غزة
وطوفان الاقصى
جاءت معركة طوفان الأقصى في مرحلة مفصلية من عمر الأمة وفي القلب منها الحركة الإسلامية، حيث نجحت طائفة من أبناء الحركة في غزة بامتلاك أداوت قوة تناسب واقعهم وفق المتاح من الأدوات التي تتيحها ظروفهم الميدانية، فمكنتهم من التحوّل إلى رقم صعب، ومفاوض عنيد يساوم الخصوم بقوة واقتدار في معركة استرداد الحقوق وتحرير الانسان والأرض.
وكانت النخب والعامة على حد سواء قد وصلت لقناعة مفادها؛ أن زمن استرداد الحقوق باستخدام القوة أصبح ماضياً لا يمكن أن يعود، وأن السلمية التي هي أقوى من الرصاص هي السبيل الوحيد للحركة كي تصل إلى أهدافها وغاياتها.
ولكن ثمة سؤال يفرض نفسه في هذه الغمرة، هل السلمية تعني أن من ضربك على خدك الأيمن تُناوله الايسر؟ ثم إذا لطمك على خدك الايسر تمكنه من قفاك؛ وما بعد القفى أدهى وأمر!.
وهل امتلاك الخصوم لأدوات القوة المطلقة، وحصولهم على الاسناد اللامحدود من أعداء الامة، يعني أن نتخلى من طرفنا عن امتلاك القوة بمختلف وسائلها وأدواتها ووجوهها وفق دراسة الواقع ومعطياته وما فيه من فرص؟.
عندما نعود إلى أدبيات الحركة الإسلامية بشكل عام خصوصاً في مرحلة التأسيس، نجد أنها في الكثير من المواضع أكدت على أهمية أن تكتسب الدعوة أدوات القوة المختلفة، انطلاقا من قول الله تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة …).
الاخوان المسلمين
يقول مؤسس جماعة الاخوان المسلمين الشيخ حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس:
(أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف)، بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء، فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قوياً في كل شيء، شعاره القوة في كل شيء؟ فالإخوان المسلمون لابد أن يكونوا أقوياء ولابد أن يعملوا في قوة).
وأضاف البنا؛ الإخوان المسلمون: (يعلمون أن أول درجة من درجات القوة؛ قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعاً، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء والهلاك).
رسائل حسن البنا
وبعد أن تحدث بالتفصيل عن النهج السلمي للدعوة، فصل البنا في منهجية استخدام القوة بذات الرسالة بالقول:
(إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها؛ وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولاً وينتظرون بعد ذلك).
وهنا نسأل؛ إذا كانت حيازة القوة والمكنة في صميم التكوين الحركي، ما الذي جعل الحركة تبتعد عن هذا الهدف؟.
يمكن الإجابة على هذا السؤال من عدة وجوه:
الوجه الأول: ابتليت الحركة بداء الارتجال المزمن، والبعد عن التحليل المنطقي، والقراءة الاستشرافية للواقع، فاتسمت كل مواقفها بردات الفعل على الأحداث.
ومن أهم أسباب التخلي عن فكرة القوة هو؛ انتشار ظاهرة العنف العشوائي الصادر عن الجماعات المسلحة التي تدعي الانتساب للإسلام، والذي غذته أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية كوسيلة من وسائل مكافحة التيار الإسلامي الحركي.
بدءا من حركة التكفير والهجرة في مصر، وانتهاء بداعش في العراق وسوريا، اتسمت ردة فعل الحركة الإسلامية على ذلك كله بإعلان البراءة من كل أشكال ممارسة القوة، مساوية في ذلك بين القوة المشروعة التي لابد منها لنيل الحقوق، وتلك العبثية التي تستخدم للتخريب والقتل وخدمة الأجندات المشبوهة، فانتشرت بلا مواربة الأدبيات التي تتحدث وتربي الأجيال على الخضوع والموادعة، وتم اجتثاث الأدبيات التي تربي على القوة، بل إن بعض الحركات الإسلامية خصوصاً في الغرب، عمدت إلى حذف كلمة الجهاد ومشتقاتها من الأدبيات التربوية والمناهج، سعياً للحصول على صك البراءة من الإرهاب، التهمة التي لم تفارقها قط مهما فعلت.
الوجه الثاني: حصر مفهوم القوة في السلاح الذي استخدمته الحركات العنفية، مع أن أدوات القوة متعددة، تتنوع زماناً وحالاً ومكاناً، ولكل منها استخداماته وطرائقه في التوظيف الاستراتيجي لاكتساب أدوات الردع والقدرة على استلاب الحق.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، القوة الاقتصادية في عصرنا تعتبر واحدة من أهم الأدوات التي تُمكن من يمتلك زمامها من الغلبة والتمكين، ولعل أفضل شاهد على هذا قوة الحركة الصهيونية في العالم، التي نتفق جميعنا على أنها واحدة من أهم الأدوات التي مكنت هذه الحركة من السيطرة، ولا زالت تمدها بأسباب التمكين في الاستمرار والبقاء والتمدد.
وهنا نسأل لماذا لم تنجح الحركة الإسلامية في بناء قوة اقتصادية عالمية على غرار الحركة الصهيونية؟ الم تتوفر عندها الموارد والأسباب التي توفرت لتلك الحركة؟.
لقد كشفت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أن الحركة كانت تملك قدرات مالية هائلة، وُجهت لمراكزها ضربات موجعة فيما عرف بـ(حرب تجفيف المنابع)، تَركت الحركة في حالة إفلاس وتخبط وما زالت كذلك.
إذاً توفرت الموارد، وغابت العقلية التي تدير هذه الموارد إدارة استراتيجية رشيدة، تحوّل الاقتصاد الى قوة ضاربة تكون جزء من معادلة تحقيق الأهداف الكلية.
ويمكن أن نقيس بذات القياس على سائر أدوات القوة التي كان يمكن للحركة امتلاكها منها؛ القوة التكنولوجية، القوة السيبرانية، القوة الاعلامية …الخ.
وبذات السياق، وعلى سبيل المثال نسأل عن سبب عدم حيازة الحركة القوة الإعلامية، التي تمكنها من رد الهجمات الشرسة ضدها على مدار عقود، والتي نجحت في شيطنتها أمام الرأي العام؟!.
أليس الإعلام قوة سلمية أقوى في تأثيرها من الرصاص؟! لا يختلف على ذلك اثنان، إذا لماذا لم تتمكن الحركة من أدوات هذه القوة؟ هل يوجد نقص في رأس المال الذي تتطلبه المكنة من مثل هذه القوة؟ لو أحصينا ما أنفقته الحركة في توزيع الخيام والبطانيات والرز على مخيمات الأزمات التي عصفت بالأمة في العقود الخمسة الماضية، لوجدنا أن رأس المال الذي أنفق كان يمكن أن يؤسس لثلاث امبراطوريات إعلامية مثل إمبراطورية روبرت مردوخ الإعلامية؛ المحب للصهيونية والمعادي للإسلام.
الإسلاميين
لماذا تجيد الحركة في فقه الأزمات، ولا تحسن بفقه المآلات وقراءة المستقبليات؟.
هل يوجد نقص في رأس المال البشري يمنع من تأسيس قوة إعلامية؟.
لو أجرينا مسحاً استقرائياً للساحة، لوجدنا أن كفاءات من أبناء الحركة ساهمت مساهمة فاعلة في إنجاح العديد من المؤسسات الإعلامية عربيا وعالميا، وبعضهم يعد حجر الزاوية فيها، فلماذا لم تحسن الحركة توظيفهم في مشروع تمكين خاص بها؟.
ذكرنا الاقتصاد والإعلام في سياق هذا المقال لأهميتهما، غير أن أسباب القوة التي تؤدي إلى التمكين لا تنحصر فيهما، فقس على ذلك مجال العلوم السيبرانية، وهي قوة سلمية ناعمة يتم الاستثمار فيها براس المال البشري بالدرجة الأساس، وتوظيف ثورة المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي… ومجالات شتى لا يتسع المقال لحصرها، كلها فرص قوة لم تفكر الحركة في الاستثمار فيها والتمكن من أدواتها، للوصول الى أهدافها الاستراتيجية التي لا تزال ترددها في الأدبيات مجردة عن الترجمة كواقع عملي على الأرض.
فلماذا لم تنتبه الحركة لهذه القضية؟ يمكن أن نجمل أسباب ذلك فيما يلي:
1-غياب الرؤية الاستشرافية والقراءة الاستراتيجية، لصالح غلبة الارتجال والتصرف العفوي غير المدروس.
2-غلبة المحسوبية داخل التنظيم، والاعتماد على توجيهات القائد بدل الضوابط والمعايير في تحديد مسارات الاستثمار في الموارد المادية والبشرية، واختيار القوي الأمين، وفي ظل غياب الرقابة، مُكّن غير الأكفاء الثقات من أموال الحركة، فستأثر بهذه الأموال أقوام بنوا لأنفسهم أمجاداً شخصية، ولعلك في كل قطر تسمع الف حكاية وحكاية عن الذي استأمنته الحركة على أموالها واستثماراتها ثم قلب لها ظهر المجن وقال (إنما أوتيته على علم عندي)، وهي ذات الرواية بذات الأدوات تتكرر زماناً ومكاناً مرة بعد مرة بمختلف الأقطار، دون أن تجد من يقف عند الظاهرة ويدرسها ويتعقب أسبابها ويعتبر من دروسها.
3-انتشار الفساد، ولعلها قضية حساسة يستنكف من ذكرها أبناء الحركة الإسلامية، انطلاقاً من استحالة ان يكون فيها فساد وهي حركة تقول عن نفسها في أدبياتها أنها (ربانية)، وواقع الحال يقول إن الحركة ما هي إلا تجمع إنساني يصيبها من العيوب ما يصيب أي تجمع آخر، ولو تكلّف أحدنا بجمع ما سمع من روايات الفساد التي تُحكى شفاهاً لجمع مجلدات من تلك القصص، ومن العجيب أن قيادات العمل الإسلامي العليا التي يتاح لها وحدها أن تطلع على تلك القصص، تؤثر التستر عليها وكتمانها بدعوى خشية أن يلحق الدعوة من اثار انكشافها ضرر، أو يفتضح امر بعض القيادات المتورطة فيها.
وهنا نقول؛ إن الحركة الصهيونية التي جاءت كمثال في سياق هذا المقال، أتيح لها من الأفراد من يحملها ويعمل لها بتجرد خالص، فيعطي أكثر مما يأخذ، حتى تمكنت وتمددت، وعلى النقيض لم يتح للحركة الإسلامية مثل هذه النماذج، فوجدنا فيها من يأخذ أكثر مما يعطي، فتراجعت وتحجمت.