وقفت عند قول الله تعالى في سورة النساء {مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ} 123، فأذهلتني القاعدة القرآنية التي في الآية، حيث تقر بحتمية الجزاء على السيئة كأمر واقع لا محالة
فحين يستدرجنا الشيطان أو أنفسنا الأمارة بالسوء، ونقع في الخطايا ونرتكب السوء، علينا أن نكون على يقين تام جازم أن الجزاء على ذلك واقع.
ولكن؛ كيف نوفق بين هذه القاعدة، ومفهوم الرحمة والمغفرة والعفو الثابتة في نصوص الكتاب والسنة، بل إن فيهما نصوصا تجعل المؤمل المتأمل يعيش في دعة الاطمئنان، كما هو حالنا في الغالب!، فواسع رحمة الله شاملة الكون كله في الدنيا والآخرة، ومن نفحاتها ستدركنا نسمات لا محالة، وهي من أعظم الأسباب التي تجعلنا نعيش في اطمئنان ونحن نتعامل مع الله، وهو الأمر الذي لم يكن متحققا في السلف!.
فك الالتباس
وإن بدا في الامر تضاد ظاهري، إلا أن فهم الأمر على وجهه الصحيح يفك الالتباس، مع العلم ان هذا الالتباس وقع للصحابة الكرام عند نزول الآية، فلم يجدوا بدا من الرجوع للنبي صلى الله عليه وسلم للاستيضاح والفهم، والتعمق في فقه التعامل مع الله تعالى؛ بعد معرفته الذي هو أصل الدين.
فحاورت أم المؤمنين عائشة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بهذا الامر، فقالت:
قلت: يا رسول الله، ما من أحد إلا عمل سوءا، وإن هذه الآية تقول: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة، أما علمت أن المؤمن يصاب بذنبه في الدنيا؟ فيكفر عنه).
قالت: فما رأيت بعد شيئا كان أقر لعيني من هذه الآية. رواه مسلم في كتاب الإيمان.
وهو ذات الالتباس وقع عند أبيها رضي الله عنهما، يقول:
لما نزلت الآية قلت: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فما منا من أحد إلا عمل سوءا؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(يا أبا بكر، ألست تصاب؟ ألست تغتم؟ ألست تُحصَب؟ ألست تُنصَب؟) قال: قلت: بلى يا رسول الله.
قال صلى الله عليه وسلم: (فهو ما تجزون). رواه أحمد في المسند، وصححه الألباني.
نستنتج مما تقدم؛ أن ما يملأ قلوبنا بالاطمئنان، رغم أننا نقترف السيئات بالليل والنهار، هو تعويلنا على رحمة الله الواسعة بعد التوبة، وهذا لا يعني أن السيئات التي أحلناها الى مكبات النسيان ستعفى من الجزاء العادل، بل على العكس من أخطأ منا عليه أن يكون مستعدا لنيل جزاءه من الله طال الزمان أو قصر، ولا ينجي أحدنا من الله إلا عدم وقوعه في السوء.
أما بخصوص رحمة الله التي وسعت السماوات والأرض، فهي واقعة كما دلت النصوص، ولكن لا على الوجه الذي نتوهمه ونريده ونتمناه، بأن يصبح الذنب بحكم العدم وكأنه لم يكن! بل على الوجه الذي يحقق العدالة الإلهية في الجزاء والمآل.
فمغفرته ورحمته جل جلاله واسعة تقع؛ ويتجسد وقوعها من خلال الجزاء على السيئة في الدنيا، بدل الجزاء عليها في الآخرة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (ألست تصاب؟ ألست تغتم؟ ألست تُحصَب؟ ألست تُنصَب)، وهو ما نجده في حيواتنا على امتداد العمر، من المصائب والبلايا والامراض والاوجاع، وقد تتجسد بضيق في الرزق، وتعسر في المعاش والمعاملات، وشيء من الكآبة والحزن، او في أخلاق العيال ومناكفة الزوج…الخ.
ولعل من أكثر الأسئلة التي تتردد في جنبات نفوسنا حين نستقبل المصائب، أو تحيط بنا الأزمات وتؤرقنا الأمراض؛ ماذا فعلت حتى استحق هذا؟.
ولعلي أجد في القرآن الجواب الشافي بقوله تعالى: (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، فطبيعتنا البشرية القائمة على النسيان والتناسي والتغافل، تجعلنا ننسى مع الزمن ما جنت أيدينا من سوء، يشجعنا على ذلك واسع رحمة الرحمن الرحيم، فننسى ما اجترحنا من السيئات وتبنا عنه، لكن الله تعالى أحصاه، وإن قبل توبتنا فيه أوقع علينا الجزاء في الزمان والمكان الذي يختاره بحكمته، فقد يأتي الجزاء على سيئة بعد أربعين سنة أو خمسين، يكون فيها العبد قد نسي ما اقترف، لكن الله لم ينسى، ومن رحمته انه يطهر عبده قبل ان يفارق الدنيا.
فهم السلف للقاعدة
حين راجعت حال السلف وجدت احاطة منهم بهذه القاعدة، وجدت أنهم كانوا على وجل وخوف دائم من ذنوبهم، وأكثرهم لم يفارق الدنيا مطمئن النفس مرتاح البال، رغم أن لبعضهم بلاء عظيم في الإسلام.
وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ حين طعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحمل الى بيته نازفا وتيقن أن الموت واقع به قال:
(لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه)، كما ورد في فتح الباري شرح البخاري عن المسور بن مخرمة، وكان في المجلس عبد الله بن عباس فقال له يهون عليه: (يا أمير المؤمنين، ولا كل ذلك؟ لقد صحبت رسول الله ثم فارقته، ثم صحبت أبي بكر ثم فارقته، ثم صحبت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون).
وكان أبو عبيدة أمين الأمة -كما لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول:
(وما يدري أحد ما هو صانع الله به؟! والله لو عملت أعمالا كالجبال لخشيت ألا تنجو من الذنوب). رواه ابن المبارك في الزهد بإسناد حسن
وفقه ابن مسعود للذنب يذهب بذات الاتجاه في قوله:
(إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا). رواه البخاري تعليقاً.
ونقل الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن البصري قوله:
(إني لأذنب الذنب فإني أعرف ذلك في خلقي ومركبي وزوجتي).
ونقل عن مالك بن دينار قوله:
(ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما أصابته إلا بذنب).
فهم من مشكاة النبوة
هذا الفهم الدقيق لم يأتي من الفراغ، بل جاء قبسا من مشكاة النبوة، إذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم، معززا معنى الآية ومقصدها:
(وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ)
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ).
قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).
وفيهما كذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
(ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حَزَنٍ، حتى الشوكة يُشاكُها، إلا كفّر الله بها من خطاياه). وفيه إشارة واضحة إلى ان للذنب مخرجات واقعة لا محالة.
الخلاصة
الله تعالى لا يظلم أحدا من عباده مثقال ذرة؛ ومن عمل سوءا جزي به، مصداقا لقول الله تعالى:
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).
حتى لو تحقق معنى الإيمان الراسخ في قلب الإنسان، وعلى قدره في منازل السير إلى الله، وكان بفضل الله من أهل الجنة، فإنه لا يدخلها حتى يُطَيب من كل ذنوبه، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة في سورة الزمر:
(وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)، قال ابن عباس: (طبتم: طهرتم من الذنوب).
فمغفرة الله لا تعني عدم وقوع العقوبة والجزاء على السوء، بل تعني تخفيفا من شكلها وزمانها ومكانها.
وقد أفاض ابن القيم الجوزية رحمه الله في هذا المعنى، بالعديد من مؤلفاته، ومما قاله في المدارج كلام يشي عن فهم دقيق وعميق:
(لأهل الذنوب ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا؛ فإن لم تف بطهرهم طهروا في نهر الجحيم يوم القيامة، نهر التوبة النصوح، ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها، ونهر المصائب العظيمة المكفرة؛ فإذا أراد الله بعبد خيرا أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة، فورد القيامة طيبا طاهرا فلم يحتج إلى النهر الرابع). مدارج السالكين (جـ1، صـ446-447 ط. دار ابن الجوزي)
وهنا أمر مهم للغاية، هو أن عملية التطهير من الذنوب لا تتوقف إلى آخر لحظة في مسير الإنسان إلى الله، حتى بعد عبور الصراط، وصدور الاحكام النهائية، أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة، تبقى بعض الذنوب عالقة في أهداب بعض من جاز الصراط وفاز بالجنة، فلا يدخلونها حتى يطيبو بحسب التعبير القرآني (طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا)، وهذه الذنوب الباقية تتعلق بحقوق العباد، فقد تكفل الله بتفكير ذنوب التائبين بالعقوبات المختلفة في الدنيا او القبر او يوم الحشر، وهي الذنوب المتعلقة بحقوقه هو سبحانه جل شأنه، لكنه تعالى ربط العفو عن الذنوب المتعلقة بحقوق الخلق بمسامحتهم وقبول عفوهم شرطا، يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (الذنوب المتعلقة بحقوق العباد لا يغفرها الله إلا برضا صاحب الحق، بخلاف الذنوب التي بين العبد وربه).
وقد يجتاز الصرط أقوام قضى الله لهم الباري عز وجل بالجنة، ولكن في أعناقهم حقوق لآخرين من إخوانهم الذين معهم، فيحجزهم الله تعالى في بقعة بين الجنة والنار، لأمد يعلمه هو سبحانه، ثم يتركهم يتقاصون بينهم، كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري:
(إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم، حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة).
فالحقوق بين العباد لا تسقط حتى لو غفر الله ذنوبهم، وكان جزاؤهم الجنة، لأن الجنة دار صفاء، ولا يدخلها من في قلبه ضغينة أو مظلمة، قال ابن القيم في طريق الهجرتين: (إذا كان قلب المؤمن لا يصفو لدخول الجنة إلا بعد تزكيته في الدنيا، فإن بقي فيه شيء زكاه الله على القنطرة).
وتشمل هذه الذنوب؛ الغيبة، النميمة، الشتم، أخذ الحقوق، الاعتداء، ظلم مالي أو جسدي، جرح مشاعر أو أذية.. الخ.
إن فهمنا لهذه القاعدة يمنحنا إيمانا ويقينا إضافيا، فنستقبل أقدار الله تعالى بالرضى والتسليم والاحتساب، فندرك أن ما أصابنا من اللأواء في حياتنا هو حصاد أعمارنا من ما اقترفته أيدينا من السوء، ونجعل ذلك مؤشرا على قبول التوبة منا، إذ أننا نذنب بالليل والنهار، ونتوب إلى الله من صنائعنا، لكننا لانملك ضمانا لقبول التوبة من الله تعالى جل شأنه، غير اننا نتوسل إليها ببعض المؤشرات والعلامات، ولعمر الحق إن البلايا والرزايا والمصائب من تلك المؤشرات.
{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء:123- 126].


جزاكم الله خيرا، كلام جميل شافي كافي، نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا ويرزقنا حسن الخاتمة ويوتوفانا وهو راض عنا ليس في أعناقنا شيئا من حقوق العباد.
اعتقد هناك فرق بين الذنب و السوء
الذنب هو بين العبد و ربه والسوء هو حق العباد والناس والبيئة وكل ما يتعلق بغير الله
لذالك فالسوء يجب ان يكفر في الدنيا امًًّا الذنب فمن حق الله انيغفر لك أو يعذبك
هذا ما أراه والله اعلم