دور السينما في تشكيل الوعي الحضاري للمسلم المعاصر
لايزال دور وتأثير الكلمة المكتوبة، والوعظ اللفظي المباشر، يتراجع بعصرنا الراهن أمام تأثير الأدوات البصرية.
وتعد السينما من أهم أدوات هذا التأثير، إذ لم تعد مشاهدة الأفلام السينمائية مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت واحدة من أهم الأدوات التي تسهم في تشكيل الوعي وبناء التصورات، وصياغة القيم لدى الأفراد والمجتمعات.
وهذا يضع المسلم المعاصر أمام تحدي مهم؛ هل يواكب العصر ويفهم لغته ويحاول ان يكون جزء من أدواته في التأثير والتأثر، أم أنه يكتفي بإعلان البراءة من الفن السابع على أمل أن تحقق البراءة حصانة للأجيال؟ وقد ثبت أن البراءة والمفاصلة صعبة المنال أمام موجة العولمة العابرة للحدود والقيود.
علينا أن ندرك أن المسلم المعاصر ليس كائناً يعيش على هامش التاريخ، بل هو صانع حياة ومستخلف في الأرض، وهذا الاستخلاف يقتضي منه فقه أدوات العصر وتطويعها لخدمة الرسالة.
فقه عصري
والسينما اليوم لم تعد مجرد دار عرض للترفيه، بل أصبحت ديوان العصر، ووسيلة لصياغة المفاهيم، ورسم ملامح الوعي الجمعي للأمم.
ومن الفقهاء المعاصرين الذين أدركوا هذا الأمر مبكراً وعالجوه في رؤاهم وكتاباتهم؛ الأستاذ محمد أحمد الراشد، الذي أكد أن الجمود حيال الفنون المعاصرة ليس من الحكمة في شيء؛ ويشير في “صناعة الحياة” بوضوح إلى أن القوة لا تكمن فقط في البيان اللساني، بل في قدرة المسلم على اقتحام ميادين التأثير النفسي والبصري.
وقال ما نصه: (إن الصورة اليوم تغني عن ألف كلمة، وإن المشهد الدرامي المحكم قد يختصر سنوات من الوعظ التقليدي، لأنه يخاطب الوجدان ويحرك كوامن النفس عبر الجمال والإتقان).
من هنا، تبرز أهمية السينما كأداة لتشكيل الوعي الحضاري؛ فالفيلم السينمائي لا ينقل قصة فحسب بل ينقل معها منظومة كاملة من القيم وأنماط التفكير، والصور الذهنية عن الإنسان والحياة والكون، فالمشاهد لا يخرج من الفيلم كما دخل إليه، بل يتأثر شعوريا أو لا شعوريا بما شاهده من نماذج وسلوكيات.
وإن منع شبابنا من أدواتها ليس حلا في عصر سقطت فيه أدوات المنع ومفردات الممانعة.
الوعي الانتقائي ضرورة لا ترف
الحل أن نؤسس لوعي انتقائي لدى فئة الشباب، كي نمكنهم من حسن التعامل مع ما تقدمه السينما العالمية من قيم عولمية.
المسلم الواعي لا يرفض الفن جملة ولا ينغمس فيه بلا ضوابط، بل يتعامل معه بوعي وانتقاء، فنعمل على تشكيل حس نقدي لدى الشباب بحيث لا يكون الشاب متلقيا سلبيا، بل مشاهدا واعيا يميز بين ما ينفعه وما يضره.
فالوعي الحضاري لا يتشكل بالانغلاق بل بالانفتاح المنضبط، الذي يزن ما يعرض عليه بميزان القيم، فنؤسس بذلك لجيل ينتقل من الاستهلاك إلى التوظيف، من مشاهد مستهلك إلى مشاهد ناقد، وهي خطوة أساسية تساهم في بناء الوعي الحضاري.
افلام اخترتها ونقحتها لكم
يسعدني أن أقدم للسادة قراء ورواد صفحتي على الشبكة العنكبوتية (الانترنت)، خمسة أفلام من أهم وأجمل الأفلام التي صنعتها السينما الامريكية في العقدين الأخيرين.
علما أنني قمت باجراء مونتاج لهذه الافلام، واقتطعت منها المشاهد المخلة بالأخلاق والقيم، التي تبثها صناعة السينما عادة بين اللقطات لأهداف تسويقية وغير تسويقية.
كما انني وضعت لكل فلم مقدمة اعرض فيها فكرته، وذيلتها بمجموعة نقاط عبارة عن دروس وعبر مستفادة من الفلم، بعضها حياتي، وبعضها فقهي، وبعضها في بناء الشخصية، بحيث يمكن مشاهدة الفيلم في أجواء عائلية دون وجل من ظهور مشهد مخل، وبما يتيح للمشاهدين مادة اساسية للنقاش بعد المشاهدة، يمكن تطويرها والاضافة عليها خلال النقاش.
وقد حملت الأفلام في ملفات (Drive) متاحة للتحميل من كل من يملك الرابط، واسمح باستخدامها وتداولها على الصعيد الشخصي او للمؤسسات، دون اشتراط ذكر المصدر، راجيا ممن ينتفع بها ان يذكرني بدعوة.
علما انني عملت على هذه الأفلام ضمن فكرة مشروع (نادي السينما) وهو مشروع موجه للشباب، بحيث جمع الافلام من ارشيف السينما العالمية، وتعرض تباعا في لقاءات شهرية جماعية، ويفتح من خلالها ابواب الحوار الحضاري والتوعوي مع المستفيدين.
لكني لم اجد من يتبنى الفكرة او يشجعني عليها، فاقتصرت على الجهد الشخصي الذي يمتد احيانا لبعض الاصدقاء والمحبين.
*الفيلم الأول:*
*”Hachi: A Dog’s Tale” (2009)*
*رابط الفيلم*
https://drive.google.com/file/d/1Growe-lbMhw5_xrpJyL36H43XI679JtS/view?usp=sharing
قصة فيلم مستوحاة من قصة حقيقية
تحكي عن وفاء غير عادي بين أستاذ جامعي يدعى باركر ويلسون، وكلب من نوع أكيتا يُسمى هاتشي.
باركر يجد جرو الكلب مهجورا في محطة القطار في مدينة صغيرة، ويأخذه إلى منزله رغم اعتراض زوجته في البداية.
تتشكل رابطة وثيقة بين الرجل والكلب، حيث يبدأ هاتشي في مرافقة باركر إلى محطة القطار يوميا وينتظره عند عودته من العمل.
تنقلب القصة بعد أن يتوفى باركر فجأة إثر نوبة قلبية في الجامعة، لكن هاتشي يستمر في انتظار عودته في محطة القطار يوميا لمدة عشر سنوات الى ان يموت ويدفن في محطة القطار، مما يجعله رمزا للوفاء والإخلاص.
خلال السنوات العشر عرف المجتمع المحلي قصة الكلب، فعتني به وقدر وفائه، وقصته تحكى للأجيال.
*أهم الدروس المستفادة من الفيلم:*
الوفاء والاخلاص:
فيلم هاتشي يبرز قيمة الوفاء العظيم للحيوانات تجاه أصحابها، وهو درس قوي في الوفاء والالتزام الذي على الإنسان تعلمه.
الحب غير المشروط: يظهر الفيلم كيف أن الحب يمكن أن يكون بلا شروط عبر العلاقة بين هاتشي وباركر، مما يعزز أهمية العطاء والمحبة الصادقة في العلاقات الإنسانية.
الصبر والثبات: هاتشي يعلمنا معاني الصبر والاهتمام المستمر، حيث ينتظر سيده حتى بعد وفاته بلا كلل أو ملل.
التأثير الاجتماعي الإيجابي: كيف أن أفعال شخص أو حيوان تظهر قيم إنسانية يمكن أن تلهم مجتمعا بأكمله ويخلق رابطة اجتماعية داعمة.
الدافع والتحفيز عبر الأمثلة: قصة هاتشي تحفز الشباب على تطوير قيمهم وأخلاقهم من خلال قصص حقيقية مليئة بالعبر، ما يترجم إلى أفعال إيجابية في حياتهم اليومية.
باستخدام عرض الفيلم ومناقشة هذه القيم، يمكن للشباب استنباط دروس تربوية وأخلاقية تحفزهم على التحلي بالوفاء والمحبة والالتزام في حياتهم الشخصية والاجتماعية.
*الفلم الثاني:*
*Alive.1993.*
*رابط الفلم*
https://drive.google.com/file/d/1LAuHUXgx7uF_7ZnxUrpR5YHkTMpPAHYP/view?usp=sharing
*قصة الفلم*
يحكي قصة حقيقية عن فريق (رجبي) أوروغوياني كان في طريقه إلى تشيلي عندما تحطمت طائرتهم في جبال الأنديز الثلجية عام 1972.
واجه الناجون بعد الحادث ظروفا قاسية للغاية شملت الطقس القاسي، الجوع والإصابات، ومع توقف عمليات البحث عنهم، قرر الناجون اللجوء إلى أفعال يائسة للبقاء على قيد الحياة، أبرزها أكل لحوم زملائهم الذين توفوا في الحادث.
بعض الناجين قاموا بمحاولات شاقة للعبور عبر الجبال والبحث عن المساعدة، حتى تم إنقاذهم بعد 72 يوما من الحصار. *الفيلم يعرض الصراع من أجل البقاء، التضحية، والعزيمة الإنسانية في مواجهة اليأس والظروف القاسية بشكل مؤثر ومُلهم.*
- *الدروس المستفادة من الفيلم:*
مسألة فقهية جواز اكل لحم الميت للمضطر.
قوة الإرادة والصمود: الفيلم يعكس قدرة الإنسان على التكيف ومواجهة أصعب الظروف بالعزيمة والإصرار.
أهمية التعاون والعمل الجماعي: نجاة الفريق لم تكن ممكنة إلا بتعاونهم ودعمهم لبعضهم البعض، مما يعزز قيمة العمل الجماعي.
الشجاعة والتضحية: قرارات الناجين، خصوصا بشأن التضحية الشخصية والقرارات الصعبة، تعلم الشباب معنى الشجاعة في مواجهة الأزمات.
الإيمان والأمل: رغم اليأس، ظل الناجون متمسكين بالأمل، ما يدفع للشباب تعزيز الإيجابية وعدم الاستسلام مهما اشتدت الصعوبات.
التفكير في الحلول المبدعة: استخدام الموارد المحدودة بشكل ذكي وتخطيط محكم يدل على ضرورة التفكير خارج الصندوق في المواقف الصعبة.
مناقشة هذه القيم يساعد الشباب على تطوير مهارات الحياة والتكيف مع التحديات بثقة وصبر.
*الفيلم الثالث:*
*”الفتى الذي استخدم الهواء” The Boy Who Harnessed the Wind*
*رابط الفيلم*
https://drive.google.com/file/d/1TV2U1__dbYz9rGdW-ak5vaB9tvNM8q3K/view?usp=sharing
*قصة الفيلم – حقيقية*
يروي الفلم قصة ويليام كامكوامبا، فتى من قرية فقيرة في مالاوي يعاني من الجفاف والمجاعة التي تهدد حياته وحياة قريته.
رغم طرده من المدرسة بسبب عدم قدرة عائلته على دفع الرسوم، يصر على التعلم ويستعين بكتب الفيزياء في مكتبة المدرسة.
يستخدم الشاب مهارته في الإصلاح والاختراع لبناء طاحونة هوائية باستخدام دراجة والده القديمة وبعض الأدوات المكسورة، لتشغيل مضخة تسحب المياه من باطن الأرض وتسقي المحاصيل، مما ينقذ القرية من المجاعة.
*الفيلم يعرض التحديات التي يواجهها ويليام في بيئته القاسية، وأهمية الإبداع والإصرار في التغلب على المحن.*
*الفيلم الرابع:*
*Pinocchio 2022*
*رابط الفيلم*
https://drive.google.com/file/d/1Zif0LQa7tKbHrVeuua0jUJQ3MMDalPKh/view?usp=sharing
*قصة الفيلم*
فلم انميشن يعيد سرد قصة الدمية الخشبية (بينوكيو) التي نفخت فيها الروح بمعجزة وأصبحت طفل حي.
أحداث الفلم تدور في إيطاليا خلال فترة الحرب العالمية الثانيةـ خلال حكم الفاشية الإيطالية.
بطل الفيلم النحات جيبيتو الذي يفقد ابنه كارلو نتيجة قصف في الحرب، فينحت دمية خشبية يأمل أن تعوضه عن فقدانه.
تنبض الدمية بينوكيو بالحياة، لكنها تخوض رحلة معقدة لاكتشاف نفسها والبحث عن معنى أن تكون طفلا حقيقيا وسط عالم مليء بالتحديات والصراعات.
تتناول القصة ظلال الحرب، الفقد، والطغيان عبر شخصيات متعددة تحاول استغلال بينوكيو لأغراضها، بما فيها “صاحب السيرك” و”البوديستا” الذي يمثل الفاشية.
*الفيلم يقدم تفسيرا عميقا وداكنا لقصة بينوكيو مع قيم تربوية وإنسانية ضمن سياق تاريخي مأساوي.*
*أهم الدروس المستفادة من الفيلم للشباب:*
التعامل مع الفقد والألم: يوضح الفيلم كيفية مواجهة الفقد والحزن بطريقة تعكس تعقيدات المشاعر الإنسانية.
اكتشاف الهوية والنمو: رحلة بينوكيو تمثل بحث الشباب عن هويتهم وسط تحديات الحياة.
مواجهة الظلم والاستغلال: يظهر الفيلم مخاطر الفاشية والسلطة الظالمة التي تسعى لاستغلال الطفولة والبراءة.
التمرد على القواعد غير العادلة: بينوكيو كرمز للتمرد على الظلم وللبحث عن الحرية الشخصية.
القيم الإنسانية وسط أوقات الحرب: التركيز على الحب، الأسرة، الأمل، والشجاعة رغم الظروف القاسية.
*يمكن عرض الفيلم ومناقشة هذه النقاط لتقديم دروس تربوية وشخصية عميقة حول القيم الإنسانية، الصمود، والوعي الاجتماعي لدى الشباب.*
*الفيلم الخامس:*
*السعي للسعادة The Pursuit of Happyness 2006*
*رابط الفيلم*
https://drive.google.com/file/d/1HUx6X0Zw4hL91ayDxr9KzPxCj-6bfAk8/view?usp=sharing
*قصة الفيلم*
فيلم درامي مبني على قصة حقيقية بطلها (كريستوفر جاردنر) رجل يكافح من أجل توفير حياة كريمة له ولابنه الصغير بعد أن تهجره زوجته بسبب الفقر في سان فرانسيسكو عام 1981.
يستثمر كريس في أجهزة طبية مكلفة لكنه يفشل في بيعها، مما يؤدي إلى انهيار وضعه المالي وطرده من المنزل.
بالرغم من التشرد ومشقة الحياة، يصر كريس على تحقيق هدفه في أن يصبح سمسارا ناجحا في البورصة، وينجح في الحصول على فرصة عمل متدرب بدون راتب مع منافسة شديدة.
الفيلم يعرض صراعه مع الفقر، التشرد، مسؤولية الأبوة، والإصرار على النجاح حتى يحصل على وظيفة دائمة ويبدأ حياة أفضل مع ابنه.
*أداء البطل (ويل سميث) في دور كريس حصل على ترشيح الأوسكار لأفضل ممثل.*
*أهم الدروس المستفادة من الفيلم للشباب:*
الإرادة والمثابرة: الفيلم يبرز كيف يمكن للإصرار وعدم الاستسلام في وجه الصعوبات أن تؤدي للنجاح.
أهمية الأمل: رغم كل المحن، يظل الأمل هو الدافع الرئيسي للاستمرار والسعي للأفضل.
مسؤولية الأبوة: يعكس الفيلم قيمة العلاقة القوية بين الأب والابن، والتضحيات التي يقدمها الأب من أجل عائلته.
التحدي والعمل الجاد: يبين الفيلم أن كل فرصة يجب اغتنامها والعمل بجد لتحقيق الطموح.
التعلم من الفشل: رسالة واضحة أن الفشل ليس نهاية الطريق بل بداية للتعلم والنمو.
*عرض الفيلم ومناقشة هذه القيم يمكن أن يلهم الشباب على عدم الاستسلام، بناء الثقة بالنفس، والسعي لتحقيق أحلامهم مهما كانت التحديات.*

