كم رمضان صام الرسول صلى الله عليه وسلم؟

السؤال؛ كم رمضان صام الرسول صلى الله عليه وسلم، ليس سؤالا رقميا فحسب، بل مدخل لفهم مرحلة ناضجة من التشريع، و ذروة من ذرى السيرة النبوية.

متى فرض صوم رمضان؟

أجمع المؤرخون وأهل السيرة على أن صوم رمضان فرض في السنة الثانية للهجرة، في شهر شعبان تحديدا، أي بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة؛ واستقرار الدولة الإسلامية الناشئة.

وقد نص على فرضية الصوم قول الله تعالى في سورة البقرة الايمة 183: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام…},

كم رمضان صام الرسول صلى الله عليه وسلم؟

هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة، وفرض الصيام في شعبان من السنة الثانية.

وتوفي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وبناء على ذلك يكون النبي قد صام؛ تسعة رمضانات كاملة، بدءا السنة الثانية للهجرة، وحتى السنة العاشرة للهجرة الشريفة.

ولم يدرك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، رمضان السنة الحادية عشرة؛ إذ انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل دخوله.

رمضان شهر الخيرات

وقد وشهد النبي صلى الله عليه وسلم، اعظم واهم الاحداث في السنوات التسعة التي صام فيها رمضان، وأهمها:

السنة الثانية للهجرة، العام الذي فرض فيه الصوم، وقعت غزوة بدر الكبرى التي كانت انتصارا وفتحا عظيما للاسلام والمسلمين، حتى سماها الله بـ{يوم الفرقان}.

السنة الثالثة للهجرة، حدث استقرار التشريع وتأكيد معاني الجماعة، بعد وقوع غزوة أُحد في شوال، حيث ترسحت الشورى وتعدد الرأي داخل الجماعة، والانضباط والطاعة.
 كما أن هذا العام شهد أحداثا وسرايا متعددة تؤكد انتقال المجتمع من حالة التأسيس إلى حالة بناء جماعة ودولة تواجه تحديات مستمرة. 

السنة الرابعة للهجرة؛ عام ترسيخ الدولة ومواجهة التحديات الداخلية، لم يكن رمضان في العهد المدني شهر عبادة فردية فقط، بل كان يأتي كل عام على مجتمع يتشكل ودولة تتماسك، وصف يمتحن.

فبعد أن فرض صوم رمضان في السنة الثانية للهجرة، صار الشهر يعود على المدينة وهي تخوض مرحلة ترسيخ الدولة: مواثيق تحترم، وقيادة تطاع، ومجتمع يتعلم الانضباط تحت راية واحدة، لكن مع البناء ظهرت التحديات الداخلية؛ كانت المدينة تواجه أخطارا من داخلها كما من خارجها؛ محاولات نقض للعهد من اليهود، وبث للخوف ساعة الشدة من المنافقين، وفتن اجتماعية كادت تعصف بوحدة المجتمع.

السنة الخامسة للهجرة، العام الذي شهد مرحلة الأحزاب وما بعدها، التي كانت أعنف اختبار مر على الدولة الناشئة. 

تحالف الخارج، واضطرب الداخل، وبلغت القلوب الحناجر. لكن المدينة لم تسقط؛ ثبتت، وصبرت، وتماسكت. 

وحين انكشف الحصار، لم يكن الأمر انتصارا عسكريا فحسب، بل ميلاد مرحلة جديدة. 

ما بعد الأحزاب لم تعد الدولة في موقع الدفاع الوجودي، بل بدأت تمسك بزمام المبادرة.

السنة السادسة للهجرة؛ كانت عام ما بعد صلح الحديبية، وهي مرحلة انتقال هادئ لكن عميق في مسار الدولة النبوية، فهي ليست مجرد سنة زمنية، بل نقطة تحول استراتيجية نقلت المسلمين من حالة الاشتباك الدائم إلى مساحة أوسع للحركة والبناء.

لم تعد المدينة تحت ضغط التحالفات العسكرية الكبرى، بل دخلت مرحلة هدوء نسبي أتاح لها أن تبني وتنتشر، ما بدا تنازلا ظاهريا؛ تحول إلى فتح مبين، إذ انفتحت الطرق أمام الدعوة، وتضاعف الداخلون في الإسلام، وبدأت الرسائل تتجه إلى الملوك خارج الجزيرة، وبدأت النفوس تتهيء لفتح أعظم كان يلوح في الأفق؛ إنه فتح مكة.

السنة السابعة و الثامنة للهجرة، شهدت تعاظم الحضور الإسلامي، فبعد الهدنات وانكسار محاولات الاجتثاث خصوصا بعد الأحزاب ثم الحديبية؛ بدأت قبائل كثيرة تفكر في الإسلام بجدية، وصار الدخول في الإسلام أقل كلفة اجتماعية وأمنية مما كان قبل ذلك، وتزايدت الكثافة الإيمانية داخل المدينة التي شهدت تعليم؛ القرآن، والعبادات الجماعية، وشبكات المؤاخاة والتكافل…الخ.

فلم يعد الإسلام صوتا محاصرا، بل صار حقيقة تملأ المجال العام، واتسعت الدائرة، وكثرت الوفود، وتغيرت موازين الهيبة، وصارت المدينة مركز قرار تؤمه القبائل، وحين جاءنا رمضان، جاء على أمة تكبر في العدد والمعنى معا.

رمضان من السنة الثامنة حدث فيه أعظم التحولات؛ فتح مكة. المدينة التي أخرج منها النبي صلى الله عليه وسلم، عاد إليها قائدا مظفرا. 

دخلها خاشعا مطأطئ الرأس، وأعلن الأمان لمن آذوه بالأمس؛ سقطت الأصنام وارتفع الأذان، وتحولت مكة من مركز مقاومة الدعوة إلى قلب الدولة الجديدة، هكذا كان رمضان شهر الخيرات؛ لا يعلم الأمة الصبر فقط بل يريها ثمرة الصبر.

وجاءنا رمضان

 شهر الفتوحات؛ كان استقبال اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مميزا؛ كانوا يستقبلون الشهر بفرح عظيم، لم يكن الصوم عندهم عبئا، بل كان وعدا بالصفاء.

وجاءنا رمضان يدعونا لنكون كالسف في استقباله والابتهاج به، بتتبدل الإيقاعات، ويخفت ضجيج الدنيا، وتعلو همسات الدعاء.

وكان صومه صلى الله عليه وسلم لرمضان عبادة حية لا طقسا جامدا؛ كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان يعتكف العشر الأواخر يلتمس ليلة القدر.

وكانت حياته في رمضان تتسم بثلاث سمات واضحة:

1-التلاوة المكثفة للقرآن؛ فقد كان جبريل يدارسه القرآن كل ليلة.

2-الإنفاق والبذل  حتى شبه جوده بالريح المرسلة.

3-التربية العملية للأمة في الصبر والانضباط والرحمة.

رمضان تجلى وابتسم

ليست عبارة شعرية فقط، بل حقيقة عاشها الجيل الأول؛ فحين يتجلى رمضان على القلوب الطاهرة، يبتسم الإيمان في الصدور.

كان صلى الله عليه وسلم يهيئ أصحابه له ويذكرهم بفضله، ويقول:

{من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه}.

فالصيام عنده صلى الله عليه وسلم لم يكن حرمانا بل تحررا، ولم يكن امتناعا بل ارتقاء.

فرمضان ليس شهرا عابرا في السيرة؛ إنه مدرسة النبوة السنوية، فيه تعلمت الأمة معنى الطاعة الجماعية، وفيه تشربت روح التضحية، وفيه تكرس معنى صوم رمضان عبادة أمة لا عبادة أفراد.

ونحن نستقبل رمضان هذا العام، فلنتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه تسع مرات فقط، لكن كل مرة كانت كاملة الحضور، كاملة النية، كاملة الإخلاص.

عندها فقط سيكون حقا أن نقول: رمضان تجلى وابتسم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top