دراسة تحليلية بالمنهجين الاستقرائي التاريخي (الاستردادي)
مشكلة البحث
تجارب العمل المؤسسي في دول العالم الإسلامي، ولا سيما بمنطقة الشرق الأوسط، تعاني من إشكالية بنيوية في التعامل مع النقد داخل المؤسسات، سواء كانت مؤسسات مجتمع مدني، أو أحزابا سياسية، أو جمعيات ومنظمات، أو شركات ربحية خاصة، حيث يسود في سياقات عملها الادارية نمط ثقافي عام يتسم برفض النقد أو تحجيمه، والنظر إليه بوصفه تهديدا للهيبة، أو خروجا على الطاعة التنظيمية، ولا ينظر إليه بأي حال من الاحوال باعتباره أداة لتصحيح المسار أو تطوير لمسارات العمل.
وتعود جذور هذه الإشكالية، في جانب كبير منها، إلى ثقافة اجتماعية قائمة على الوصاية الأبوية، المتجذرة في ثقافة المجتمع، حيث يعاد إنتاج أنماط العلاقة الأسرية التقليدية داخل الهياكل المؤسسية، فيتحول القائد أو المسؤول إلى أبٍ رمزي، وينظر إلى الأعضاء أو الموظفين بوصفهم تابعين لا شركاء في التفكير واتخاذ القرار.
هذا النموذج الأبوي يتعامل مع النقد على أنه عصيان أو قلة ولاء وأحيانا ينظر إليه على أنه قلة أدب، لا ممارسة مهنية تساهم في بناء الذات واكتشاف الأخطاء وتحسين المنتج او الأداء.
وتنعكس هذه الثقافة سلبا على الأداء، إذ تؤدي إلى إقصاء الأصوات الناقدة، وتعطيل آليات المراجعة الذاتية، وتراكم الأخطاء دون تصحيح مبكر، مما يضعف قدرة المؤسسات على التعلم والتكيف مع التحولات المتسارعة التي يمتاز بها القرن الحادي والعشرين، على مختلف الصعد؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وغيرها.
ومن هنا تتحدد مشكلة هذا البحث في التساؤل الرئيس:
إلى أي مدى يسهم غياب ثقافة تقبل النقد؛ الناتج عن هيمنة النموذج الأبوي في المجتمعات والمؤسسات بالشرق الأوسط؛ في إضعاف كفاءة المؤسسات وفاعليتها واستدامتها؟
-ما السبل الممكنة لتحويل النقد من ممارسة مرفوضة ثقافيا إلى آلية مؤسسية فاعلة تسهم في تحسين الأداء وتعزيز الحوكمة؟.
المبحث الأول: النقد كوسيلة لتصحيح المسار المؤسسي مبكرا
أولا- الإطار النظري: النقد بوصفه آلية كشف مبكر
تؤكد الأدبيات المعاصرة في دراسات الإدارة والتنظيم أن قدرة المؤسسة على اكتشاف الأخطاء في مراحلها الأولى تمثل عاملا حاسما في الحد من المخاطر الاستراتيجية وتقليل كلفة الفشل. ويعد النقد المؤسسي أحد أهم الأدوات التي تمكن المؤسسات من هذا الاكتشاف المبكر، إذا ما أدرج ضمن منظومة تنظيمية واضحة¹.
ويرى كريس أرجيرس أن المؤسسات التي تفتقر إلى ثقافة نقدية فاعلة تميل إلى نمط من التعلم يعرف بـ”التعلّم الأحادي”، حيث يتم تصحيح الأخطاء السطحية دون مراجعة الافتراضات العميقة التي أدت إليها، مما يجعل الإخفاقات تتكرر بأشكال مختلفة². ويؤدي هذا النمط إلى تأجيل الأزمات بدل معالجتها جذريا.
وهو ما يؤكد عليه بيتر سينج في هذا السياق، مشيرا إلى أن غياب النقد البناء يمنع ما يسميه بـ”التعلم الاستباقي”، ويجعل المؤسسات لا تتعلم إلا بعد وقوع الضرر، وهو ما يرفع كلفة الأخطاء ويضعف القدرة على التكيف³.
ثانيا- النقد المؤسسي وآلية “الإنذار المبكر”: تحليل استقرائي
تشير دراسات متعددة إلى أن المؤسسات التي تعتمد آليات رسمية لتلقي النقد مثل؛ المراجعات الشاملة للأداء، والتقارير الداخلية التي تكتب بحياد بايدي مراقبين او متابعين من غير الواقفين على خط الإنتاج او التنفيذ، وقنوات الصوت الوظيفي، تكون أكثر قدرة على تصحيح المسار قبل تضخم الأخطاء⁴.
دراسة منشورة في (Harvard Business Review) أظهرت أن المؤسسات التي تتوافر فيها ما اسمتها بـ”السلامة النفسية” والمقصود بها؛ البيئة التي تسمح بتوجيه النقد دون خوف من العقاب، تشهد انخفاضا ملحوظا في الأخطاء التشغيلية، وتحسنا في جودة القرار الإداري⁵.
كما خلصت دراسة أكاديمية بجامعة (كورنيل) إلى أن تشجيع الموظفين على التعبير عن الملاحظات النقدية يرتبط بشكل مباشر بتحسن الأداء المؤسسي، لأن النقد يكشف مشكلات لا تظهر في التقارير الرسمية⁶.
ثالثا- شركة نوكيا نموذجا للفشل المؤسسي (فنلندا – 2007–2013)
يمكن ان نعتبر تجربة شركة نوكيا الفنلندية من أكثر النماذج حضورا في الأدبيات الإدارية بوصفها مثالا على فشل مؤسسة بسبب قمع النقد الداخلي.
الأمر الذي أكدته دراسة تحليلية منشورة في (Administrative Science Quarterly) حيث أشارت إلى أن مهندسي نوكيا كانوا يدركون مبكرا محدودية نظام التشغيل(Symbian) وعدم قدرته على مجاراة تطور الهواتف الذكية، إلا أن هذه الملاحظات النقدية لم تصل بفاعلية إلى الإدارة العليا بسبب ثقافة تنظيمية تعاقب نقل الأخبار السلبية⁷.
هذا الاجراء الإداري الخاطئ تسبب بعدة مشاكل بنوية منها:
1-تأخير اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة.
2-الاستمرار في نماذج تقنية متقادمة.
3-فقدان الريادة السوقية لصالح منافسين أكثر مرونة.
وقد وصلت الدراسة الى خلاصة هامة مفادها أن:
(المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل في تعطيل النقد بوصفه قناة اتصال تنظيمية).
رابعا – النقد المبكر في شركة تويوتا اليابانية يؤسس لنجاح مبهر
تمثل شركة تويوتا نموذجا لنجاح المؤسسات التي تدمج النقد في بنيتها التشغيلية، حيث يعتمد نظام الإنتاج لدى الشركة على فلسفة (Kaizen) وتعني (التحسين المستمر)، التي تسمح لأي عامل بإيقاف خط الإنتاج عند اكتشاف خلل⁸.
وقد أجريت العديد من الدراسات على هذا النموذج، ومنها دراسات نشرت في (MIT Sloan School of Management) اشارت إلى أن؛ هذا النظام حول النقد من فعل احتجاجي إلى ممارسة تنظيمية طبيعية، الأمر الذي مكن الشركة من نقاط قوة ملخصها:
1-اكتشاف الأخطاء فور وقوعها.
2-تقليل العيوب التصنيعية.
3-بناء ذاكرة مؤسسية قائمة على التعلم⁹
ويؤكد جيفري ليكر أن نجاح تويوتا لا يعود إلى تفوق تقنيا بقدر ما يعود إلى شرعنة النقد داخل المؤسسة¹⁰.
خلاصة المبحث
يتضح من التحليل النظري والاستقرائي والتاريخي أن النقد المؤسسي يصبح مع الزمن بفاعلية كبيرة كـ”نظام إنذار مبكر” داخل المؤسسات، فغيابه لا يعني غياب المشكلات، بل يعني تأجيل مواجهتها إلى لحظة تكون فيها كلفة التصحيح مرتفعة أو مستحيلة.
وبناء على هذه الخلاصة يمكننا أن نقول إن:
(المؤسسات التي تنجح في تنظيم النقد وتحويله إلى ممارسة مؤسسية مستدامة تكون أقدر على البقاء والتكيف في بيئات تنافسية متغيرة).
المبحث الثاني: النقد وبناء ثقافة الشفافية والمساءلة
أولا- الإطار المفاهيمي: العلاقة بين النقد والشفافية المؤسسية
الشفافية المؤسسية هي: قدرة المؤسسة على إتاحة المعلومات ذات الصلة، وتوضيح آليات اتخاذ القرار، وقبول المساءلة الداخلية والخارجية. الأدبيات التنظيمية تؤكد بمجملها على أن النقد يعد شرطا سابقا لتحقيق الشفافية، لا نتيجة لاحقة لها¹¹.
وفي هذا الجانب يرى ماكس فيبر أن غياب المساءلة النقدية داخل التنظيمات البيروقراطية يؤدي إلى ما أسماه بـ “تحجر التنظيم”، حيث تخفى الأخطاء حفاظا على الشكل المؤسسي لا على فعاليته¹².
ويربط روبرت كليتغارد بين غياب النقد وازدهار الفساد، معتبرا أن احتكار المعلومة ومنع النقد يشكلان بيئة مثالية للانحراف المؤسسي¹³.
وعليه، فإن النقد المؤسسي لا يؤدي فقط وظيفة تصحيحية، بل يسهم في تفكيك احتكار الحقيقة داخل المؤسسة.
ثانيا- النقد آلية لتفعيل المساءلة: تحليل استقرائي
تظهر الدراسات التطبيقية في الإدارة العامة وإدارة الأعمال أن المؤسسات التي تعتمد قنوات نقد واضحة (مثل لجان التدقيق، التقارير الرقابية، وأنظمة الإبلاغ الداخلي) تكون أكثر قدرة على ممارسة المساءلة الذاتية قبل التدخل الخارجي¹⁴.
وهو ما أكدته دراسة منشورة في (Journal of Business Ethics) حيث ذكرت أن وجود آليات نقد داخلية فعالة يقلل من احتمالات التستر على الأخطاء الإدارية، ويعزز ما يُعرف بـ”المساءلة الأفقية” بين المستويات التنظيمية المختلفة¹⁵.
وهو معنى أكدته منظمة الشفافية الدولية، في تقرير لها أشار إلى أن النقد الداخلي المنظم يمثل أحد أهم أدوات الوقاية من الفساد المؤسسي، لأنه يكسر ثقافة الصمت التنظيمي التي تسمح بتراكم الانحرافات دون مساءلة¹⁶.
ثالثا- نموذج فشل مؤسسي بسبب غياب النقد والشفافية
شركة “إنرون” وهي شركة أمريكية للطاقة والسلع والخدمات مقرها هيوستن، تكساس
التي انهارت عام 2001، تعتبر مثالا واضحا على فشل مؤسسة كبرى بسبب غياب النقد الداخلي وانعدام الشفافية.
وخلصت الدراسات التحليلية التي تعرضت لقضية انهيارها المدوي إلى أن الإدارة العليا في الشركة ارتكبت أخطاء قاتلها أهمها:
1-احتكرت المعلومات المالية
2-تهميش الأصوات النقدية
3-تحييد دور التدقيق الداخلي¹⁷
ومن أبرز الدراسات التي خلصت لهذه النتيجة، دراسة نشرت في (Journal of Economic Perspectives ) ، إذ أكدت على أن ثقافة إنرون التنظيمية كانت تكافئ الولاء والصمت أكثر من الصراحة والنقد، مما أدى إلى تضليل المستثمرين والموظفين على حد سواء¹⁸.
رابعا- نموذج نجاح مؤسسي
شركة باتاغونيا للملابس الامريكية، تعد شركة نموذجا لمؤسسة دمجت النقد والشفافية في بنيتها القيمية والاستراتيجية، حيث تعتمد على سياسة الإفصاح العلني عن؛ سلاسل التوريد، والأخطاء البيئية، والانتقادات الموجهة إليها من جهات مستقلة.
وهو ما أكدته دراسة منشورة في (California Management Review) تحدثت عن ان قبول الشركة للنقد الخارجي وتحويله إلى إجراءات تصحيحية عزز مصداقيتها المؤسسية ورفع من ثقة المستهلكين¹⁹.
وهنا تؤكد هذه التجربة أن الشفافية لا تضعف القدرة التنافسية، بل قد تتحول إلى ميزة استراتيجية مستدامة.
خلاصة المبحث
النقد المؤسسي يمثل الأساس العملي لبناء ثقافة الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات؛ فحيثما غاب النقد، حضرت ثقافة التستر، وحيثما نظم النقد وحمي، تشكلت بيئة تنظيمية قادرة على تصحيح ذاتها ذاتيا.
المبحث الثالث: النقد وتحسين جودة الأداء المؤسسي
1-النقد والجودة في الدراسات التنظيمية أدبيات الجودة المؤسسية تعرف الأداء الجيد بكونه:
حصيلة تحسينات متراكمة قائمة على القياس والتغذية الراجعة والتصحيح المستمر، ويتعبر النقد المؤسسي المكون المحوري في هذه الحلقة؛ إذ يوفر المعلومات اللازمة لكشف فجوات الأداء وربطها بمعايير واضحة قابلة للتحقق²⁰.
يرى ويليام إدواردز ديمينغ، وهو أحد رواد إدارة الجودة الشاملة، أن غياب النقد المنهجي يجعل مؤشرات الأداء مجرد أرقام بلا معنى، لأن التحسين لا يبدأ إلا بعد مساءلة النتائج وتفسيرها نقديا²¹.
وهو ما يؤكده بدوره جوزيف جوران؛ أن الجودة تتدهور حين تستبدل المراجعة النقدية بالمجاملات التنظيمية، لأن ذلك يطمس الانحرافات الصغيرة قبل أن تتضخم²².
2- النقد القائم على المعايير: تحليل استقرائي
بحسب جملة من الدراسات التطبيقية، فإن المؤسسات التي تربط النقد بمعايير أداء تحقق تحسنا ملموسا في جودة المخرجات مقارنة بالمؤسسات التي تعتمد تقييمات عامة غير محكمة²³.
وهنا نشير إلى الدراسة منشورة في (Quality Management Journal) التي أكدت أن التغذية الراجعة القائمة على بيانات مقارنة (Comparative Feedback) تساهم في تقليل التباين في الأداء ورفع متوسط الجودة عبر الوحدات التنظيمية²⁴.
وفي ذات السياق خلصت مراجعة منهجية نشرت في (Journal of Operations Management) إلى أن النقد المبني على القياس يحسن الاستجابة التشغيلية ويقلل الهدر²⁵.
3- نموذج نجاح: تحسين الجودة بالنقد في جنرال إلكتريك
اعتمدت شركة جنرال إلكتريك، خلال قيادة جاك ويلش، منهج (Six Sigma) بوصفه كإطار نقدي صارم لتحسين الجودة، يعتمد على مساءلة العمليات وفق بيانات دقيقة، وتحليل أسباب الانحرافات، واتخاذ قرارات تصحيحية مستندة إلى النقد الإحصائي²⁶.
وهو ماتناولته دراسة نشرت في مجلة هارفارد للأعمال (Harvard Business Review)، أشارت إلى أن تطبيق منهج (Six Sigma) مكن الشركة من:
-خفض معدلات العيوب
-تحسين اتساق العمليات
-ترسيخ ثقافة نقدية قائمة على الأرقام لا الانطباعات²⁷
وقد مثل النقد هنا أداة تنظيمية لتحويل الجودة إلى ممارسة مؤسسية لا مبادرة مؤقتة.
4- نموذج إخفاق: ضعف النقد ومعايير الجودة في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)
كشفت تحقيقات مستقلة في عدد من مستشفيات الهيئة، ومن أهمها تقرير (Francis Report) حول مستشفى (ميد ستافوردشاير) (Mid Staffordshire) أن ضعف النقد الداخلي، وتجاهل شكاوى العاملين والمرضى، تسببا في تدهور خطير بجودة الرعاية الصحية²⁸.
وأظهرت النتائج أن:
-مؤشرات الأداء كانت تتابع شكليا دون مساءلة نقدية
-التحذيرات المبكرة لم ترفع للإدارة العليا
-ثقافة تحقيق الأهداف طغت على ثقافة الجودة²⁹
ويخلص التقرير إلى أن المشكلة لم تكن نقص الموارد فحسب، بل غياب نقد مؤسسي فعّال يربط الأداء بالمساءلة.
خلاصة المبحث
تحسين جودة الأداء المؤسسي يتطلب نقدا منظما مرتبطا بمعايير واضحة وآليات مساءلة فعالة. فالمؤسسات التي تفرغ النقد من مضمونه القياسي تحول الجودة إلى شعار، بينما التي تؤسسه كعملية مستمرة تحقق تحسينا قابلا للاستدامة.
المبحث الرابع: النقد رافعة للابتكار والتجديد
1-الإطار النظري: النقد شرط للابتكار
تجمع أدبيات الابتكار والتنظيم على أن الابتكار لا ينشأ في بيئات الامتثال الصارم للمسلمات، بل في سياقات تسمح بمراجعة الفرضيات السائدة ونقد النماذج القائمة.
ويؤكد باحثو التنظيم أن السؤال النقدي (لماذا نفعل هذا بهذه الطريقة؟) يمثل نقطة الانطلاق لأي تغيير ابتكاري حقيقي³⁰.
يرى جوزيف شومبيتر أن التجديد الاقتصادي يقوم على قاعدة “الهدم الخلاق”، أي نقد البنى القائمة واستبدالها بأخرى أكثر كفاءة³¹. وفي سياق الإدارة الحديثة، يوضح كلايتون كريستنسن أن فشل المؤسسات الرائدة غالبا لا يعود إلى ضعف الموارد، بل إلى قمع النقد الداخلي الذي يحذر من الاضطرابات التقنية ³².
2-تفكيك المسلمات التنظيمية: تحليل استقرائي
تظهر الدراسات التطبيقية أن المؤسسات المبتكرة تتسم بثلاث خصائص نقدية أساسية:
-تشجيع الاعتراض المنهجي على القرارات
-اختبار الفرضيات عبر تجارب صغيرة
-حماية الأصوات النقدية من العقاب
وهنا تذكر دراسة منشورة في (Organization Science) أن الفرق التي تمارس “الخلاف البناء” تحقق معدلات ابتكار أعلى من الفرق المتجانسة رأيا³³. كما خلصت دراسة نشرت في (Research Policy) إلى أن النقد الداخلي المنظم يزيد من احتمالات تحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتسويق³⁴.
3- نموذج نجاح: النقد والابتكار في شركة آبل
تقدم آبل في الأدبيات الإدارية كنموذج لمؤسسة جعلت النقد الصارم للتصميم والوظيفة جزءا من عملية الابتكار، فثقافتها تشجع على المراجعة النقدية الحادة داخل فرق التطوير، بما في ذلك الطعن في قرارات عليا إذا تعارضت مع تجربة المستخدم³⁵.
ويوضح والتر إيزاكسون في سيرته عن ستيف جوبز، أن جلسات المراجعة في آبل كانت تقوم على نقد مباشر وقاس، لكنه موجه نحو المنتج لا الأشخاص، ما أسهم في تطوير منتجات غيرت أسواقا كاملة³⁶.
وتظهر التجربة أن النقد، حين يضبط بقواعد مهنية، يتحول إلى محرك إبداع لا مصدر صراع.
4- نموذج إخفاق: تجاهل النقد والابتكار في شركة كوداك
على النقيض من آبل، تمثل كوداك نموذجا للفشل المؤسسي، بسبب تجاهل النقد المتعلق بالتحول التقني، وبالرغم من أن مهندسي كوداك طوروا أول كاميرا رقمية عام 1975، إلا أن الإدارة العليا همشت الأصوات النقدية التي حذرت من تهديد التصوير الرقمي لنموذج الأعمال التقليدي³⁷.
تشير دراسات تحليلية منشورة في (Business History Review) إلى أن ثقافة كوداك التنظيمية كانت أسيرة نجاحها السابق، ما أدى إلى رفض نقد النموذج القائم وتأجيل الاستثمار في الابتكار³⁸.
انتهى هذا المسار بإعلان إفلاس الشركة عام 2012، في مثال يدرس اليوم في كليات الإدارة حول مخاطر قمع النقد الابتكاري.
يبين هذا المبحث أن النقد لا يصنع الابتكار تلقائيا، لكنه يخلق الشروط التنظيمية الضرورية له.
خلاصة المبحث
النقد المؤسسي يمثل رافعة أساسية للابتكار والتجديد، لأنه يسمح بتفكيك المسلمات التنظيمية واختبار بدائل جديدة قبل فوات الأوان؛ فالمؤسسات التي تحمي نماذجها من النقد تراكم الجمود، بينما التي تشرعن النقد المنهجي تراكم القدرة على الابتكار.
المبحث الخامس: النقد وبناء القيادات المؤسسية
1-الإطار النظري: القيادة بين السلطة والنقد
فاعلية القائد لا تقاس بقدرته على فرض القرار، بل بقدرته على استقبال النقد وتحويله إلى معرفة تنظيمية، ويشير باحثو الإدارة إلى أن القادة الذين يعزلون أنفسهم عن النقد يواجهون خطر ما يعرف بـ”عمى القيادة” (Leadership Blindness)، حيث تتخذ القرارات في بيئة معلومات ناقصة³⁹.
فالقيادة التكيفية تقوم أساسا على السماح بظهور الأصوات الناقدة، لأن التحديات المعقدة لا يمكن حلها بقرارات فوقية معزولة عن الواقع التنظيمي، بحسب يرى رونالد هايفتز أن⁴⁰،وهو ما يؤيده فيه جون كوتر ، مشيرا إلى أن فشل القيادات غالبا ما يرتبط بإحاطة القائد نفسه بدوائر مغلقة من المؤيدين، مما يضعف القدرة على تصحيح المسار في الوقت المناسب⁴¹.
2- النقد أداة لصناعة القرار القيادي: تحليل استقرائي
تشير دراسات متعددة إلى أن القادة الذين يشجعون النقد داخل فرقهم تتجمع عندهم العديد من نقاط القوة والامتيازات واهمها:
-يحصلون على معلومات أدق
-يتخذون قرارات أقل تحيزا
-يحققون مستويات أعلى من الالتزام التنظيمي
وتظهر دراسة منشورة في مجلة القيادة الفصلية (The Leadership Quarterly) أن تقبل القائد للنقد يرتبط بارتفاع الثقة المتبادلة داخل الفريق، وهو ما ينعكس إيجابا على الأداء الجماعي⁴².
كما خلصت دراسة بجامعة هارفارد إلى أن القادة المنفتحين على النقد أقل عرضة لاتخاذ قرارات استراتيجية خاطئة في البيئات المعقدة⁴³.
3- نموذج نجاح: القيادة النقدية في مايكروسوفت
تمثل تجربة مايكروسوفت تحت قيادة ساتيا ناديلا، نموذجا واضحا على دور النقد في إعادة بناء القيادة المؤسسية، وهنا
تشير دراسات حالة منشورة في مجلة هارفارد للأعمال (Harvard Business Review) إلى أن ناديلا عمل منذ توليه المنصب على:
-تفكيك ثقافة اعرف كل شيء.
-تشجيع ثقافة تعلّم كل شيء.
-إضفاء الشرعية على النقد الصاعد من المستويات الدنيا⁴⁴
وقد انعكس هذا التحول القيادي إلى مستويات عدة من النجاح :
-تحسين التعاون الداخلي
-تسريع الابتكار
-استعادة النمو بعد سنوات من الجمود
تظهر هذه التجربة أن تقبل القائد للنقد لا يضعف سلطته، بل يعيد تعريفها.
4. نموذج إخفاق: رفض النقد في شركة بلاك بيري
تقدم تجربة بلاك بيري في المقابل بالأدبيات الإدارية كنموذج على إخفاق قيادي مرتبط برفض النقد، وتشير دراسات تحليلية إلى أن القيادة العليا للشركة استهانت بالتحذيرات الداخلية حول عدة مظاهر منها:
-تغير سلوك المستخدم
-صعود الهواتف الذكية ذات الشاشات اللمسية
-محدودية النظام التشغيلي للشركة⁴⁵
وقد خلصت دراسة منشورة في مجلة دراسات الإدارة (Journal of Management Studies) إلى أن ثقافة القيادة في بلاك بيري كانت تعاقب النقد الضمني، مما أدى إلى قرارات متأخرة وفقدان الميزة التنافسية⁴⁶.
النقد لا يضعف القيادة، بل يميز القيادة القابلة للتعلم عن القيادة القابلة للانغلاق.
خلاصة المبحث
يخلص هذا المبحث إلى أن النقد يمثل عنصرا بنيويا في بناء القيادات المؤسسية الفعالة.
فالقائد الذي يستقبل النقد ويحوله إلى أداة تعلم يعزز قدرة مؤسسته على التكيف، بينما القائد الذي يرفضه يحد من رؤيته ويعرض مؤسسته لمخاطر استراتيجية جسيمة.
ويمكننا القول أن؛ القيادة الرشيدة لا تبنى على إسكات النقد، بل على تنظيمه واستثماره.
المبحث السادس: النقد آلية للتعلم المستدام
1- من التعلم الفردي إلى التعلم المؤسسي
تعرف أدبيات الإدارة التعلم المؤسسي بأنه: قدرة المنظمة على اكتساب المعرفة من الخبرة، وتخزينها، ونقلها عبر الزمن بما يمنع تكرار الأخطاء ويحسن القرارات المستقبلية، ويعد النقد المنهجي الشرط الأساس لتحويل الخبرة إلى معرفة تنظيمية، لأن التعلم لا يتحقق دون مراجعة نقدية لما حدث ولماذا حدث⁴⁷.
فالمؤسسات التي لا تخضع ممارساتها للنقد تقع في فخ “التعلم الدفاعي”، حيث تبرر الأخطاء بدل تحليلها، فتعاد إنتاجها بصورة أكثر تعقيدا وهو ما خلصت إليه دراسة للباحثين؛ يرى كريس أرجيرس، ودونالد شون ⁴⁸.
ويؤكد جيمس مارش أن الذاكرة المؤسسية تتشكل عبر النقد الموثق لا عبر النجاح وحده، لأن النجاح غالبا ما يساء تفسيره⁴⁹.
2-النقد والتوثيق: الأساس العملي للتعلم المستدام (تحليل استقرائي)
النقد لا يتحول إلى تعلم مؤسسي إلا إذا؛ تم توثيقه بصورة منهجية، ثم يحلل بأدوات واضحة، وأخيرا يتم إدماجه في السياسات والإجراءات، بحسب ما تؤكد عليه جملة من الدراسات التطبيقية.
وهنا نشير إلى دراسة واحدة منها؛ منشورة في دراسات تنظيمية (Organization Studies) تحدثت عن؛ أن المؤسسات التي تعتمد مراجعات ما بعد التنفيذ تقل فيها الأخطاء المتكررة، مقارنة بالمؤسسات التي تكتفي بمعالجة آنية دون توثيق⁵⁰.
وهو ما خلصت إلية دراسة منشورة في مراجعة أكاديمية الإدارة (Academy of Management Review)، من أن النقد غير المدون يضيع بخروج الأفراد، بينما النقد المؤسسي الموثق يتحول إلى أصل تنظيمي دائم⁵¹.
3- نموذج نجاح: التعلم بالنقد في شركة إنتل
وهي أكبر شركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن ان تعتبرها من أهم نماذج توظيف النقد لبناء التعلم المؤسسي.
فقد اعتمدت منذ ثمانينيات القرن الماضي على ثقافة “المواجهة البناءة”، حيث تناقش الإخفاقات التقنية والإدارية بصراحة، وتوثق نتائج النقاش في قواعد معرفة داخلية⁵².
وبحسب أندرو غروف فإن الاجتماعات النقدية في إنتل لم تكن تهدف إلى تحديد المذنب، بل إلى استخلاص الدروس التنظيمية التي تترجم إلى تغييرات في الاستراتيجية أو العمليات⁵³.
هذا النهج الذي اتبعته انتل أسهم؛ بتسريع التعلم من الإخفاقات، وتقليل تكرار الأخطاء، إلى جانب الحفاظ على القدرة التنافسية في سوق شديد التقلب
4. نموذج إخفاق: وكالة ناسا كارثة تشالنجر
كارثة مكوك الفضاء تشالنجر تعد مثالا تاريخيا واضحا على فشل مؤسسة علمية متقدمة في تحويل النقد السابق إلى تعلم مؤسسي، حيث تؤكد تقارير التحقيقات الرسمية أن مهندسين في ناسا، وجهوا انتقادات وتحذيرات متكررة بشأن حلقات العزل (O-rings) التي تسببت بالحادث، إلا أن هذه التحذيرات لم تدمج في الذاكرة المؤسسية ولم تؤد إلى تعديل السياسات⁵⁴.
وقد خلص تشارلز بيرو في تحليله إلى أن؛ المشكلة لم تكن نقص المعرفة، بل فشل المؤسسة في الاستفادة من النقد السابق وتعلمه، ما أدى إلى تكرار الخطأ وانفجار المكوك بعد الإقلاع⁵⁵.
خلاصة المبحث
النقد المؤسسي هو الحلقة الحاسمة في بناء التعلم المستدام؛ فالمؤسسات التي تفشل في توثيق النقد وتحليله تحكم بتكرار أخطائها، بينما التي تنظمه وتراكمه تنتج ذاكرة تنظيمية قادرة على التعلم عبر الزمن، وعليه فإن التعلم المؤسسي لا يقوم على التجربة وحدها، بل على نقد التجربة وتحويلها إلى معرفة قابلة للنقل والتطبيق.
الخلاصة العامة
سعينا من خلال هذا البحث إلى إبراز دور النقد في تحسين عمل المؤسسات، واستندنا في اثبات الفرضية إلى المنهجين الاستقرائي والتاريخي (الاستردادي)، من خلال تحليل أدبيات الإدارة والتنظيم، واستجلاب نماذج مؤسسية واقعية نجحت أو فشلت تبعا لموقفها من النقد.
البحث اثبت أن النقد ليس ممارسة هامشية أو تكميلية في العمل المؤسسي، بل يمثل آلية بنيوية تتقاطع مع مختلف أبعاد الأداء التنظيمي، من تصحيح المسار المبكر، وبناء الشفافية، وتحسين الجودة، وتعزيز الابتكار، وصناعة القيادات، وصولا إلى بناء التعلم المؤسسي المستدام.
كما أظهر التحليل المقارن بين النماذج التاريخية أن المؤسسات التي قمعت النقد مهما بلغت قوتها التقنية أو المالية،تعرضت للجمود أو الانهيار، في حين أن المؤسسات التي شرعنت النقد ونظمته استطاعت التكيف مع التحولات، واستدامة تفوقها في بيئات تنافسية معقدة.
وعليه، يخلص البحث إلى أن النقد لا يهدد استقرار المؤسسات، بل غيابه هو التهديد الحقيقي.
النتائج
توصل البحث إلى جملة من النتائج العلمية، يمكن تلخيصها فيما يأتي:
اولا-النقد المؤسسي يمثل نظام إنذار مبكر؛ فهو يتيح اكتشاف الخلل قبل تحوله إلى أزمة هيكلية ذات كلفة عالية، كما أثبتته نماذج مثل نوكيا مقابل تويوتا.
ثانيا-غياب النقد يرتبط بانخفاض الشفافية وارتفاع مخاطر الفساد؛ إذ أظهرت النماذج التاريخية أن قمع النقد يؤدي إلى احتكار المعلومة والتستر المؤسسي.
ثالثا-تحسين جودة الأداء لا يتحقق دون نقد قائم على معايير؛ فالجودة المؤسسية ترتبط بوجود تغذية راجعة منهجية مرتبطة بمؤشرات أداء واضحة، لا بتقييمات شكلية.
ثالثا- النقد شرط ضروري للابتكار والتجديد؛ إذ لا يمكن تفكيك النماذج التنظيمية المتقادمة دون مساءلتها نقديا، كما ظهر في المقارنة بين شركتي آبل وكوداك.
رابعا-القيادات القابلة للنقد أكثر قدرة على التكيف والاستدامة؛ حيث بينت الدراسة أن تقبل القائد للنقد يعزز جودة القرار ويمنع العمى القيادي.
خامسا-النقد الموثق هو الأساس للتعلم المؤسسي المستدام؛ فالمؤسسات التي لا تحول النقد إلى معرفة تنظيمية تعيد إنتاج أخطائها عبر الزمن.
التوصيات
في ضوء النتائج المتوصل إليها، يوصي البحث بما يأتي:
أ-إضفاء الطابع المؤسسي على النقد؛ من خلال إنشاء قنوات رسمية وآمنة لتقديم الملاحظات النقدية داخل المؤسسات، بعيدا عن الشخصنة أو العقاب.
ب-حماية الأصوات النقدية تنظيميا؛ عبر سياسات واضحة تمنع تهميش أو معاقبة الأفراد بسبب التعبير عن ملاحظات مهنية.
ج-ربط النقد بمعايير أداء قابلة للقياس؛ لضمان تحوله إلى أداة تحسين لا إلى آراء عامة غير ملزمة.
د-تدريب القيادات على إدارة النقد وتقبله؛ بوصف ذلك مهارة قيادية أساسية لا تقل أهمية عن التخطيط واتخاذ القرار.
هـ-توثيق النقد وتحويله إلى ذاكرة مؤسسية؛ من خلال مراجعات ما بعد التنفيذ، وقواعد معرفة تنظيمية تمنع تكرار الأخطاء.
و-ترسيخ ثقافة تنظيمية ترى في النقد قيمة استراتيجية؛ لا تهديدا للهيبة أو السلطة، بل رافعة للتعلم والتجديد والاستدامة.
خاتمة
يؤكد هذا البحث أن المؤسسات لا تنهار لأنها تنتقد، بل لأنها لا تسمع النقد في الوقت المناسب؛ وبين النقد بوصفه تهديدا، والنقد بوصفه أداة بناء، يتحدد مصير المؤسسات في عالم سريع التغير، لا يرحم الجمود ولا يكافئ الصمت.
الهوامش والمراجع
¹ March, J. G., & Simon, H. A., Organizations, Wiley, 1993.
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/book/10.1002/9780470526864
² Chris Argyris, “Teaching Smart People How to Learn”, Harvard Business Review, 1991.
https://hbr.org/1991/05/teaching-smart-people-how-to-learn
³ Peter M. Senge, The Fifth Discipline, Doubleday, 2006.
https://archive.org/details/fifthdiscipline0000seng
⁴ Mintzberg, H., Managing, Berrett-Koehler, 2009.
https://www.berrett-koehler.com/books/managing
⁵ Amy C. Edmondson, The Fearless Organization, Wiley, 2018.
https://www.wiley.com/en-us/The+Fearless+Organization-p-9781119477242
⁶ Detert, J. R., & Burris, E. R., “Leadership Behavior and Employee Voice”, Academy of Management Journal, 2007.
https://journals.aom.org/doi/10.5465/amj.2007.26279183
⁷ Vuori, T., & Huy, Q., “Distributed Attention and Shared Emotions”, Administrative Science Quarterly, 2016.
https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0001839216635257
⁸ Ohno, T., Toyota Production System, Productivity Press, 1988.
https://www.taylorfrancis.com/books/mono/10.4324/9781315138604
⁹ Adler, P. S., “The Learning Bureaucracy”, Organization Science, 1999.
https://pubsonline.informs.org/doi/10.1287/orsc.10.1.43
¹⁰ Jeffrey Liker, The Toyota Way, McGraw-Hill, 2004.
https://www.mheducation.com/highered/product/toyota-way-liker/M9780071392310.html
¹¹ Hood, C., Transparency: The Key to Better Governance?, Oxford University Press, 2006.
https://academic.oup.com/book/3516
¹² Weber, M., Economy and Society, University of California Press, 1978.
https://archive.org/details/economysociety
¹³ Klitgaard, R., Controlling Corruption, University of California Press, 1988.
https://publishing.cdlib.org/ucpressebooks/view?docId=ft3x0nb2z6
¹⁴ Bovens, M., “Analysing and Assessing Accountability”, European Law Journal, 2007.
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/j.1468-0386.2007.00378.x
¹⁵ Treviño, L. K., et al., “Managing Ethics and Legal Compliance”, Journal of Business Ethics, 2003.
https://link.springer.com/article/10.1023/A:1023297011554
¹⁶ Transparency International, Global Corruption Report, 2012.
https://www.transparency.org/en/publications
¹⁷ Cooper, D. J., et al., “Seduction of Accounting”, Accounting, Organizations and Society, 2008.
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0361368207000742
¹⁸ Healy, P. M., & Palepu, K. G., “The Fall of Enron”, Journal of Economic Perspectives, 2003.
https://www.aeaweb.org/articles?id=10.1257/089533003765888403
¹⁹ Porter, M. E., & Kramer, M. R., “Creating Shared Value”, Harvard Business Review, 2011.
https://hbr.org/2011/01/the-big-idea-creating-shared-value
²⁰ Juran, J. M., Juran on Quality by Design, Free Press, 1992.
https://archive.org/details/juranonqualityby0000jura
²¹ Deming, W. E., Out of the Crisis, MIT Press, 1986.
²² Juran, J. M., Quality Control Handbook, McGraw-Hill, 1988.
https://www.mheducation.com/highered/product/juran-quality-control-handbook/M9780070331761.html
²³ Kaplan, R. S., & Norton, D. P., The Balanced Scorecard, Harvard Business School Press, 1996.
https://store.hbr.org/product/the-balanced-scorecard/8759
²⁴ Evans, J. R., “Quality Management and Performance”, Quality Management Journal, 2004.
https://asq.org/quality-management-journal
²⁵ Flynn, B. B., et al., “Quality Management and Competitive Advantage”, Journal of Operations Management, 1995.
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/0272696395000024
²⁶ Pande, P. S., et al., The Six Sigma Way, McGraw-Hill, 2000.
https://www.mheducation.com/highered/product/six-sigma-way/M9780071358064.html
²⁷ Welch, J., “Six Sigma at GE”, Harvard Business Review, 2001.
https://hbr.org/2001/01/how-six-sigma-at-ge
²⁸ Francis, R., Report of the Mid Staffordshire NHS Foundation Trust, 2013.
https://www.gov.uk/government/publications/mid-staffordshire-nhs-ft-public-inquiry-report
²⁹ Dixon-Woods, M., et al., “Culture and Behaviour in the English NHS”, BMJ, 2014.
https://www.bmj.com/content/348/bmj.g1968
³⁰ Tushman, M. L., & O’Reilly, C. A., Winning Through Innovation, Harvard Business School Press, 1997.
https://store.hbr.org/product/winning-through-innovation/8221
³¹ Schumpeter, J. A., Capitalism, Socialism and Democracy, Harper & Brothers, 1942.
https://archive.org/details/capitalismsocia00schu
³² Christensen, C. M., The Innovator’s Dilemma, Harvard Business School Press, 1997.
https://store.hbr.org/product/the-innovator-s-dilemma/6077
³³ Nemeth, C. J., “Differential Contributions of Majority and Minority Influence”, Organization Science, 1995.
https://pubsonline.informs.org/doi/10.1287/orsc.6.3.246
³⁴ Aghion, P., et al., “Competition and Innovation”, Research Policy, 2005.
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0048733305000426
³⁵ Lafley, A. G., & Charan, R., The Game-Changer, Crown Business, 2008.
https://www.penguinrandomhouse.com/books
³⁶ Isaacson, W., Steve Jobs, Simon & Schuster, 2011.
https://www.simonandschuster.com/books/Steve-Jobs/Walter-Isaacson/9781451648539
³⁷ Lucas, H. C., & Goh, J. M., “Disruptive Technology: How Kodak Missed the Digital Photography Revolution”, Journal of Strategic Information Systems, 2009.
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0963868709000203
³⁸ Kahl, S., Strategy for a Turbulent World, Business History Review, 2014.
https://www.cambridge.org/core/journals/business-history-review
³⁹ Kellerman, B., Bad Leadership, Harvard Business School Press, 2004.
https://store.hbr.org/product/bad-leadership/8159
⁴⁰ Heifetz, R. A., Leadership Without Easy Answers, Harvard University Press, 1994.
https://www.hup.harvard.edu/books/9780674518588
⁴¹ Kotter, J. P., Leading Change, Harvard Business School Press, 1996.
https://store.hbr.org/product/leading-change/8252
⁴² Dirks, K. T., & Ferrin, D. L., “Trust in Leadership”, The Leadership Quarterly, 2002.
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1048984302000642
⁴³ Edmondson, A. C., Teaming, Jossey-Bass, 2012.
https://www.wiley.com/en-us/Teaming-p-9780470902392
⁴⁴ Nadella, S., Hit Refresh, Harper Business, 2017.
https://www.harpercollins.com/products/hit-refresh-satya-nadella
⁴⁵ Yoffie, D. B., & Cusumano, M. A., “Strategy Rules”, MIT Sloan Management Review, 2015.
https://sloanreview.mit.edu/article/strategy-rules
⁴⁶ Tripsas, M., & Gavetti, G., “Capabilities, Cognition, and Inertia”, Journal of Management Studies, 2000.
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/1467-6486.00194
⁴⁷ Levitt, B., & March, J. G., “Organizational Learning”, Annual Review of Sociology, 1988.
https://www.annualreviews.org/doi/10.1146/annurev.so.14.080188.002315
⁴⁸ Argyris, C., & Schön, D., Organizational Learning II, Addison-Wesley, 1996.
https://archive.org/details/organizationall0000argi
⁴⁹ March, J. G., “Exploration and Exploitation in Organizational Learning”, Organization Science, 1991.
https://pubsonline.informs.org/doi/10.1287/orsc.2.1.71
⁵⁰ Cacciatori, E., “Learning from Experience”, Organization Studies, 2012.
https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0170840612441630
⁵¹ Walsh, J. P., & Ungson, G. R., “Organizational Memory”, Academy of Management Review, 1991.
https://journals.aom.org/doi/10.5465/amr.1991.4279002
⁵² Grove, A. S., Only the Paranoid Survive, Doubleday, 1996.
https://www.penguinrandomhouse.com/books
⁵³ Grove, A. S., High Output Management, Random House, 1983.
https://archive.org/details/highoutputmanage0000grov
⁵⁴ Rogers Commission, Report of the Space Shuttle Challenger Accident, 1986.
https://www.nasa.gov/history/rogersrep/genindex.htm
⁵⁵ Perrow, C., Normal Accidents, Princeton University Press, 1999.
https://press.princeton.edu/books/paperback/9780691004129/normal-accidents
اقرأ لي كذلك

