قبول النقد بالهدي النبوي حتى عند تجاوز الناقد حدوده

تكشف حادثة صلح الحديبية عن بعد عميق في المنهج النبوي في إدارة النقد يتجاوز مجرد قبول الرأي المخالف، إلى احتواء الاعتراض حتى عندما يكون في صيغة حادة أو يتجاوز الناقد فيها حد الادب التنظيمي.

فقد اعترض عمر بن الخطاب على بنود الصلح اعتراضا مباشرا، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (الست نبي الله حقا؟) ثم قال: (اليسوا على باطل ونحن على حق؟) ثم قال: (فلم نعطي الدنية في ديننا؟) (38) وهو تعبير يحمل في بنيته اتهاما ضمنيا بالقبول بالهوان!!!، ويكشف عن مستوى عال من التوتر النفسي والاحتجاج الداخلي.

من منظور تحليلي مؤسسي، يمثل هذا الاعتراض تجاوزا لحدود الدور الوظيفي للتابع، وخرقا لما يسمى في التنظيمات الحديثة بـ”سلسلة القرار”(39). ومع ذلك، لم يتعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الاعتراض بوصفه تمردا، ولا بوصفه خروجا على الطاعة، ولا بوصفه تهديدا للهيبة القيادية، بل أجاب بهدوء: (انا رسول الله ولن يضيعني)، دون توبيخ، ودون تخوين، ودون تقليل من مكانة المعترض.

والأهم من ذلك أن عمر، رغم عدم اقتناعه بالجواب، انتقل مباشرة الى ابي بكر وكرر عليه الاعتراض نفسه بنفس الصيغة: (فلم نعطي الدنية في ديننا؟) وهو ما يعني أن حالة الاعتراض لم تكن لحظة عابرة، بل موقفا داخليا غير محسوم ومع ذلك لم يعامل ابو بكر هذا السلوك بوصفه انشقاقا ولا بوصفه تهديدا للكيان، بل كرر الجواب نفسه.. ثم شد على عمر بعبارة تنظيمية واضحة: (الزم غرسك)، أي التزم بالموقف القيادي ولا تخرج عن الصف.

الدلالة البنيوية هنا شديدة الاهمية:

نحن امام نموذج قيادي يجمع بين ثلاث خصائص نادرة:

1-سعة صدر للاعتراض حتى عندما يكون في صيغة حادة.

2-ثبات على القرار دون الدخول في صراع شخصي مع المعترض.

3-عدم معاقبة المعترض لاحقا أو اسقاطه من المكانة التنظيمية.

فالواقع التاريخي يثبت أن عمر لم يفقد مكانته عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الحادثة، بل بقي مستشارا مقربا، وركنا أساسيا في الدولة، ثم كان الخليفة من بعده، وهذا يعني أن الاعتراض – حتى عندما يكون غير صائب – لم يتحول الى وصمة تنظيمية، ولم يسجل في ملف الرجل بوصفه عنصر قلق او متمرد.

وهذا يعطينا قاعدة ادارية شديدة العمق؛ ان القيادة النبوية تميز بين؛ خطأ الرأي، ونية صاحبه، وموقعه في المنظومة، ولا تخلط بينها خلطا عاطفيا.

وهذا بالضبط ما تغفله كثير من الحركات والمؤسسات الاسلامية المعاصرة، حيث يجري تحويل النقد – حتى إذا كان محقا – الى تشكيك في الولاء، طعن في الصف، خروج على الطاعة، تهديد للهيبة، ثم يبنى على ذلك:

-الإقصاء من المسؤوليات

-العزل التنظيمي

-تجفيف الادوار

-اخراج الناقد من دوائر التأثير

وهو سلوك معاكس تماما للمنهج النبوي.

فالإشكالية في كثير من البنى الإسلامية المعاصرة ليست فقط في رفض النقد، بل في تجريم الناقد، وتحويله من فاعل اصلاح الى عبء تنظيمي، بينما النموذج النبوي يقدم صورة مغايرة جذريا:

-اعتراض حاد لا يهدم المكانة

-سؤال جريء لا يلغي الثقة

-خلاف داخلي لا ينتج قطيعة

ومن منظور علم التنظيم، يمكن تصنيف هذا السلوك القيادي ضمن ما يسمى اليوم بـ”احتواء التوتر التنظيمي  (Organizational Tension Containment) حيث يتم امتصاص الصدمة الداخلية دون تفكيك البنية ولا كسر الأفراد.

التحليل البنيوي هنا يقودنا الى نتيجة خطيرة:

ان اغلب ازمات التفكك داخل الحركات الاسلامية ليست بسبب النقد ذاته؛ بل بسبب طريقة التعامل مع النقد، فالناقد لا يخرج في الغالب لانه يريد الهدم، بل لأنه لم يجد قناة آمنة للتعبير، ولم يجد قيادة تحتمل التوتر، ولم يجد بيئة تفصل بين الرأي وصاحبه؛ والنموذج النبوي في الحديبية يقدم درسا اداريا عميقا:

-القائد الواثق لا يخاف السؤال

-القائد الراشد لا يعاقب على الاعتراض

-القائد المأمون لا يخلط بين النقد والعداء

وهذا درس لم نستوعبه بعد.

ملاحظة
هذا المقال مستل من دراسة اعمل عليها (المنظور الإسلامي للنقد والمراجعات) وهي الجزء الثاني من دراستي التي نشرت تحت عنوان: *(كيف يساهم النقد في تحسين عمل المؤسسات؟) يمكن الاطلاع على الجزء الاول من الدراسة من خلال الرابط أدناه:

رابط الدراسة كاملة:
https://mohammadsadk.com/كيف-يساهم-النقد-في-تحسين-عمل-المؤسسات؟/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top