق فعلي ومستمر لباب المندب، أو تنفيذ ضربات واسعة ضد منشآت استراتيجية داخل إيران، كلها أحداث قد تنقل المنطقة سريعا إلى مرحلة مختلفة، حيث تصبح خيارات الاحتواء أقل فاعلية، وتزداد الضغوط على صناع القرار للانتقال من سياسة الردع إلى سياسة الحسم.

لا يمكن في المقابل استبعاد احتمال أن تدفع الضغوط الاقتصادية المتزايدة جميع الأطراف، بعد فترة من الاستنزاف، إلى البحث عن مخرج سياسي يحد من اتساع المواجهة. 

فكلما ارتفعت كلفة الحرب على التجارة العالمية وأسواق الطاقة والاستقرار المالي، ازدادت مصلحة القوى الدولية في الدفع نحو ترتيبات تقلص مستوى التصعيد، حتى وإن لم تعالج جذور الأزمة بالكامل.

ختاما:

القيمة الحقيقية لمزاعم استهداف ميناء دمياط لا تكمن في الحادثة ذاتها، بقدر ما تكمن في الأسئلة التي تثيرها حول طبيعة المرحلة المقبلة. 

فالمنطقة تبدو اليوم أمام صراع يعيد تعريف مفهوم القوة؛ إذ لم تعد السيطرة تقاس فقط بما تمتلكه الدول من جيوش وصواريخ، بل بقدرتها على التأثير في الموانئ والمضائق وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية.

ومن هنا، فإن دمياط ليست مجرد ميناء، وباب المندب ليس مجرد مضيق، بل يمثلان عقدتين في معركة أوسع تدور حول من يملك القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط. 

وفي حال استمرت الاتجاهات الحالية دون تفاهمات تحد من التصعيد، فإن المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية مرشحة لأن تنتقل تدريجيا من ساحات القتال التقليدية إلى الممرات البحرية والبنية الاقتصادية، بما يجعل إدارة هذه الممرات أحد أهم عناوين الصراع في السنوات المقبلة، حتى وإن توقفت العمليات العسكرية المباشرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top