غانم حمودات الداعية العراقي الملهم الذي توقد سيرته الهمم

تربوي عراقي فذ، وأستاذ ومربي فاضل، غانم سعد الله عبد الله حمودات، ولد عام 1926 في مدينة الموصل شمال العراق، وتوفي فيها عام 2012.

غدا مضرب الأمثال في الدعوة إلى الله خلال سنوات حياته الطويلة، بسبب الأثر الذي تركه في تربية الأجيال وترسيخ روح الإسلام فيهم، خلال الفترات العصيبة التي عاشها العراق، والتي بدأت بفتنة الشيوعية الكاسحة، ومرت بفترة العلمانية البعثية الجارفة، وانتهت باحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، عاش تلك الحقب ثابتاً على خط الدعوة وفي كل مرحلة كان له دور حسب سنه وموقعه في المؤسسة الدعوية.

وهو واحد من مؤسسي دعوة الإخوان المسلمين في العراق، شارك في التأسيس مع الشيخ الداعية محمد محمود الصواف، وشغل لاحقا موقع رئاسة مجلس شورى فرع الموصل.

شيخ دعاة الموصل مواقف وذكريات

أجمل من كتب في سيرة حمودات رحمه الله، العالم الموصلي الشيخ إبراهيم النعمة، في كتاب حمل عنوان (شيخ دعاة الموصل مواقف وذكريات) الذي جاء في 200 صفحة من القطع المتوسط، وقد صدر في توقيت مهم وحساس من عمر العمل الدعوي العراقي، فالساحة العراقية كانت ولازالت تعج بالفتن، ولم تسلم الدعوة من هذه الفتن، ولعل ابرز تلك الفتن تلو صورة الدعوة بسبب مقتضيات العمل السياسي، والاثمان الباهظة التي تدفعها الدعوة نتيجة مشاركتها فيه.

حمل الكتاب بالضغط هنا 👉

مرابط على خط الدعوة

يقدم لنا الراحل حمودات رحمه الله، نموذجاً للمرابط على خط الدعوة، فهو مذ بايع الاستاذ الصواف بعد قدومه إلى الموصل موفداً من الإمام البنا عام 1947، وحتى وفاته عام 2012 لم يحيل نفسه على التقاعد، ويتكئ على ما قدمه لربه ودينه ودعوته، بل بقي مرابطاً متقلباً مع الحركة في شتى أوضاعها ومحنها وأفراحها وأتراحها، فمن نجاته من مصير السحل بأعجوبة ربانية على يد الشيوعيين في ثورة الشواف، مروراً بحكمين بالإعدام نجاه الله منهما، وذاق في أسرهما التعذيب الذي تنوء بحمله الجبال، وحتى ظهور العمل بشكله المعلن عام 2003، لم يزل الشيخ الذي نحت الزمن في جسده أخاديد التقدم السن؛ مرابطاً ملهماً للأجيال.

وأنا من أبناء الموصل ومساجدها، أعرف الأستاذ رحمه الله حيث كنا نتابع محاضراته الحماسية في المساجد ونأخذ الشباب إليها، وقد زارنا في جامع الشهيد محمد نوري في حي الرفاعي مطلع تسعينات القرن الماضي، وغص لحضوره المسجد والباحات، لما له من أثر عميق في نفوس الناس عوامهم وخواصهم.

ورغم كوني من جيل أحفاده وكنت أعرفه ولا يعرفني، لما رجعت إلى الموصل من المنفى عام 2003، وساهمت مع إخواني في تأسيس الحزب الإسلامي، كان حين يراني رحمه الله، يتعامل معي تعاملاً يشعرني به أنه يعرفني منذ زمن بعيد، ويجعلني أشعر في قرارة نفسي أني شخص مهم ولست داعية من الصفوف الخلفية والأجيال المتأخرة، ويبادلني أحاديث هموم الدعوة كأننا الأنداد، -وشتان بين الثرى والثريا-، ولكن اتصور أن فقه الرجل ووعيه بفن التعامل مع النفوس، يضاف إلى ذلك تواضعه المشهود له، هو دافعه ليكون بمثل هذه البساطة والانبساط مع أمثالي، حتى يوقد في النفوس الههم، وقد كان ذلك فعلاً.

ومن عجائب هذا الشيخ المتكئ على عصاه، أنه كان يزور مقر الحزب الإسلامي الذي كنت مكلف فيه بملف العمل الإعلامي؛ فيبذل النصح، ويلقي الكلمات والخطب الحماسية، يشعرك تماماً أن القضية قضيته، والهم همه، والدعوة دعوته، ليس مهماً كم بلغ من العمر، ولا أين موقعه في التسلسل التنظيمي، ولا أنه قدم وأوصل الرسالة وآن له أن يستريح، فكل أعمال الأرض نهايتها إلى التقاعد إلا مهنة الداعية، فهو يحمل القضية معه إلى قبره، مهموماً بقضاياها وهمومها.

الخاتمة توفيق أم تخطيط؟

ولعل هذا الرباط الذي لازم الرجل، من توفيق الله له وحسن الخاتمة الذي تتطلع له أنفسنا، ويراودني هذا السؤال دائما، هل بلوغ حسن الخاتمة توفيق وتقدير إلاهي محض، بحيث أننا نكرس له دعواتنا ليلاً ونهاراً، فننتظر وقوعه كانتظارنا لهطول المطر، أم أنه تخطيط يتخذ فيه المرء السبل حتى يصل إليه؟ أتساءل في نفسي؛ لماذا نخطط لمشاريعنا المالية والاجتماعية والدنيوية عامة، ولا نخطط لمشاريعنا الأخروية، والخاتمة من أهم تلك المشاريع، أحيناً أنظر إلى الوراء فأجد في بعض سني عمري عمل ونشاط، وأنظر في حالي اليوم فأجدني قاعداً في بطالة دعوية، فأسل نفسي؛ إذا ختم الله تعالى لي على ما أنا عليه، فهل سيبعثني على هذا الحال البائس أم على سني الهمة تلك؟، وهل تشفع البداية المتقدة للنهاية الخاملة؟!.

فأجدني وأنا أقرأ سيرة الاستاذ غانم حمودات على قناعة تامة، أن الخاتمة بعد توفيق الله، والدعاء وطلب المدد منه تأتي بالتخطيط والتدبير، وأن يتخذ المرء لنفسه خطة حركة دؤوب يلقى الله تعالى بعدها وهو على خط الرباط.

وأجد في سيرة الأحياء من أساتذتي الدعاة حفظهم الله؛ أمثال الدكتور أسامة التكريتي، والدكتور ليث سعود، وغيرهم مثالاً حياً على أهمية أن يخطط المرء لخاتمته، وأن يكون مثل هؤلاء الذين شاخوا بالدعوة وهم لايزالون في الصف الأول كلما دعا داعي النفير؛ لاجتماع أو مؤتمر أو ندوة أو تبرع، يسابقون الشباب في الحضور والمشاركة، مرابطين على خط الصبر.

ختاما

فإن دعوتنا قدمت لنا نماذج فذة من نماذج التضحية والفداء والثبات، وفي العراق غانم حمودات نموذجاً، رحمه الله وغفر له ورفع درجته في الصديقين، فنشهد له أنه أدى ما عليه، وأقام الحجة علينا اليوم إذ وضع الشيخ إبراهيم النعمة سيرته العطرة بين أيدينا، ويقول عنه أنه زاره في مرض وفاته فوجده يقرأ في أحد كتب الدعوة، لم ينسى رحمه الله وهو على فراش الموت أن واجب الداعية أن لا يتوقف عن الرقي بنفسه ومعارفه حتى لو أدركته النهاية.   

Scroll to Top