لم تعد معركة الجيش الإثيوبي تقاس بما يسيطر عليه من مدن في إقليم تيغراي وحده، بل بقدرته على الاحتفاظ بمكاسبه، وإيصال الإمدادات إلى قواته، ومنع خصومه من تحويل التقدم الميداني إلى استنزاف طويل، بعد أن استعادت القوات الاتحادية وحلفاؤها السيطرة على ميكيلي، عاصمة تيغراي، في 3 أكتوبر/تشرين الأول، فتحت جبهة أمهرة تحديا آخر عبر هجمات فانو على الطرق والمحاور التي تربط شمال البلاد بوسطها، بالتزامن مع تقارير عن دخول قوات إريترية إلى مناطق داخل تيغراي وتعرضها لضربات بطائرات مسيرة إثيوبية.
هذه التطورات لا تعني أن الجيش الإثيوبي انهار أو فقد زمام المبادرة في كل الجبهات؛ لكنها تكشف معضلة عسكرية وسياسية أكثر تعقيدا؛ كيف يمكن للقوات الاتحادية أن تتقدم في تيغراي، وتحمي خطوط مواصلاتها عبر أمهرة، وتمنع عودة التمرد إلى مناطق سبق أن شهدت مواجهات واسعة، من دون أن تنزلق البلاد إلى مواجهة إقليمية مع إريتريا؟.
تظهر مراجعة مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، المنشورة في 8 أكتوبر، أن قوات فانو عطلت طرق إمداد رئيسية، بينما تشير بيانات مشروع رصد النزاعات المسلحة ACLED وتقارير صحفية دولية إلى تصاعد التوتر على الحدود الإريترية. ويبدو أن الخطر الأهم لا يكمن في واقعة منفردة، بل في تزامن هذه الضغوط واتصال بعضها ببعض.
ميكيلي؛ مكسب ميداني لا ينهي الحربدخلت القوات الاتحادية الإثيوبية، في 3 أكتوبر، بمساندة قوات تيغراوية موالية للحكومة تعرف باسم قوة سلام تيغراي، مدينة ميكيلي بعد انسحاب قوات الدفاع عن تيغراي المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي، حيث أفادت تقارير مركز مكافحة الإرهاب بأن القوات الحكومية وحلفاءها تقدموا عبر محور عفار، ووصلوا إلى العاصمة الإقليمية من دون مقاومة كبيرة داخل المدينة، بعدما انسحبت القوات المنافسة منها مسبقا.
لكن السيطرة على العاصمة لا تعني بالضرورة إخضاع الإقليم، فقد أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي أن الانسحاب هدفه تجنيب المدينة مزيدا من الدمار، وأشارت إلى أنها ستواصل القتال. كما استمر التوتر على الطرق المؤدية إلى مناطق أخرى، وشهد المحور الغربي قرب نهر تيكيزي اشتباكات بين القوات الاتحادية وقوات تيغراي.
وبعد السيطرة على ميكيلي، تقدمت القوات الحكومية شمالا على الطريق السريع A2 باتجاه أديغرات، في حين امتدت العمليات غربا نحو مناطق تقع في اتجاه أدوة. وأفاد مركز مكافحة الإرهاب باستعادة القوات الحكومية وحلفائها السيطرة على ووكرو وهاغري سيلام في 7 أكتوبر، مع استمرار الضربات الجوية في مناطق متفرقة.
تكمن المشكلة العسكرية هنا في الفارق بين السيطرة على المدن والقدرة على تثبيت السيطرة على الإقليم، فالمدن والطرق الرئيسية قد تنتقل من طرف إلى آخر، لكن القوات المتراجعة تستطيع الحفاظ على قدرتها القتالية إذا احتفظت بممرات جانبية ومناطق جبلية وشبكات محلية تساعدها على الحركة وإعادة تنظيم صفوفها.
لهذا لا يكفي قياس نتائج الحملة بعدد المدن التي دخلتها القوات الحكومية. ينبغي مراقبة قدرتها على حماية الطرق، وتأمين المناطق التي تتقدم إليها، ومنع خصومها من شن هجمات على مؤخرة قواتها أو قطع خطوط إمدادها.
فانو تضرب نقطة الضعف؛ الطريق الذي يصل الجبهة بالإمدادات
في إقليم أمهرة، لا تخوض جماعات فانو مواجهة منفصلة تماما عن الحرب في تيغراي؛ فعملياتها على الطرق والمحاور الرئيسية يمكن أن تؤثر في قدرة القوات الاتحادية على مواصلة حملتها شمالا. وتنبع أهمية هذا التطور من الجغرافيا؛ فالقوات التي تتقدم في إقليم آخر تحتاج إلى الوقود والذخيرة والغذاء والمعدات والإخلاء الطبي والتعزيزات، ولا تتحول السيطرة على مدينة إلى مكسب مستقر إذا أصبحت خطوط الوصول إليها معرضة للهجوم المتكرر.
ووفق مراجعة مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، استولت حركة فانو الوطنية في أمهرة على بلدة ورغيسا الواقعة على الطريق السريع A2 في 3 أكتوبر. ويعد هذا الطريق محورا رئيسيا يصل مناطق في شمال البلاد بوسطها، ويؤدي دورا مهما في حركة القوات والإمدادات بين أمهرة وتيغراي.
وفي 7 أكتوبر، تحدث المركز عن سيطرة فانو على ميهال ميدا، الواقعة على شبكة من الطرق الثانوية في جنوب شرق أمهرة، وعن هجوم شنته الحركة على بلدة دابات الواقعة على الطريق B30 الذي يربط شمال أمهرة بوسط تيغراي. كما أشار إلى هجمات في محيط لاليبيلا، وهي منطقة ذات أهمية بسبب موقعها على طرق ثانوية ومجاورتها لمطار.
هذه الوقائع ترسم نمطا عملياتيا يتجاوز الاشتباك المباشر مع وحدات الجيش. فبدلا من التركيز على السيطرة الدائمة على كل المدن، تستطيع فانو إرباك حركة القوات على المحاور الحيوية، وإجبار الجيش على توزيع وحداته بين حماية الطرق وملاحقة المهاجمين وتأمين المناطق التي سيطر عليها.
لكن يجب التمييز بين تعطيل خط إمداد وقطعه بالكامل. لا تثبت المعلومات المتاحة أن جميع طرق الإمداد إلى تيغراي أغلقت، ولا أن القوات الحكومية أصبحت محاصرة. الأدق أن الهجمات تزيد كلفة استخدام بعض المحاور وتفرض على القيادة العسكرية تخصيص قوات وموارد لحمايتها، بينما يظل حجم التعطيل ومدته وقدرة الجيش على فتح طرق بديلة عوامل حاسمة في تحديد أثره الفعلي.
لماذا يعد الطريق A2 مهما؟
لا تقتصر أهمية الطريق A2 على كونه طريقا بريا رئيسيا؛ فهو جزء من شبكة الحركة التي تربط مناطق أمهرة بالمحاور المؤدية إلى تيغراي. وعندما تتعرض بلدات واقعة عليه لهجمات أو تتغير السيطرة عليها، قد تضطر القوات إلى تغيير مسارات الحركة، وزيادة الحماية، وتأخير نقل الإمدادات.
وقد أشار مركز مكافحة الإرهاب إلى أن فانو استولت على ورغيسا، الواقعة على هذا الطريق، في 3 أكتوبر. وفي تقريره نفسه، وصف المركز هجمات على محاور أخرى، من بينها B30، الذي يربط شمال أمهرة بمناطق في تيغراي، إلى جانب عمليات على طرق ثانوية.
وتزداد أهمية هذا التحدي عندما يتزامن مع تقدم القوات الاتحادية في الشمال. فكلما اتسعت رقعة العمليات، ارتفعت الحاجة إلى خطوط مواصلات آمنة وإلى قوات تحميها. وإذا اضطرت القيادة إلى تخصيص مزيد من الوحدات لحماية الطرق والمنشآت، فقد يتراجع ما يمكن حشده لمهام هجومية أخرى.
مع ذلك، لا يمكن الجزم بأن هذه الهجمات وحدها ستوقف الحملة الحكومية. فالنتيجة تعتمد على قدرة الجيش على تأمين الطرق، واستخدام بدائل عملية، وإعادة فتح المحاور المتضررة، وعلى قدرة فانو على مواصلة عملياتها بعيدا عن مناطق نفوذها التقليدية.
هل تحولت فانو إلى قوة قادرة على استنزاف الجيش؟
من الخطأ اختزال فانو في كونها جماعات محلية تتحرك بصورة عشوائية. فالهجمات الموثقة في مواقع متعددة من أمهرة تشير إلى قدرة على استغلال الطرق الثانوية والمناطق التي يصعب تأمينها باستمرار، وإلى إدراك لأهمية الضغط على البنية اللوجستية للخصم.
لكن ذلك لا يكفي لإثبات أن الحركة تحولت إلى جيش تقليدي موحد قادر على إدارة جبهة واسعة ومستقرة. فالمعلومات المتاحة لا تقدم صورة كاملة عن حجم قواتها، أو مستوى التنسيق بين تشكيلاتها، أو قدرتها على الاحتفاظ بالبلدات التي تسيطر عليها في مواجهة الهجمات المضادة.
الأدق أن فانو تجمع بين الضغط المسلح على الطرق والمواجهات المحلية ومحاولات توسيع نفوذها في أمهرة. ويمكن لهذه الاستراتيجية أن تفرض استنزافا على الجيش حتى من دون تحقيق انتصار حاسم في معركة واحدة.
يشير تحليل مركز مكافحة الإرهاب إلى أن فانو سبق أن استهدفت هذه المناطق ومحاور أخرى في حملات سابقة، وأن مصالحها الخاصة في أمهرة تظل عاملا أساسيا في تفسير تحركاتها. وهذا مهم لفهم أي تقاطع بينها وبين خصوم الحكومة الاتحادية في تيغراي؛ فالتقاطع في مواجهة عدو مشترك لا يثبت وحده وجود قيادة موحدة أو تحالف استراتيجي طويل الأمد.
إريتريا تدخل الحسابات؛ من تحركات حدودية إلى خطر مواجهة مباشرة
التطور الأكثر حساسية في الأيام الأخيرة يتعلق بالتقارير عن تحركات قوات إريترية داخل تيغراي. ففي 8 أكتوبر، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن قائد في قوة سلام تيغراي أن جنودا إريتريين دخلوا أديغرات وإيداغا هاموس. كما أوردت الوكالة أن مشروع ACLED لرصد النزاعات قال إن قوات إريترية عبرت الحدود من جهة زيلامبيسا وتعرضت لضربات بطائرات مسيرة إثيوبية أثناء تحركها باتجاه إيداغا هاموس.
وفي تقرير منفصل، نقلت رويترز عن ACLED أن ضربات جوية بطائرات مسيرة استهدفت مركبات لقوات إريترية قرب أديغرات، بالتزامن مع تقارير عن انسحاب تلك القوات من مواقعها. وأشار أرشيف ACLED إلى أن ضربات وقعت مساء 7 أكتوبر وصباح 8 أكتوبر في محيط إيداغا هاموس وقيرسي بير، مستهدفة قوات يعتقد أنها إريترية ومركبات تحمل ذخائر.
هذه التقارير تحتاج إلى قراءة دقيقة، فقد قالت أسوشيتد برس إنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من روايتي دخول القوات الإريترية. كما أشار مركز مكافحة الإرهاب إلى أنه استطاع التحقق من بعض المواد المصورة وموقعها الجغرافي، لكنه لم يتمكن من تأكيد جميع تفاصيل التحركات أو هوية كل القوات الظاهرة فيها.
لذا؛ فإن الاستنتاج الأكثر اتزانا هو أن هناك مؤشرات جدية على وجود قوات إريترية داخل الأراضي الإثيوبية وعلى استهدافها بضربات إثيوبية، لكن حجم الانتشار وأهدافه ومدى استمراره لا تزال مسائل غير محسومة بالكامل.
وتكتسب هذه التطورات خطورتها من تدهور العلاقات بين البلدين. فقد تصاعد التوتر على خلفية مطالبة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، وهي قضية تثير مخاوف لدى الدول المجاورة، وفي مقدمتها إريتريا التي انفصلت عن إثيوبيا عام 1993. كما أعلنت أديس أبابا في مطلع أكتوبر اعتبار عدد من الدبلوماسيين الإريتريين أشخاصا غير مرغوب فيهم.
إذا استمرت الضربات المتبادلة أو توسعت التحركات العسكرية عبر الحدود، فقد تتحول المواجهة من نزاع داخلي إثيوبي إلى أزمة أمنية إقليمية. أما إذا كانت التحركات محدودة وتراجعت القوات المعنية، فقد يبقى التصعيد في نطاق الضغط العسكري المتبادل دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
هل تعمل جبهات أمهرة وتيغراي ضمن تحالف واحد؟
قد يبدو أن الضغط الذي تمارسه فانو في أمهرة يصب في مصلحة القوات المناوئة للحكومة الاتحادية في تيغراي، لأن تعطيل الطرق قد يحد من قدرة الجيش على تعزيز مواقعه شمالا. لكن هذا التقاطع لا ينبغي أن يتحول في التقرير إلى حقيقة أكبر مما تسمح به الأدلة.
فلكل طرف أهدافه ومظالمه وحساباته. فانو تخوض صراعا مع الحكومة الاتحادية حول قضايا تتعلق بموقع أمهرة ونفوذها السياسي والأمني، بينما تسعى جبهة تحرير شعب تيغراي إلى استعادة نفوذها ومواجهة التقدم الحكومي في الإقليم. وقد تتقاطع مصالح الطرفين ميدانيا من دون أن يعني ذلك وجود غرفة عمليات موحدة أو اتفاق على مستقبل البلاد.
ويرى مركز مكافحة الإرهاب أن المصالح العملية قد تفسر التنسيق بين بعض الأطراف المناوئة للحكومة، لكنه يربط تحركات فانو أيضا بحملتها المستمرة لتعطيل طرق الإمداد وفرض نفوذها على بلدات ومحاور استراتيجية في أمهرة.
هذا التمييز مهم؛ لأن التحالفات التي تقوم على مصلحة ظرفية قد تتفكك إذا تغيرت موازين القوى أو ظهرت خلافات بشأن الأراضي والإدارة المحلية وتقاسم النفوذ. ولذلك ينبغي مراقبة الوقائع الميدانية والأدلة على التنسيق الفعلي، لا الاكتفاء بالتزامن بين الهجمات أو استفادة طرف من عمليات طرف آخر.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب
السيناريو الأول؛ تقدم حكومي مع احتواء الاضطرابات
في هذا السيناريو، تتمكن القوات الاتحادية من تثبيت سيطرتها على ميكيلي والمحاور الرئيسية في تيغراي، وتعيد فتح طرق الإمداد المتضررة أو تحميها بما يكفي لاستمرار العمليات. وفي الوقت نفسه، تنجح في احتواء هجمات فانو عبر تعزيز الحماية وتوجيه عمليات مضادة.
يظل هذا السيناريو ممكنا إذا حافظ الجيش على التفوق الجوي والقدرة على تحريك التعزيزات، وإذا لم تتوسع المواجهة مع إريتريا. لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التمرد؛ فقد يستمر القتال في مناطق أخرى بأساليب غير تقليدية.
السيناريو الثاني؛ استنزاف طويل على جبهات متعددة
في هذا السيناريو، لا تتمكن الحكومة من تحويل السيطرة على المدن إلى سيطرة مستقرة على الطرق والمناطق الريفية. وتستمر فانو في مهاجمة المحاور، بينما تحتفظ قوات تيغراي بقدرة على إعادة التنظيم وتنفيذ هجمات متفرقة.
يؤدي ذلك إلى توزيع القوات الحكومية على مهام متزامنة؛ حماية خطوط الإمداد، وتأمين المدن، ومواصلة العمليات في تيغراي، والتعامل مع التوتر على الحدود الإريترية. وقد تصبح الكلفة اللوجستية والسياسية للحرب أهم من نتيجة أي معركة منفردة.
السيناريو الثالث؛ تصعيد إقليمي يغير طبيعة الصراع
السيناريو الأخطر هو توسع الاحتكاك بين إثيوبيا وإريتريا إلى مواجهة مباشرة، بالتزامن مع استمرار الحرب الداخلية. عندئذ لن تعود الأزمة محصورة في قدرة الجيش على التعامل مع فانو أو جبهة تيغراي، بل ستتصل بأمن الحدود وموازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
ولا يمكن الجزم بأن هذا السيناريو وشيك؛ فالتقارير عن التحركات الإريترية ما زالت تتضمن فجوات في التحقق، ولا تثبت وحدها أن قرارا اتخذ بخوض حرب واسعة. لكن اجتماع التوتر الدبلوماسي مع التحركات العسكرية والضربات الجوية يجعل هذا الاحتمال جديرا بالمراقبة.
مؤشرات ينبغي مراقبتها خلال الأيام المقبلة
لن يكون من المفيد الاكتفاء بعد البلدات التي يعلن كل طرف السيطرة عليها. فالمؤشرات الأكثر دلالة على اتجاه الحرب تشمل؛
الطريق A2؛ هل تستطيع القوات الاتحادية ضمان حركة منتظمة للإمدادات عبر ورغيسا والمناطق المحيطة بها؟
الطريق B30؛ هل تتوسع هجمات فانو وجبهة تيغراي في المحور الغربي، أم تستعيد الحكومة قدرة الحركة عليه؟
المناطق الثانوية في أمهرة؛ هل تقتصر عمليات فانو على هجمات متفرقة، أم تتمكن من الاحتفاظ بمواقع تؤثر في حركة القوات؟
المحور بين ميكيلي وأديغرات؛ هل تستمر القوات الحكومية في التقدم شمالا، أم تواجه هجمات مضادة أو اضطرابا في خطوط الإمداد؟
الوجود الإريتري؛ هل تظهر أدلة مستقلة جديدة على حجم القوات ومواقعها، أم تتأكد التقارير عن انسحابها من المناطق التي دخلتها؟
وتيرة الضربات الجوية؛ هل تستمر الضربات قرب الحدود الإريترية وتتوسع، أم تتراجع؟
المسار السياسي؛ هل تظهر مؤشرات على تفاوض أو وساطة، أم تتواصل الإجراءات التي تزيد التوتر بين أديس أبابا وأسمرة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستكون أكثر أهمية من أي إعلان منفرد عن نصر أو انسحاب، لأنها تكشف ما إذا كانت الحكومة تستعيد السيطرة الفعلية على المجال العملياتي، أم أن اتساع رقعة الحرب بدأ يفرض عليها كلفة يصعب احتواؤها.
المشكلة ليست في التقدم وحده بل في القدرة على تثبيته
تكشف التطورات حتى 9 أكتوبر 2026 عن مأزق عملياتي متنام أمام الجيش الإثيوبي، لا عن انهيار عسكري محسوم. فقد حققت القوات الاتحادية وحلفاؤها مكاسب مهمة في تيغراي، أبرزها دخول ميكيلي، لكن هجمات فانو على الطرق الرئيسية والثانوية تفرض تحديا على حركة الإمدادات، فيما تفتح التقارير عن التحركات الإريترية احتمال اتساع المواجهة إلى ما وراء الحدود الداخلية للصراع.
وتكمن نقطة الضعف المحتملة في تزامن هذه الضغوط؛ تقدم عسكري يحتاج إلى إمداد مستمر، وطرق تتعرض للهجمات، وخصوم يستطيعون استغلال المساحات التي يصعب تأمينها، وحدود شمالية تشهد تصعيدا خطيرا.
لكن الحكم النهائي على اتجاه الحرب لا يزال مبكرا. فلا توجد أدلة كافية للقول إن جميع خطوط الإمداد قطعت، أو إن القوات الحكومية أصبحت محاصرة، أو إن إريتريا دخلت حربا شاملة. وما ستكشفه الأيام المقبلة عن استمرارية حركة الإمدادات، وثبات السيطرة على البلدات، وحقيقة الانتشار الإريتري، سيحدد ما إذا كانت مكاسب الجيش ستتحول إلى سيطرة مستقرة، أم إلى بداية مرحلة جديدة من الاستنزاف.

