ما تقوم به الحركة الإسلامية على أرض الواقع من عمل، ما هو الا جهد بشري كُتب عليه قَدَرياً ان لا يكون كاملاً، لأن القدير سبحانه جعل الكمال المطلق حصرياً لذاته العلية، وعليه فإن النقد والمراجعة من أهم مسببات الاستدراك على النقص في الممارسة البشرية، وهو سبيلها الوحيد للدنو من درجات الكمال والجمال.
ورغم أن أدبيات الحركة الإسلامية تقر بهذه الخاصية البشرية للعمل، إلا أن ذلك لا يترجم إلى ممارسة في مفاصل المؤسسات الدعوية، فنجد أن السياسات والرؤى والممارسات والأشخاص الذين يقرونها ويمارسونها يمنحون حصانة الشرع ذاته الذي تعمل الحركة على إقرار مرجعيته لإصلاح الحياة، ويصل الأمر في بعض الأقطار والجماعات إلى منح بعض الشخصيات القيادية المتصدرة حصانة مطلقة؛ يُعد أي منتقد لها أياً كان أسلوبه في النقد مارقاً خارجاً على الثوابت، وفي الغالب يحال الخطاب من نقاش أفكاره وطروحاته، إلى نقاش شخصه والتشكيك في نواياه، وقد يصل الأمر إلى توجيه التهم له بالعمل لجهات تعادي الحركة الإسلامية، إن لم تفلح تهم اتباع الهوى ووجود الأغراض الشخصية لديه.
نماذج تم إقصائها
وإذا ما عدنا إلى التاريخ القريب للحركة الإسلامية فسنجد شخصيات ذات وزن علمي وأكاديمي وثقافي كبير، ينظر إليها على أنها تقف في خندق العداء للمشروع الإسلامي برمته؛ فقط لأنها مارست عملية النقد للمنهجيات والأشخاص ولتاريخ الحركة.
ومن هذه النماذج على سبيل المثال لا الحصر، شخصية الدكتور عبدالله النفيسي، الذي يعد من أكثر الشخصيات التي مارست النقد لعمل الحركة الإسلامية، وبات خارجها بسبب ذلك، ولعلك اذا ما جالست اخوان الكويت الذين كان واحداً منهم؛ تسمع منهم الكثير مما يقال عن الشخص لا عن الأفكار.
وقد أدرك النفيسي هذه الحقيقة وهو يمارس عمله النقدي، فيجد القارئ لكتابه (الحركة الإسلامية ثغرات في الطريق) نَفَس الكاتب المتوّجس من التهم التي قد تلاحقه، لذلك أكد في أكثر من موضع أنه يمارس نقداً ذاتياً، في تأكيد منه على انتمائه للمشروع الإسلامي وعدم اصطفافه في الخندق المعادي، وهي تهمة يواجه بها كل منتقد.
وفي هذا السياق يقول في ص15 من كتابه:
(ما نذكره عن ثغرات في عمل الحركة الإسلامية لا يعني أننا ننفي عنها الإيجابيات والمنجزات، ولكن ما نود أن نؤكده هو أن الحديث عن الأخيرة؛ لا يورث سوى مزيد من الرخاوة والتواكل وقد أصابنا من ذلك الكثير، بينما التنبيه للثغرات ربما يحرك يقظة مطلوبة وخطوات أشد طلباً نحو التصحيح والتقويم).
ورغم ذلك نجد النفيسي اليوم مصنفاً على أنه مارق عن المشروع الإسلامي، ونفس الامر يمكن أن يقال عن محمد بن مختار الشنقيطي، الذي وطن نفسه على ممارسة النقد الموضوعي للحركة الإسلامية في مؤلفاته ومقالاته.
ولو أردنا أن نذكر النماذج والاسماء المعروفة التي لم يحتفى بنقدها، واتهمت في نواياها ومقاصدها لطال بنا المقال طولاً مملاً، ولعل عديد المنتقدين غير المعروفين من داخل الصف يعد بالآلاف في تاريخ الحركة، وقد أصابهم جميعاً أصناف وأشكال من الاتهامات والتهميش، لغياب ثقافة النقد وتقبله في المشروع الإسلامي.
تعامل النبي مع المنتقدين
ولو عدنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لوجدناه متقبلاً للنقد، يشهد على ذلك عشرات الحوادث والمواضع، ولعل أبرزها ما حدث من معارضة في صلح الحديبية فقد كانت بعض بنود صلح الحديبية تبدوا وكأنها “مجحفة”، فاعترض الصحابة عليها، وبلغ اعتراضهم إلى درجة ان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بان يحلقوا ويذبحوا هديهم فرفضوا في الحادثة الشهيرة.
بل إن عمر بن الخطاب تزعم تلك المعارضة، وذهب الى نبيه صلى الله عليه وسلم معترضاً بقوله (علام نعطي الدنية في ديننا) ولما رد عليه النبي الرد المعروف، خرج وهو غير مقتنع ميمماً وجهه صوب ابي بكر فرد عليه بمارد النبي، ثم عنفه بقوله (الزم غرسك يا عمر).
الشاهد؛ أن عمر بقي في ذات المكانة والقرب من نبيه صلى الله عليه وسلم، رغم ما بدر منه مما قد يُفهم ان تجاوز لمقام القائد، ولم يواجه بالإقصاء أو التشكيك او الابعاد عن مركز صناعة القرار، فهل تأخذ قيادات العمل الإسلامي بالهدى النبوي في التعامل مع المنتقدين؟.