دروس سورة الكهف: منع الله عطاء وربما يكون حرمانه عين العطاء

يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)

وفي الكهف يقول الله تعالى:

( فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا)

 (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا)

يقول أهل العلم؛ لاينغي أن يذكر اسم الله الخافض دون إقرانه بالرافع، ولا المذل دون إقرانه بالمعز، ولا المانع دون إقرانه بالعاطي.. وهكذا، فالباري عزوجل منعه عطاء، وربما حرمك ليعطيك.

وفي هذا السياق؛ لو ذهبنا بخيالنا إلى دار أم الغلام وأباه، اللذان قتل العبد الصالح ابنهما، لوجدناهما يولولان وينتحبان، وأي مصيبة أعظم من الموت بحسب الوصف القرآني (إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) .

وهل ثمة مصيبة أعظم من فقد الولد؟ خصوصاً إن كان في الحادية عشرة أو يقارب، بحسب معنى الغلام في العربية، الصبي الذي يكون قريباً من سن البلوغ، فالولد والبنت في هذا السن يكونان كشمعة تبدد دياجر الظلم في البيت، فيطيب للوالدين التباهي بالأولاد في هذا السن، وهو سن *الزينة* (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .

وحين تأتي أقدار الله وتدبيره، تصمم لذاك البيت هذا الفقد العجيب الغريب، فقد قتل العبد الصالح ورفيقه موسى الغلام ومضيا في شأنيهما، مخلفان ورائهما مصيبة، وإذا كان الموت وحده مصيبة، فإن القتل ومن مجهول دون سبب واضح مصيبة مضاعفة تحز ذلك القلب المكلوم لأم ثكلى كانت تأمل وهي تودع ابنها عند الباب أن يعود إليها آخر النهار، فتسامره وتحادثه وإذا نام تغطيه خشية عليه من غوائل البرد.

أية ليلة تلك التي تأوي فيها إلى فراشها وهي لا تمارس ذلك الطقس اللذيذ، فالفراش الذي لما يزل يحمل عطر غلامها في محله، غير أنه خال من صاحبه.

وأي صباح ذاك الذي أصبح إليه الوالد، وهو كان يرقب ابنه وهو ينمو ويكبر اليوم تلو اليوم والعام تلو العام، فيُيمم صوب عمله الذي كان يرجوا أن يكون فيه غلامه سنداً له فيه؛ بغير ذاك الأمل، منقطع الرجاء وقد حلّت بداره مصيبة الموت، وما يدري ما تخفي له قوابل الأيام.

عناية الله ورعايته وربوبيته العظيمة هي من تقف وراء هذا السيناريو المرعب، فالرب هو الذي يدبر لنا شؤون حياتنا، ويدبر للمؤمن مصالحه وفق علمه الذي فاق قدرة العبد على الأدراك؛ لذلك قال بعض أهل العلم أن *الرب* هو اسم الله الأعظم.

فهل كان يدرك صاحبنا أن أخذ الله لفلذة كبده كان عطائا عظيما يستوجب الشكر؟!، ولولاه لتحول الأمل بالمستقبل المشرق إلى *إرهاق* ومعاناة ومشاكل تعد ولا تحصى، فتأتي لمسة القدير لتغير مسار الأحداث، فيكون البديل غلام يعقب ( خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) .

كم مرة حل بنا المنع، ونزل بنا قتر الرزق، وأصابنا الخفض بعد الرفع، ونحن نرقب أقدرانا؛ بنفس كسيرة، وقلب حزين، وعين دامعة، وسخط مضمر، وآه مكبوتة، وحسرة مدفونة، وقد يضعف إيماننا ويختل توازن يقيننا، إذ حجبت عن أعيننا حكمة الله تعالى البالغة، ومحبة الغامرة، ولطفه العظيم، لندرك حيانا بعد حين؛ أنه منعه كان عطاء لا يكافئه سجود الدهر.

*فسبحان اللطيف القدير، المدبر الخبير، كل من يعطي يكافأ عطائه، إلا عطائه ولطفه ورحمته وفضله* .

&&&&&&&&&&&&&&&&&

للاطلاع على آرائي ومقالاتي وأفكاري، ولرؤية سيرتي الذاتية:

يمكن الاشتراك بقناتي في تطبيق التلغرام (Telegram)، عبر الضغط هنا:

اقْرَأ لي كذلك

Scroll to Top