في ليل هادئ لا يسمع فيه المرء إلا نبضه، يبدأ الامتحان الحقيقي
هو ليس امتحان شهادات، بل امتحان صدق
حين تغلق الأبواب، وتسكن الأصوات، ونبقى منفردين مع أنفسنا.
حينها تتجلى المحاسبة بابهى صورها..
المحاسبة ليست فكرة وعظية
هي مقام؛ ومقام دقيق، لا يدخله إلا من أراد الله حقا
بين الغفلة واليقظة
الغفلة بحر واسع؛ يبحر فيه الناس مطمئنين
حتى يصطدموا بساحل لا عودة بعده
قال الله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد)
“ولتنظر”
كأن الآية تمسك بأكتافنا
تقول: قف، انظر، لا تمض هكذا
وما اجمل تعبير ابن القيم رحمه الله:
“هلاك النفس من ترك محاسبتها، ومن إهمالها وتمكينها من هواها”
النفس إن لم تحاسب… قادت
وإن لم توقف… ساقت
وإن لم تسأل… أجابت عنا يوم القيامة بما لا نحب
ما المحاسبة؟
أن نقيم ميزان العدل في دواخلنا
أن نسأل أنفسنا قبل أن تسأل
أن نراجع خطوتنا قبل أن تكتب
قال الغزالي في الإحياء:
“اعلم أن العبد كما يجب عليه محاسبة نفسه على المعاصي، فكذلك يجب عليه محاسبتها على الطاعات”
ليست المحاسبة عد الذنوب فقط
بل وزن النيات
وتفتيش الدوافع
وتطهير المقاصد
كم من عمل ظاهره نور، وباطنه دخان.
وكم من طاعة أفسدها رياء خفي، لا يشعر به صاحبها.
وما اروه تقسيمات ابن قدامة في *مختصر منهاج القاصدين*:
أن العاقل يحاسب نفسه في ثلاثة مواطن:
قبل العمل، وأثناءه، وبعده.
قبل العمل:
لماذا أفعل؟
لمن أفعل؟
أثناءه:
هل قلبي حاضر؟
هل الإخلاص صاف؟
بعده:
هل قصرت؟
هل اعجبت بنفسي؟
هل أحتاج إلى استغفار؟
وهكذا…
تتحول الحياة إلى ورشة إصلاح مستمرة.
خطر التبرير
وأشد ما يفسد المحاسبة… التبرير.
رحم الله ابن الجوزي الذي التقط هذا الخيط في *صيد الخاطر*:
من قلة الفقه بالربوبية أن يرى العبد ذنبه صغيرا
فالتبرير يجعل الذنب عاديا
والعادة تميت الحس
وإذا مات الحس… ماتت التوبة
كان السلف يخافون من الصغيرة أكثر من خوفنا من الكبيرة
لأن الصغيرة عندهم بداية الانحدار
دقة السالكين
ابهرت الامام احمد بن حنبل في كتاب *الزهد* فيقول:
تقرأ أخبار قوم كانوا يحاسبون أنفسهم على النظرة، وعلى الكلمة، وعلى الخاطر
كان أحدهم يقول:
والله ما تكلمت بكلمة منذ سنين إلا أعددت لها جوابا بين يدي الله..
ليست هذه مبالغة
بل يقظة
العارفون يعلمون أن الصحف تكتب
وأن السرائر تكشف
وأن الخواطر تعرض
المحاسبة نور
والنور يكشف الغبار… لا ليحزننا، بل لنتزكى
قال ابن القيم:
محاسبة النفس تثمر ثلاثة أشياء: حفظ القلب، وإصلاح العمل، وتدارك الفائت
فهي طريق الرجوع
لا طريق الانكسار السلبي
هي وقفة طبيب رحيم مع نفسه
لا وقفة قاض قاس
في سكون الليل
أفضل أوقات المحاسبة… آخره
حين يهدأ العالم
وتسكن الحركة
ويفتح باب السماء
اجلس، أغلق هاتفك، أطفئ الضوء، واترك مصباح القلب يعمل
اسأل نفسك:
كيف صلاتي اليوم؟
كيف لساني؟
هل جرحت أحدا؟
هل أخلصت؟
هل شكرت؟
ثم قل:
يا رب… هذا تقصيري فاغفر
هكذا…
تغسل يومك قبل أن ينام
إذا اعتاد العبد المحاسبة
صار قلبه حيا
يتألم للذنب سريعا
ويرجع سريعا
ويبكي سريعا
ومن أسرار الطمأنينة
أن لا تنام وفي صدرك خصومة مع الله
المحاسبة تصلح الداخل
وإذا صلح الداخل… استقامت الجوارح
اللهم ألهمنا صدق المحاسبة،
ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

