الحركات الإسلامية

لماذا يغيب الرشد عن الحركات الإسلامية إذا غاب عنها المرشد؟

لطالما راود فكري هذا التساؤل الذي طرحة المفكر الطالما راود فكري هذا التساؤل الذي طرحة المفكر الإسلامي محمد عماره -رحمه الله وغفر له-، وأنا أرى مفاعيله الواقعية في تجاربي العملية كلما تقدم بي العمر وتعمقت تجربتي في العمل الإسلامي.

وبعد أن أدركت انه سؤال يعبر عن واقع مر، وليس طرحا افتراضيا قائما على تنظير فكري مجرد، قادني التأمل إلى أن الإجابة عليه تحتاج الى صفحات طوال من المراجعات والمدارسات التي تستند الى التاريخ بما سُطر في صفحاته، وإلى الواقع بما أفرز  من مراراته، وهو امر يحتاج إلى إرادة جمعية، ومثابرة فردية، ليحقق مخرجاته العملية المرجوة، وهذا لا يمنع أن يلقي الآحاد منا سنانيرهم في بركة الواقع، لعل خطافا منها يقف على بعض التوصيفات التشخيصية، فتسهم في تقديم معالجات عملية.

 *الخلل الوظيفي*

التجارب العملية التي عاصرتها او عايشتها او رأيتها او سمعتها، كلها قادتني الى فكرة وجود اختلال في فهم وظيفة القائد والقيادي في الحركة الإسلامية.

عمليا تجد القائد او القيادي، شخصا مستغرقا بالكلية في المهام الصغيرة والإدارة اليومية للأحداث والوقائع التي تدور في محيط العمل، ويفهم اللوائح على انه الشخص المخول بالتدخل بكل كبيرة وصغيرة، الامر  الذي يفضي الى استنزاف الشخص المكلف، ويوصله لمرحلة الانهاك والتشتت، فيشكو من قلة الأوقات وكثرة المهام، ليصل بعد حين إلى ضعف التركيز فتصبح قراراته واهية، وإجراءاته باهته، لا تتناسب مع ما تتطلبه الوقائع من بصيرة وإحاطة وفهم وإدراك، ومع التراخي الزمني تتحول جملة قرارات الفرد المطلق الصلاحيات إلى كوارث في الأداء، وضعف في الاتجاه، وانهيار في البناء، ويصبح كل ذلك ككرة ثلج تتدحرج نحو؛ الفكر، والإدارة والسياسة، والتماسك واللحمة التنظيمية.

 *وظيفة القيادي*

ولو وعينا الوظيفة الحقيقة للقائد، انطلاقا من مفاهيم الإدارة التي توصلت إليها العلوم البشرية؛ عبر التجربة والتنظير معا على مدار أحقاب زمنية متطاولة، لكنا خرجنا من هذه الإشكالية، وتجنبنا المزالق التي أفضت بنا الى حالة الجمود والخمول والمراوحة التي نعاني من آثارها اليوم.

فالقائد شخص يرى في الأفق ابعد مما يراه الاتباع، فيرسم الرؤية ويضع لها أهدافا، ثم يقنع بها الاتباع بأدوات المنطق والعقل والحكمة، ويشكل بعد ذلك من المقتنعين فرق عمل تخطط لطرق الوصل الى الأهداف، وتنسق جهود التنظيم وتجعل مسيرته وحركته في انسجام وتناغم واتساق (فهم يوزعون).

وكذلك فعل القائد الأمثل صلى الله عليه وسلم، فرغم دائرة المعارضة الواسعة جداجدا لسلام عشر سنوات في الحديبية، مقابل شروط صعبة رائها زعيم المعارضة عمر مذلة (علام نعطي الدنية في ديننا)، إلا أن صلى الله عليه وسلم كان يستشرف رؤية مستقبلية لمخرجات هذا السلام المستدام، فرجح عنده حجم التنازلات مقابل المكتسبات، فكان القرار حاسما فأزهر وأثمر.

 وهذا الحديث يقودنا إلى أهم صفة يمتاز بها القيادي ليكون مؤهلا ومتناغما مع الوظيفة، فهو صاحب خيال واسع، ورؤية استشرافية كبيرة، وقدرة على التخطيط الاستراتيجي، ويمتلك القدرة على التحليل لمعطيات الواقع وتداعيات الماضي، ما يؤهله لكي يمد النظر إلى المستقبل، وهو يفتقر في الغالب للقدرات العملية والمواهب الوظيفية الإدارية، التي يكفيها إياه غيره.

وكلما ارتقى الشخص في السلم القيادي للمؤسسة، تراجعت عنده الجوانب العملية والوظائف الإدارية، لصالح الجانب التنظيري المرتبط برسم السياسات ووضع الرؤى والتصورات، وتحليل الواقع والوقائع، واستشراف المستقبل وتوقعاته؛ فرصاً وتحديات.

ويمكن أن نخلص إلى أن أي مؤسسة بغض النظر عن توجهاتها الفكرية والأيدلوجية، تحتاج لجناحين كي تطير وتحلق في آفاق الإنجاز، الأول القيادة الواعية الراشدة التي تدرك وظائفها وتعمل بموجبها ومقتضياتها، والثاني هو الجناح التنفيذي القادر على إدارة العمل اليومي بكفاءة عالية تصل للأهداف باقل الكلف وأسرع الأوقات، وتحل المشكلات والمعضلات التي تعترضها دون ان تتحول إلى أزمات.

واي تداخل في الوظائف بين الجناحين، سيفضي الى الفشل الذي هو من مقتضيات السنن الربانية، فإرادة الله تعالى وحكمته اقتضت ان لا يخلق الانسان الكامل القادر على ان يكون كل شيء في كل وقت، لتمضي سنة احتياج الناس بعضهم إلى بعض، حتى ينتهون الى الحياة الكاملة القائمة بذاتها  في الجنة.لإسلامي محمد عماره -رحمه الله وغفر له-، وأنا أرى مفاعيله الواقعية في تجاربي العملية كلما تقدم بي العمر وتعمقت تجربتي في العمل الإسلامي.

Scroll to Top