قراءة في كتاب نابليون والإسلام للمؤرخ الفرنسي لويس بلين

صدر حديثا عن دار نشر  “إريك بونييه” (Éditions Érick Bonnier) الفرنسية، كتاب نابليون والإسلام (Napoléon et l’Islam)، للمؤرخ والباحث لويس بلين (Louis Blin)، وهو مؤرخ مستعرب، أصدر عدة كتب وأبحاث تتناول العلاقات بين الثقافة الغربية -فرنسا خاصة- والعالم العربي والإسلامي، ودراسات تتناول صور العرب والإسلام في الأدب الغربي.

الكتاب لا يقدم سيرة تاريخية مجردة، بل يحاول إعادة قراءة إحدى أكثر الشخصيات تأثيرا في أوروبا من زاوية غير مألوفة من عدة وجوه؛ وعلاقة هذه الشخصية بالإسلام؛ حيث يرى لويس بلين أن نابليون لم يكن مجرد محتل استخدم الدين كوسيلة، بل كان رجلا متأثرا بالإسلام، حتى وإن لم يعتنقه رسميا.

الكتاب قدم معالجة جديدة وجريئة للعلاقة المعقدة بين نابليون والإسلام، حاول الكشف عن جذور انجذاب نابليون نحو الإسلام، ومسارات تداخله الفكري والسياسي مع العالم الإسلامي، متتبعا ذلك من طفولته، مرورا بحملته العسكرية على مصر، وصولا إلى منفاه في “سانت هيلينا”.

يقدم الكاتب نابليون بصورة مزدوجة؛ الأولى صورة القائد العسكري الذي يستعمل الدين كأداة سياسية، والثانية صورة الانسان الذي تأثر فعليا ببعض مبادئ الإسلام، وأعجب بشخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم إعجابا صادقا، وتأثر بتعاليم القرآن.

هذه القراءة رسمت صورة لنابليون هي أقرب للإنسان، بعيدة عن الصورة النمطية المتداولة.

تتمحور الفكرة الرئيسة للكتاب حول محاولة الإجابة عن سؤال رئيسي:

(هل كان احترام نابليون للإسلام مجرد تكتيك سياسي أم ميلا فكريا وروحيا حقيقيا؟)

لويس بلين يجمع بين الوثائق الفرنسية والعثمانية والعربية، ويتتبع الأقوال والمواقف المنسوبة إلى نابليون، ليقدم قراءة جديدة تتحدى الرؤية التقليدية، ويسلط الضوء على:

– تأثر نابليون المبكر بالإسلام عبر قراءاته له.

– استخدامه خطابا ذي بعد اسلامي أثناء وجوده في مصر.

– محاولاته إقامة تحالفات مع زعماء مسلمين ضد البريطانيين.

– حديثه المتواصل بإيجابية عن الإسلام حتى وهو في منفاه.

الكتاب مكون من تسع فصول عرض فيها

نابليون النشأة والقراءات الأولى – الفصل الأول

  • يعرض فيه كيف تكونت شخصية نابليون في بيئة أوروبية متوترة تجاه الشرق من جهة، ومن جهة ثانية تأثره بكتب عربية مترجمة كانت رائجة في ذلك الزمان؛ ويشير الكاتب إشارة واضحة إلى إعجابه بالنظام الأخلاقي في الإسلام، وبالشخصيات الشرقية عموما

صورة الإسلام في أوروبا قبل الحملة على مصر – الفصل الثاني

قدم الكاتب صورة الإسلام النمطية في الغرب، وكيف كان ينظر إليه على أنه دين العدو، ومع ذلك وجد نابليون نفسه منجذبا إليه خلافا للتيار الثقافي السائد.

الحملة الفرنسية على مصر واستخدام الدين كأداة سلطة – الفصل الثالث

يحلل الكاتب أشهر لحظة في علاقة نابليون بالإسلام، من خلال مخاطبته المصريين بصفته (صديق المسلمين) واعلانه المتكرر عن (احترامه للنبي صلى الله عليه وسلم)، واستخدامه لغة دينية في المنشورات الرسمية لكسب ثقة العلماء والشعب.

علاقته بالعلماء والقيادات الدينية – الفصل الرابع

يستعرض هذا الفصل كيفية تعامل نابليون مع الأزهر، وتقديره للعقلية العلمية لدى العلماء، وتوظيفه للدين في ضبط المجتمع المصري، و حديثه الخاص عن إعجابه بروح الإسلام التنظيمية.

اقتباسات نابليون الدينية بين الدعاية والقناعة – الفصل الخامس

يرى الكاتب أن هناك فرقا بين الخطاب الرسمي لنابليون، والاقتباسات التي عرفت عنه في أقواله ومراسلاته، ويرى أن بعضها كان صادقا بالفعل، خصوصا ما ذكره نابليون في سنوات حياته الأخيرة.

التناقض الأخلاقي والإعجاب مقابل العنف – الفصل السادس

يعرض الكاتب التناقض الصارخ بين إعجاب نابليون بالإسلام وقيمه، وبين أفعاله العسكرية القاسية في الشرق، مثل إعدام الأسرى في يافا، ويرد ذلك إلى التناقض في شخصية نابليون وطبيعته المركبة، ولا يعد ذلك نفاقا منه.

مشروع التحالف مع العالم الإسلامي – الفصل السابع

هنا يتوقف بلين عند محاول نابليون التواصل مع الشريف في مكة بعض زعماء الشرق بهدف خلق تحالف استراتيجي لمواجهة النفوذ البريطاني.

نابليون في منفاه تأملات أخيرة – الفصل الثامن

يعرض فيه الكاتب شهادات من منفى نابليون في “سانت هيلينا” تثبت أنه استمر بحديثه الإيجابي عن الاسلام، معتبرا أنه “دين أكثر عقلانية وأقل عبثية” من المسيحية.

تحليل ماذا كان يريد نابليون؟ – الفصل التاسع

يختتم المؤلف الكتاب بالفصل الأخير، مقدما تفسيره النهائي؛ يخلص الى أن ميل نابليون للإسلام كان مزيجا من الإعجاب الحقيقي ببعض مبادئه، مع براغماتية سياسية واضحة، وطموح إمبراطوري يريد بناء قاعدة شرقية تدعمه.

أبرز الأقوال التي وردت في الكتاب ونسبها الكتاب لنابليون

-أحب الإسلام، أبجل النبي، أحترم القرآن.

-دين محمد هو الأجمل.

-أحب دين محمد أكثر  انه أقل سخفا من ديننا.

-لو كنت سأعتنق دينا لكان الإسلام هو الأقرب إلى عقلي. (من أقواله في المنفى).

ختاما:

الكتاب يفتح بابا لنقاش جديد حول؛ كيف ترى أوروبا الإسلام تاريخيا؟، لماذا حاولت تجاهل الجانب الإيجابي من علاقة نابليون بالإسلام؟، وهل كانت الحملة الفرنسية مجرد استعمار أم خطوة ضمن مشروع أوسع لرجل أراد أن يترك أثرا في الشرق كما في الغرب؟.

نبذة عن المؤلف

  • Louis Blin  مؤرخ ومستعرب (historien et arabisant) متخصص في العالم العربي والإسلام.
  •  عمل في السلك الدبلوماسي، وخلال مسيرته عاش في عدد من الدول العربية.
  • أصدر عدة كتب وأبحاث تتناول العلاقات بين الثقافة الغربية (بفرنسا خاصة) والعالم العربي/الإسلامي، من بينها أعمال عن Victor Hugo، Alphonse de Lamartine.
  • له دراسات تتناول صور العرب والإسلام في الأدب الغربي كتب خمسة عشر كتابًا في هذا المجال.
  • يعمل حاليا كباحث في مؤسسة (Institut universitaire européen de Florence) البحثية الأوروبية في فلورنسا.

شاهد مقابلة اجراها الكاتب حول موضوع الكتاب

Scroll to Top