تناقش هذه الورقة المحاولات الممنهجة التي تمارس لتشويه صورة تركيا أمام الرأي العام العراقي، وتأثير ذلك على الامن الاستراتيجي التركي على المديين؛ المتوسط والبعيد.
وتتعرض بالنقد للجهد الاعلامي التركي في مواجهة مساعي الشيطنة ، وتقدم بعض الافكار والمقترحات التي يمكن أن يكون لها جهد مقاوم قادر على قلب المعادلة.
تمهيد
ترتكز السياسة الخارجية التركية تجاه العراق على ركيزتين؛ الأولى الأمن الجيوسياسي، والثانية الأمن الاقتصادي؛ كما ورد في موقع وزارة الخارجية التركية (1)، وتأتي الركيزة الأولى مستندة إلى الحدود الطويلة التي تفصل بين البلدين، بالإضافة إلى عامل الوعورة الجغرافية لهذه الحدود، التي تمتد لأكثر من 350 كيلومترا جلها مناطق جبلية، يعود تاريخ ترسيمها إلى عشرينيات القرن الماضي، بقرار محكمة العدل الدولية في لاهاي باستخدام خط بروكسل كخط حدودي بين الدولتين.
ويلعب العامل الاقتصادي دوراً محورياً لاعتبارين اثنين، القرب الجغرافي بين تركيا والعراق، والذي يفتح الاسواق العراقية المتعطشة للاستهلاك أمام الصادرات التركية، وفي المقابل تتوفر الأراضي العراقية على موارد عملاقة واحتياطات ضخمة من الطاقة، يمكن أن تكون مساهمة في حل مشكلة نقص الطاقة لدى أنقرة؛ من حيث التدفق الدائم والأسعار التنافسية.
تحديات
تصدم السياسة التركية بتحديين اثنين، الأول استغلال الجماعات الارهابية الحدود لزعزعة الامن التركي، والثاني التنافس الإيراني على سوق الاستهلاك والموارد الاقتصادية العراقية.
وقد تم توظيف كلا التحديين للتأثير على الدور التركي في المشهد العراقي، حيث حصلت الجماعات الارهابية الكردية على دعم متنوع الاشكال من الاطراف السياسية والعسكرية الموالية لإيران، والاطراف الكردية القومية، وتجلى ذلك في أوضح صوره بعد تحرير البلاد من سيطرة تنظيم الدولة عام 2017، وتسليم مدينة سنجار للجماعات الكردية الارهابية لتكون في الخاصرة الرخوة لتركيا.
في الجانب الاقتصادي وضعت العديد من العوائق البيروقراطية في مواجهة تدفق البضائع التركية نحو الأراضي العراقية، مقابل تسهيلات مفتوحة أمام البضائع الإيرانية، ومساعي دؤوبة لمنع تدفق مصادر الطاقة من إقليم شمال العراق.
اعتمدت المقاربة التركية في مواجهة هذين التحديين على:
أولا- المواجهة العسكرية للإرهاب، من خلال العمليات المتكررة والتي حققت نجاحات لا يمكن إغفالها.
الثاني- البناء على العلاقات مع أحزاب الحكم العراقية، والتعويل على الدبلوماسية في تحقيق المكاسب الاقتصادية، وقد حققت هذه المنهجية نجاحات معتبرة انعكست في تنامي الصادرات التركية على مدار الأعوام الماضية، إلى جانب مكتسبات في مجال توريد الطاقة، إلا أنها بقيت متذبذبة تبعا لتذبذب العلاقة السياسية والدبلوماسية بين البلدين.
مكاسب قصيرة الأمد
لا شك أن المقاربة التركية لتحقيق مصالحها في العراق كانت ناجحة وحققت مكتسبات لا يمكن اغفالها، إلا أنها ضيقت دائرة الخيارات وهو ما أدى إلى ان تكون المكتسبات قصيرة الأمد قابلة للتغيير تبعاً للمتغيرات الطارئة على المشهد السياسي العراقي.
وعند استقصاء الواقع العراقي؛ نجد أن منافسي تركيا على الأراضي العراقية تمكنوا من تضييق دائرة مصالحها من خلال التأثير على صورتها أمام الرأي العام العراقي الشعبي، وهو ما أسميته بـ”الشيطنة”، من خلال جهد إعلامي ممنهج وضع تركيا في خانة الدول الطامعة لا الصديقة، ويمكن إجمال مظاهر الشيطنة بالنقاط التالية:
1- تركيا دولة لها أطماع توسعية في الأراضي العراقية، وهي تتحرك بناء على هذه الرؤية، وتُفسر جميع تحركاتها العسكرية ضد الجماعات الارهابية بناء على هذا التصور(2).
2- انقرة تتدخل في العملية السياسية، وتتعمد قطع المياه عن الأراضي العراقية (3).
3- تركيا تسعى لإعادة احياء الدولة العثمانية، وتصوير الاخيرة على انها احتلال كسائر الاحتلالات التي مرت على البلاد العربية (4).
4- دعم تنظيم الدولة، وتصوير أنقرة على أنها ملاذا لقيادات التنظيم (5).
5- وضع العمليات التركية ضد الجماعات الإرهابية في إطار الخصومة والعداء للقومية الكردية، وتبعاً لذلك يتم شن حملات مقاطعة للبضائع التركية على فترات زمنية، يتبع ذلك وكاثر رجعي تعالي أصوات برلمانية لتحويل المقاطعة إلى عمل الدولة (6).
استنتاج
من هنا يتبين لنا أن اعتماد تركيا على المنهجية العسكرية في مواجهة الارهاب العابر لحدودها، وعلى الدبلوماسية في تحقيق مصالحها الاقتصادية، حصراً دون اعتماد خيرات أخرى يمكن ان يوصلها إلى أهدافها على المدى القصير؛ وتبقى النجاحات مهددة بالزوال نظرا لوجود عوامل مؤثرة لم يتم التعامل معها.
ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر؛ أن يجد حزب العمال على الحدود العراقية التركية الطويلة، حواضن شعبية آمنة تقدم له اسناداً في حربه على تركيا، بسبب التأثير الاعلامي على الجمهور الكردي العراقي، الذي يعاني من ممارسات حزب العمال اللاأخلاقية متعددة الاشكال التي يمارسها أفراده على الشريط الحدودي القروي المحتل، ورغم ذلك يقدم التعاطف بسبب تصوير الاعلام الكردي أن انقرة تحارب الاكراد كقومية وليس كفصائل تمارس أفعالا إجرامية عابرة للحدود.
وكذلك؛ التحركات التي يشهدها المستوى التشريعي في العراق لمقاطعة تركيا اقتصاديا، حيث تظهر أصوات داخل البرلمان تطالب بسن تشريعات في هذا الاتجاه، وأخرها كان تهديد النائب الاول لرئيس البرلمان بسن قانون يجرم التعامل التجاري مع تركيا.
ملاحظة: حملات شيطنة تركيا في العلام العراقي لم يتوقف أثرها على البيئة العراقية، بل تعداه إلى الفضاء العربي والخليجي خصوصاً، حيث استخدمت الملفات العراقية في حملات السعودية والامارات ومصر في الاساءة لصورة تركيا أمام الرأي العام العربي.
خيرات متعددة ونتائج استراتيجية
يقتضي الوصول إلى تحقيق المصالح التركية أن تعمل الدبلوماسية التركية على خيرات متعددة، تحقق الاهداف على المدى البعيد برؤية استراتيجية، إلى جانب الخيارات التي توصل إليها على المدى القصير.
ومن هذه الخيارات:
1- الجهد الاعلامي
وعت تركيا مبكراً لأهمية الجهد الاعلامي في الوصول إلى الرأي العام العربي، فعملت على تأسيس منصات الاعلام التقليدي للوصول إلى هذا الغرض، ففي عام 2010 تأسست القناة الرسمية التركية الناطقة باللغة العربية (TRT عربي).
وفي عام 2011 تم تأسيس القسم العربي بوكالة الأناضول الرسمية.
لاحقاً تأسست العديد من المواقع الإخبارية الإلكترونية الناطقة بالعربية ومنها التابعة لصحف تركية كبيرة مثل (يني شفق، ديلي صباح، زمان).
وعلى الرغم من ضخامة الجهود المبذولة، إلا أن الاعلام العربي يتسم بالضعف، وتقدر هذه الورقة أن قناة (TRT عربي) لم تحقق اختراقا يوازي الجهد والموارد المبذولة فيها، لسببين:
الأول- أن قناة (TRTعربي) تحولت من قناة منوعات حسب رؤية التأسيس، إلى قناة إخبارية متخصصة، ولتحقيق قدر عالي من الاحتراف استقطبت كفاءات اعلامية عربية كبيرة، بعقود مالية ضخمة، للعمل ككوادر تنفيذية وقيادية للقناة، ومشكلة هذه الكوادر أنها على قدر ما تملك من حرفية مهنية، لا تملك قدرة على فهم واستيعاب الاحتياجات التركية مهما قدمت لها من شروحات ومن سياسيات مكتوبة، لان هذه الاحتياجات تدرك بالتعايش العملي، وهو عنصر متوفر في الكوادر الاعلامية المتواجدة على الأراضي التركية وعدد كبير منها حاصل على الجنسية التركية.
الثاني- تحويل (TRTعربي) إلى قناة إخبارية جاء محاكاة للنجاح الذي حققته قناة (TRT World) التي تمكنت من حجز مساحة قوية لها في أوساط الناطقين بالإنكليزية، ولهذا النجاح اسبابه ومن أهمه ان البيئة المستهدفة كانت متعطشة للاطلاع على السياسية التركية كونها دولة صاعدة، وعلى النموذج الحضاري التركي الذي يثار حوله العديد من التساؤلات، وهذا الامر غير متوفر في البيئة العربية التي تتسم بانها معادية للنموذج الحضاري التركي، بسبب حجم التسمم المعرفي الذي طارد هذا النموذج على مدار قرن من الزمن، وبالتالي دخلت القناة الاخبارية منافسة في بيئة فيها عمالقة حجزوا لهم مواطئ قدم كبرى في عالم صناعة الاخبار والبرامج السياسية، فلم تتمكن من المنافسة على الرغم من كفاءة الكوادر وحجم الانفاق المادي الكبير.
القسم العربي في وكالة الاناضول؛ تمكن من تحقيق نجاحات هامة في مجال صناعة الاخبار، وتحولت الوكالة إلى واحدة من مراجع صناعة وتحرير المحتوى، إلا أن هذا النجاح كامن في التعامل مع النخب العربية، والمؤسسات النخبوية، التي تختار من المحتوى ما يلائم توجهاتها، وقد تتعامل معه بالتحرير وفق ما يلائم سياساتها التحريرية، لذا يمكن وصف النجاح بانه وصل الى المستوى النخبوي وبقدر اقل بكثير على المستوى الجماهيري.
المقترحات
أ- إجراء مراجعة منهجية بحثية استقصائية شاملة للإعلام العربي الناطق باللغة التركية، من خلال مجموعة فعاليات، تفضي إلى توصيات ومقترحات لسياسة اعلامية أكثر نجاعة، ويمكن لنا أن نفرد هذا المقترح في مبحث مستقل مستقبلا.
ب- بما أن بيئة الاعلام العربي التقليدي شديدة التنافس، نرى أن اعتماد منهجية اعلامية تستند إلى وسائل التواصل الاجتماعي (Social media) ستكون أكثر نجاعة، وأسرع في الوصول إلى الاهداف، فهي الوسائط الاكثر شعبية وانتشارا خصوصا في الاوساط الشبابية.
وتشير المواقع المتخصصة برصد انشطة مستخدمي هذه الوسائل، إلى أن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العراق على سبيل المثال وصل عام 2019 إلى 19 ميلون مستخدم.
وهؤلاء يقضون أوقاتا طويلة في عملية الاستخدام، ما يعني أن أي مشروع اعلامي برؤية واضحة واهداف عملية، يمكن أن يكون مؤثرا في صناعة الرأي العام، كما حدث في المظاهرات التي شهدتها الساحة العراقية واسهمت في اسقاط الحكومة، والدفع نحو انتخابات برلمانية مبكرة(7).
2- العمل في بيئة المنظمات غير الحكومية
إذا كان الجهد الإعلامي هو البوابة للوصول إلى التأثير على الرأي العام في أي بلد بالعالم، فإن المنظمات غير الحكومية (NGO) هي البوابة للوصول إلى النخب التي تعمل على صناعة وتشكيل المجتمعات في ذاك البلد، لذلك عندما احتلت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام 2003، أدخلت معها (الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية) المعروفة اختصارا (USAID)، بميزانيات ضخمة وعملت على تشكيل البنية التحتية للمنظمات غير الحكومية العراقية، وحققت نجاحا كبيرا في مجالات؛ الاعلام، والتعليم، والمرأة، والطفل، …الخ عبر منظمات متعددة تعمل تخصصيا في كل مجال بميزانية وخطة مستقلة، وعلى سبيل المثال فان كاتب هذه الورقة عمل عشر سنوات كمستشار في واحدة من تلك المؤسسات (8)، والتي كانت انفقت ميزانية سنوية قدرها 12 مليون دولار خلال عامي 2009-2010، في 18 محافظة عراقية، فقط لتقديم المعرفة للصحفيين والموظفين والمواطنين ونشطاء المجتمع المدني، لكيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، هذا المثال يعكس حجم الاهتمام البالغ الذي اولته أمريكا للتأثير على هذا القطاع.
تمتلك تركيا منظمات اغاثية لها امكانات كبيرة، مثل إدارة الكوارث والطوارئ (آفاد)، والهلال الأحمر، ووقف الديانة التركية، و هيئة الاغاثة الانسانية وحقوق الانسان والحريات (IHH)…وغيرها، وتقدم هذه المؤسسات مساعدات انسانية سخية حول العالم، لكن عملها في العراق يقتصر على العمل الاغاثي والمشاريع الانسانية، ولا يوجد لها استراتيجية للعمل في مجال تنمية وبناء المنظمات غير الحكومية، لذلك فان الدخول في هذا المعترك يمكن أن يكون له مردود على المدى الاستراتيجي للمصالح التركية، ويمكن أن نفرد في المستقبل لهذا الباب مبحثا مستقلا.
—————————————–
الهوامش
1- http://www.mfa.gov.tr/relations-between-turkey-and-iraq.en.mfa
2- مقال (تركيا وأطماعها التوسعية في العراق) نموذجا، نشر على وكالة أنباء براثا المرتبطة برجل الدين الشيعي جلال الصغير.
http://burathanews.com/arabic/reports/412887
3- تحليل (الدور التركي في العراق: أمن استراتيجي أو أطماع؟) نموذجا نشر على موقع (العهد) الإيراني شبه الرسمي.
https://www.alahednews.com.lb/article.php?id=41702&cid=124
4- تقرير (اتفاقية لوزان تنتهي العام 2023 وتركيا تستعد لاستعادة الموصل وكركوك: طابو المدينتين لدينا) نموذجا، نشر في موقع (صوت العراق) التابع للشيعة الاكراد الفيلية.
5- (خبير عسكري لـ”بوابة العين”: 5 أدلة تثبت دعم تركيا لـ”داعش”) نموذجا نشر على موقع العين
https://al-ain.com/article/turkey-support-isis
(خليل آلدار: تركيا تدعم تنظيم داعش الإرهابي ومرتزقة موالين لها في سوريا) مقابلة تلفزيونية عبر قناة الغد التي تبث من القاهرة.
6- (اتساع رقعة المقاطعة الشعبية للبضائع التركية في إقليم كردستان) تقرير مصور.
7- (إحصائيات صادمة عن وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في المظاهرات العراقية)، محاضرة للباحث حول هذه المسألة.
8- لا يستيطع الباحث ذكر اسم المنظمة، لوجود بند السرية في عقد العمل، والذي قد يعرضه للملاحقة القانونية عند ذكر معلومات عن عملها.