حين تسقط الثقة يبقى الذهب
يشهد العالم في السنوات الأخيرة موجة صعود تاريخية ومتزامنة بأسعار الذهب والفضة، هذا الصعود ليس حركة سعرية عابرة، بل هو إشارة بنيوية عميقة تعكس خللا متراكما في أسس النظام المالي العالمي.
الصعود الصاروخي يعيد إلى الأذهان لحظات مفصلية تكررت عبر التاريخ، حيث سبقت تحولات كبرى في النظام النقدي العالمي، ورافقتها هجرة جماعية من الأصول الورقية إلى الأصول الحقيقية.
تعويم العملات الورقية
ألغي الارتباط الرسمي بين الدولار والذهب عام 1971 ، لتدخل العملات الورقية مرحلة التعويم الكامل، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد النقد يستند إلى أصل حقيقي بل إلى مجموعة عوامل اهمها:
-الثقة السياسية
-القوة الاقتصادية والعسكرية
-القدرة على إدارة الدين.
هذه الركائز نفسها بدأت تتآكل بفعل؛ تضخم غير مسبوق، وتوسع هائل في الديون السيادية، وطباعة نقدية بلا غطاء، وتسييس النظام المالي، بالاضافة الى العقوبات الاقتصادية.
لذلك؛ الصعود المتزامن للذهب والفضة يحمل دلالة خاصة، لأن الفضة تاريخيا ليست مجرد معدن صناعي، بل عملة ظل تظهر أهميتها عند اختلال الثقة النقدية.
ويمكن تلخيص الدوافع الأساسية للتوجه نحو الفضة والذهب بعدة عوامل:
1-تآكل القوة الشرائية للنقد الورقي.
2-التضخم لم يعد مؤقتا ولا دوريا، بل أصبح بنيويا.
3-فقدان السندات لوظيفتها الدفاعية.
4- العائد الحقيقي للسندات أصبح سالبا في كثير من الاقتصادات الكبرى.
5-تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
6-الحروب والعقوبات، وتفكك سلاسل الإمداد.
7-تحول سلوك البنوك المركزية، والتوجه نحو شراء مكثف للذهب بدل الاحتفاظ بالدولار وحده.الذهب مؤشر إنذار مبكر
تاريخيا لم يكن الذهب مجرد مخزن للقيمة، بل أداة قياس لسلامة النظام المالي، فحين ترتفع أسعار الذهب فإن هذا يعني أن الثقة في العملات الورقية تتراجع، وأن الأسواق تستشعر خطرا طويل الأمد لا أزمة عابرة.
والمفارقة اللافتة اليوم أن الصعود لا تقوده المضاربات فقط، بل اللاعبون الكبار ممثلين بالدول والبنوك المركزية، والصناديق السيادية.
هل نحن في بداية الموجة أم نهايتها؟
قراءات الخبراء؛ والمؤشرات السوقية كلها تشير إلى أن موجة النزوح نحو الذهب والفضة ما تزال في بداياتها، وأن إعادة تسعير الأصول لم تكتمل بعد.
وهذا يعني عمليا؛ سنوات من عدم الاستقرار المالي، وتآكل إضافي في قيمة النقد، وصراعات على شكل النظام النقدي القادم.
وهذه المرحلة الانتقالية تاريخيا تكون؛ طويلة ومكلفة، وغير متوازنة اجتماعيا واقتصاديا.
النظام المالي القادم
لا توجد بعد صيغة نهائية للنظام البديل لكن هناك بعض المؤشرات تشير إلى حدوث؛ تراجع الهيمنة الأحادية للعملات الكبرى، وصعود أنظمة تسوية متعددة الأقطاب، واحتمال عودة جزئية للذهب والفضة في دعم العملات، مع دور متزايد للذهب كضامن سيادي أو احتياطي استراتيجي.
وهنا نؤكد على أن الصعود الصاروخي للذهب والفضة ليس خبرا اقتصاديا عابرا، بل لغة صامتة للأسواق تقول إن النظام المالي العالمي القائم منذ نصف قرن يقترب من نهايته التاريخية.
وبين موت نظام وولادة آخر، تعود البشرية كما في كل مرة إلى أبسط قاعدة مالية عرفتها؛ حين تسقط الثقة… يبقى الذهب.
اقرأ لي كذلك

