وصفة لدخول الجنة في الدنيا قبل الآخرة

حين نتأمل في تدافعنا معاشر المؤمنين نحو العمل الصالح، نجده يتمحور حول هدف واحد لا يتعدد، هو الوصول إلى رضى الله تعالى المفضي إلى الجنة، وعلى هذا مدار القرآن الكريم، وكل الكتب السماوية من قبله.

فنعيم الجنة الموصوف من مُنشئها سبحانه، سعادة لا تنقطع، وراحة لا تنتهي، ونعيم خال من النكد، وصفاء بلا كدر، أنهار وثمار وأزواج وقصور…الخ، فهي تستحق كل عناء الصبر والمصابرة والمثابرة على العمل الصالح، أياً كانت أعبائه ومهما كان ثمنه.

عامل التنعم

إذاً نعيم الجنة هو صورة طبق الأصل من نعيم الدنيا، منزوعاً عنه المكدرات والمنغصات؛ وكل ما يعيق الاستمتاع الأمثل بها، وحين نتأمل قول الله تعالى *(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)* نجد أن الفئة التي بلغت الجنة من البشرية جمعاء، هي الفئة المؤمنة التي أقرنت إيمانها بالعمل الصالح بشروطه، واجتازت كل أهوال القيامة ومطباتها، حتى بلغت الغاية النهائية، ولكي يتحقق النعيم الناجز الذي أزال الله تعالى عنه مكدرات الاستمتاع، لابد من نزع ما يكدر التغلغل في هذا النعيم في نفس المتنعم، وفي النفس المؤمنة التي بلغت الجنة بنص القرآن *غل* وهو بحاجة إلى قدرة إلهية ليتحقق منها *النزع* ، ومالم يتحقق ذلك النزع فسيحول الغل دون كما الاستمتاع مهما كان حجم النعم.

والغل؛ مرض قلبي يتكون من مجموعة سلوكيات قبيحة أهمها، الحقد والحسد، والضغينة، والبغضاء …الخ، والسؤال الذي يحيرني هو؛ *كيف بلغت هذه النفوس الجنة وفيها هذا المرض القلبي العضال، وهذا الداء السلوكي الدوي؟* ، وهو ما يجعلنا نستنتج من السياق القرآني أن الأصل في بني الإنسان أن يكون في قلوبهم *غل* بدليل أنهم بلغوا الجنة به، واحتاج إلى قدرة الله العلي في النزع لاستئصاله، حتى يتحقق النعيم.

منغص النعيم

ولو تأملنا الحياة الدنيا التي نعيشها، لوجدناها مبنية على التفاوت بين بني البشر، فالأصل أن نتفاوت في حظوظنا من؛ الوسامة، والمال، والجاه، والازواج، والأولاد، والصحة، وراحة البال، والقبول عند الناس…الخ.

كل شيء فيه تفاوت؛ فبعضنا أغنياء والبعض الآخر فقراء، وبعضنا صحيح والبعض الآخر سقيم، وهكذا دواليك، ولا تصفو الدنيا لعبد من عباد الله قط، فالغني فيه علّة صحية، والصحيح نصيبه في الذرية الإناث دون الذكور، والفقير يملك عيالاً كثيرة حرم منها الغني، والذكي الالمعي نال شهرة جعلت ذكره في الآفاق، وآخر نال شهادات وله انشطة ومشاركات؛ وما نال نصف ما ناله الأول، وهكذا لا تصفو الدنيا لأحد قط، ومع هذا التفاوت يعمل *الغل* مناشيره في النفس الإنسانية، فتجد الفقير يحسد الغني على تنعمه بغناه، والزميل يكيد زميله بسبب تفوقه في عمله رغم تساويه معه في الشهادة والحركة، ومن حُرم من الذرية يكن الضغينة لمن رزق بها، وذو الحض الوافر والقبول عند الناس يجد من يبغض تفوقه وقبوله، ومرد كل ذلك وأصله ذلك *الغل* الذي جُبلت عليه نفس الإنسان.

أصل النعيم

ومن هنا يمكنني ان استنتج أن أصل النعيم؛ ليس أنهار العسل المصفى، واللبن الذي لم يتغير طعمه، ولا الجنان الوارفة والأرائك المريحة فحسب، بل ذلك *النزع* الذي منح النفس قدرة على الاستمتاع دون كدر، حتى أن درجات الجنة فيها تفاوت يفوق تفاوت درجات الدنيا ملايين المرات، ففي الآثار ورد أن بعض أهل الجنة لهم منازل يراها بعض سكان الجنة كأنها كواكب في السماء، وبعضهم يتنعم في الفردوس الأعلى تحت عرش الرحمن ويراه سكانه أهل الجنة في الدرجات الأدنى، غير أن *النزع* الرباني أحال *الغل* إلى شكل جديد من أشكال التكوين في قلب أهل الجنان، واتخيل أن أهل الجنة يرون من هم في درجات أعلى فيقلون *هنيئا لهم بما عملوا إذ بلغوا رضوان الله* .

إذاً؛ ماذا لو بلغ أحدنا من نفسه وقلبه مبلغ *النزع* فينزع عنها الغل والحقد والحسد والضغينة والمكر والكيد.. إلا يدخل الجنة؟ ففي نعيم الدنيا وعطاء الله فيها نعم لاتعد ولا تحصى *وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا* لكن الغل يحول بيننا وبين التنعم بهذه النعم، فيعيش أحدنا غارقاً في أفضال الله، وعينه على من هو أعلى منه، أو الأوفر منه حظاً، فيرى أولاده اللطفاء معه بعين أولاد جيرانه فيقارن بين برهم وعطفهم مع أولاده، فيرى جاره أفضل منه، ويرى قرينه يملك قدرة على سلب عقول الناس بحسن أدب وتأدب، وجمال منطق وحسن نظم وكتابة وتحدث، فيسر في نفسه الضغينة، حتى إذا جاءت الفرصة قدح فيه في مجلس أو عند تقييم، سول لنفسه ذلك بألف دليل ودليل، حتى يلبس عليه إبليس الحق والباطل، فيما أبانه ابن الجوزي رحمه الله في كتابه القيم *تلبس إبليس* .

وصفة النعيم

فإذا صدقت ما قلته وأسلفت بيانه، وآمنت معي بما رشح عندي برهانه، فإن دخول الجنة وبلوغ نعيمها أيسر من اليسير، ولا داعي لانتظار الآخرة والحساب والميزان والأهوال، فكل ما علينا عمله هو أن ننزع الغل من قلوبنا، وننظر إلى من تفاوت معنا في حالة أو وضع أو نعمة نظرة سعادة وفرح وغبطة وسرور وحبور بما عنده، فنقول لذي النعمة هنيئاً لك ما حباك الله من فضل، ونتمنى له المزيد؟ ونقول لذي الحظ العظيم اللهم زده من فضلك وأمدد عليه حظه حتى يبلغ به جنتك فيكون له حظي الدنيا والآخرة….الخ.

وأنا أعلم علم موقن، أن الأمر في العمل والممارسة أصعب من نقل الجبال، وليس بسهولة تسطير الحروف في جمل، وتحليتها بالسجع وجمال الأدب، وإلا لما احتاج الأمر إلى قدرة العليم الخبير ليتحقق *النزع* غير أني أرى أن النعيم والراحة والسعادة التي يجنيها الإنسان في الدنيا بسبب التحرر من الغل، تستحق شرف المحاولة، وهي نعمة من ذاق لذتها عرف ومن معين نبعها اغترف، وفي مثيلاتها قال إبراهيم بن أدهم: *”لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف”*

ومع هذا وذاك؛ ثمة نعيم الجنة وجائزتها المستحصلة في النهاية من تلك المجاهدة *(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ)* ففيها خيري الدنيا والآخرة.

*أفلا تستحق كل هذه المخرجات سعينا نحو الاستقامة؟*

Scroll to Top