كما أن ثمار الزروع لا يمكن أن تأتي فجأة، كذلك الإقبال على الله، وجني ثمار الطاعات ومواسم القربات لا يأتي فجأة، وكلما أهل علينا رمضان نتطلع بقلوب مشتاقة لجني ثماره الكثيرة، وبركاته الغزيرة.
السالكون إلى الله تعالى يعرفون حقيقة مهمة؛ يغفل عنها كثير منا، هي أن الإقبال على الله لا يولد مع أول ليلة من رمضان، بل يأتي تبعا للاستعداد والجهوزية التي تسبق وصوله، ولهذا لخص السلف الطريق بعبارة جامعة نقلها ابن رجب الحنبلي في كتاب (انوار المعارف) مفادها أن:
(رجب شهر الزراعة، وشعبان شهر الري، ورمضان شهر الحصاد)
وهذه المقولة ليست كلاما منمقا مسجوعا ولا عبارة وعظية عابرة؛ بل هي منهج تربوي كامل ودليل للسير إلى الله، قائما على التدرج والاستعداد، لا على القفز والمفاجأة.
كيف يكون الاستعداد الحقيقي لموسم الطاعات؟
شهر رجب إيذان ببدء موسم الزراعة من داخل القلب، والزراعة لا تكون في أرض مهملة لم يتم تهيئتها بالحرث، ولا ينتظر محصول من قلب لم ينق من شوائبه.
يبدأ العمل الحقيقي في رجب بمجاهدة النفس وتخلية القلب، إذ يقرر علماء السلوك أن النفس إن تركت قادت صاحبها، وإن لم تهذب قهرته. ولهذا جعلوا البداية في كسر العادات لا في الإكثار من النوافل.
وهو ما يقرره ابن القيم (رحمه الله) بالقول إن:
“النفس إن لم تشغل بالحق شغلت صاحبها بالباطل، وإن لم تجاهد ساقته إلى الهلاك). (1)
ويجاريه ابن الجوزي لافتا النظر إلى أصل يغيب عن كثير من المتعبدين، فيقر:
“أن الاشتغال بتخليص القلب أولى من تكثير العمل، لأن العمل مع امتلاء القلب بالآفات قليل البركة”.(2)
وبالعودة إلى الزراعة والفلاحة في الاشباه والتمثيل، نرى أن رجب هو شهر القص والتقليم، قص الشهوات المتسلطة، وبتر العلائق المفسدة، وتقليل التعلق بما يشغل القلب عن الله. إنها زراعة مؤلمة، لكنها صادقة، فكما يؤتي قص افر ع الأشجار في موسم التقليم ثماره في موسم الازهار، كذلك يؤتي تقليم شهوات النفس ثماره في رمضان، ومن امتنع حرم.
تخلية القلب من الآفات
وكما أن المرسلة التي تبث إشارات الهاتف المحمول هي الواسطة بين الهاتف والقمر الصناعي، إن صلحت الإشارة وصحت؛ صح الاتصال، وان فسدت او ضعفت ضعف او امتنع الاتصال، كذلك القلب هو واسطة العبد السالك طريقه إلى الله، فإن صلح تحقق الاتصال؛ وعلى قدر صلاحه تكون كفاءة الاتصال، وإن فسد انقطع الاتصال؛ ولا تنفع كل محاولات المعاودة مهما تعددت وتنوعت وسائلها وازمنتها، (الا بذكر الله تطمئن القلوب).
أما النفس فهي القاطعة المانعة، التي تحول بين القلب والرب، (إن النفس لأمارة بالسوء)، فإذا استولت النفس على القلب، صار كالنفس أمارا بالسوء، وإن استولى القلب على النفس، صارت نفسا مطمئنة (يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية).
لذلك بوب ابن القيم في اغاثة اللهفان من مصائد الشيطان بابا بعنوان: (علاج القلب من استيلاء النفس عليه) خلص فيه إلى أن:
“ترويض النفس يحتاج الى قلب غني بالله؛ وغنى النفس مشتق من غنى القلب وفرع عليه، فاذا استغنى القلب بالله سرى منه الى النفس” و “خلق الله في القلب فاقة عظيمة، وضرورة تامة، وحاجة شديدة ملحة، وجعل كل احتياجاته عنده، ففي القلب فاقة لا يسدها الا الله، فاذا لم يسدها العبد بالله سدها بغيره”.
فما الذي يحيي القلب بالله؟
1–سلامته من السبب
ان يسلم من علة السبب استغناء بالمسبب، بحيث يسلم من التعلق بالأسباب استقلالا، فلا يراها فاعلة بذاتها، ولا يعتمد عليها اعتمادا يزاحم التوكل، بل يراها وسائل مأمورا بالأخذ بها، مع تعليق القلب بالله وحده.
فالقلب المريض يجعل السبب اصلا، إذا تعطل اضطرب، وإذا فات انهار، أما القلب الحي فيتعامل مع السبب طاعة لا وثوقا، ويأخذ به عبودية لا اعتمادا.
فسلامة القلب هنا ألا يسكن رجاءه وخوفه في الأسباب، بل في مسببها جل جلاله.
2–مسالمته من الحُكم
فيكون في سلام مع حكم الله الشرعي والقدري، فلا يعارض القلب ولا يعترض، ولا يخاصم القضاء بل يرضى ويسلم وإن تألم.
فالقلب الحي لا يخاصم الأقدار، ولا يجعل الابتلاء خصومة مع الله، نعم ممكن يحزن ويتألم، لكنه لا يعترض ولا يسخط.
المسالمة هنا ليست بلادة إحساس، بل طمأنينة وتسليم.
فالاستسلام لحكم الله؛ يسلم القلب من رعونة الاختيار؛ وترك الاقتراح على الله، والرضا بالمقسوم، فيسلم بذلك من علة المنازعة
3–خلاصه من الخصومة
مطلوب أن يسلم القلب من منازعة الله في ربوبيته أو امره، كأن يريد العبد ما لم يقدر، أو يخاصم الشرع بهواه، أو يصر على اختيار يخالف مراد الله.
فالمنازعة أصل كل شقاء؛ إذ يريد القلب أن يكون له التدبير المطلق، والاختيار النافذ، فيقع في صراع دائم مع القدر والشرع، ذلك القلب الحي يسلم من هذه العلة، فيفوض، ويسلم، ويعلم أن الخير فيما اختاره الله.
استواء الأحوال
إذا تحققت هذه الشروط الثلاثة في القلب، وصل مرحلة استواء الأحوال.
ومفتاحه الرضا، وله ثلاث درجات:
أولها: الرضا عن الله
فالعبد يرضى عن تدبير الله له، وعن قضائه وقدره، فلا يجد في قلبه حرجا ولا سخطا، وان وجد الألم الطبيعي في نفسه.
والرضا عن الله هو سقوط الخصومة من القلب؛ لا يقول العبد بلسانه رضيت وقلبه معترض، بل يطمئن إلى أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه.
وهذا الرضا لا ينافي الحزن، لكنه يمنع السخط والاعتراض.
يقول ابن القيم:
“الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين” (3)
ثانيها: الرضا لله
فيصبح رضا العبد تابعا لما يرضاه الله، فيرضى بالطاعة لأنها ترضي الله، ويكره المعصية لأنها تسخطه، لا لمجرد هواه أو مصلحته.
وهذه الدرجة أرفع من مجرد تحمل القضاء؛ لأنها انتقال من التركيز على النفس إلى مراعاة مراد الله، فالعبد هنا لا يسأل هل هذا يريحني؟ بل يسأل هل هذا يرضي الله؟
وهذا هو ميزان السالكين الصادقين.
ويقرر ابن القيم أن
“من علامات صحة الإرادة أن يكون رضا العبد موافقا لرضا الله، وسخطه تابعا لسخطه” (4).
ثالثها: الرضا بالله
فيرضى العبد بالله ربا وإلها ووليا وكافيا، فيسكن قلبه إليه، ويستغني به عن كل ما سواه، وهذه أعلى درجات الرضا، وهي ثمرة التوحيد الكامل.
فالعبد لا يرضى عن أفعال الله فقط، ولا يرضي الله بأفعاله فحسب، بل يرضى بالله ذاته ملجأ ومقصدا، ومن وصل إلى هذه الدرجة، استراح قلبه، وزالت وحشته، ولم يعد يبحث عن الطمأنينة في غير الله.
قال ابن القيم:
“من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، ذاق طعم الإيمان، وهذا الرضا هو حياة القلب ونعيمه” (5).
شعبان موسم السقيا بالثبات
بعد الزراعة، وبعد التقليم، يأتي الري للزروع، كي يشتد عودها ولا تجف قبل أن يقوى ساقها، وشعبان في المنهج النبوي هو شهر الدوام لا الاندفاع.
إذ تخبرنا أمنا عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من الصيام في شعبان حتى قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله، أو يصوم شعبان إلا قليلًا) (البخاري ومسلم).
ولما سئل عن ذلك، قال صلى الله عليه وسلم:
(ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) (النسائي، وصححه الألباني).
وهنا تتضح منهجية الري، فليس المطلوب المباشرة بأعمال جديدة، بل تثبيت ما بدأ فيه السالك في رجب، والمواظبة على الطاعة دون انقطاع، حتى تصبح العبادة عادة، لا عبادة موسمية.
وهو ما يؤكد عليه ابن رجب الحنبلي حين يشير؛ إلى أن
“السلف كانوا يهيئون أنفسهم في شعبان لرمضان بالإكثار من الطاعات وتثبيت الأعمال” (6).
حصاد القلوب في رمضان
الحصاد الحقيقي في رمضان هو الخشوع ولذة العبادة، لا مجرد كثرة العبادات والشعائر، فالخشوع كما يقرر ابن القيم هو:
“قيام القلب بين يدي الله بالذل والخضوع” (7).
فرمضان ليس شهر البداية، بل شهر ظهور النتائج؛ فمن لم يهذب نفسه، ولم يثبت عمله، دخل رمضان مثقلا، وخرج منه كما دخل.
أما لذة العبادة، فيصفها أبو حامد الغزالي وصفا بليغا:
“إن في العبادة لذة لا يعرفها إلا من ذاقها، ولو علم بها الملوك لجالدوا عليها بالسيوف” (8).
وهذه اللذة لا تُمنح فجأة، بل هي ثمرة قلب خلي من الآفات، ونفس هذبت بالمجاهدة، وعمل داوم عليه صاحبه في الخفاء.
الهوامش
(1)(مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، ج2 ص68).
(2) (صيد الخاطر، دار القلم، ص52).
(3)مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، ج2 ص 193
(4) (مدارج السالكين، ج2 ص 198)
(5) (إغاثة اللهفان، دار عالم الفوائد، ج1 ص 91)
(6) (لطائف المعارف، دار ابن كثير، ص249).
(7) (مدارج السالكين، ج1 ص520).
(8) (إحياء علوم الدين، دار المعرفة، ج4 ص412).

