دروس سورة الكهف: تكرارها يملئ القلب طمأنينة ويبعث بالروح السكينة

كلما هلّت علينا الجُمعة، وأحيانا الله الكريم وأبقانا بفضله حتى نبلغها، لاحت لنا بشائر سورة “الكهف”، تأخذنا إلى معاني القرآن الجميلة، ومبانيه الرقيقة، وروحه الرفيقة، فتهز أعماقنا آيات الذكر الحيكم، وتحيي فينا معاني الإيمان العميق، وتنتشلنا من اسبوع ركضٍ محمومٍ وراء لعاعة الدنيا، نُسخر لها الطاقات، والأوقات والإمكانات، وما آتنا الله من قدرة على المكر والتدبير والتفكير والتكتيكات، لتعيدنا إلى حاضنة الإيمان، وبارقة الفضل والإحسان، في كتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه، ولايُمل على كثرة التكرار.

وكلما كان لي من صحوة الإيمان نصيب، واستويت على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، حين تدركني الجمعة بعد الجمعة، فأقرأ سورة الكهف يشدني إليها قوله صلى الله عليه وسلم: “من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين”، أتساءل وأنا أعيش في رحابها متعة الانغماس في الوحي، والانتشاء بالقص القرآني، كيف لهذه السورة أن تأخذ لب شخص ملول مثلي؛ لا يحب إعادة قراءة الكتب رغم علمه أن تكرار القراءة يورث عُمقاً في الفهم واستزادة في المعنى ، ولا يحب مشاهدة المرئي من القصص والمسموع منها أكثر من مرة؛ تُنفره السئامة والضجر؟.

فلا أجد جواباً غير ما ورد في القرآن الكريم ذاته في آيات كثيرة تحدث فيها الباري عزوجل عن أن هذا القرآن مكون من حروف؛ هي من حروف العرب، الف لام ميم، صيغت بها كلمات مما يعرفه أهل الضاد، ورُكبت في جمل لا ينكر ولا ينفر منها أهل التنزيل ولا يستغربون، ورغم كل ذلك فإنه معجز في ذاته وتراكيبه وصيغه وبلاغته، يأخذ القلب إلى معارج الروح، وفيه تقر النفس في محراب الوحي، فتحصل السكينة والطمأنينة التي تجني شركات الدواء في العالم عدة تريليونات من الدولارات سنوياً أرباحاً في سبيل صناعة المركبات الدوائية التي تجلبها للإنسان ولو بالحدود الدنيا، إنه إعجاز الوحي الذي أذهل بلغاء العرب، وأبطل قدرتهم على التحدي إلى يوم الدين.

وفوق كل ما ذُكر آنفاً؛ يمكن الإشارة إلى بعد نفسي حوته سورة الكهف، حيث تملأ سياقاتها الإنسان بصيب نافع غزير من التأثير الإيجابي الذي يورث القلب اطمئناناً لأهم بواعث القلق التي جبل عليها؛ الخوف من القادم، والقلق من المقدور، والرغبة في الخير الكثير من المجهول، وسر ذلك في قصصها الشيقة، وما حوته من معاني عميقة، ومواعظ رفيقة، وصور رقيقة، بألفاظ سهلة وسلسة ورشيقة.

ومن آطال منا النظر ومنح نفسه محطات للتوقف، ومراجعة الذات وتقييم المسافات ما بينه وبين الله والناس، ووفق لإيقاف دولاب الحياة الذي نركض فيه كما تركض فئران الاختبار في دواليبها، يحصل له ضبط البوصلة كي تثبت الاتجاه إلى الله في استقامة واعتدال، ويتجنب السبل التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم في لوحته التشكيلة على التراب، وهو يصف لصحبه الكرام الطريق إلى الله مجسداً إياه خطاً مستقيماً؛ والسبل عن يمينه وشماله تأخذ المؤمن بعيداً عن الغاية

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط النبي خطا مربعا وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا -وفي رواية في فتح الباري خطوطا – صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به -أو قد أحاط به – وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا) رواه البخاري.

وقد انتدبتنا السنة الشريفة، لقراءة سورة الكهف كل اسبوع مرة يوم الجمعة وليلتها، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم، في معرض الترغيب بهذه الفضيلة في الحديث الصحيح، إلى أن من قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ، أضاء له من النورِ ما بين الجمُعتَينِ ومعلوم بالمنطق أن النور سلاح يبدد به الإنسان العمى الذي تستجلبه دركات الظلمة، وأنه إن جاء من الله ينير حتى مُبصرات النهار في سرج الضوء، فهو سبحانه نور؛ وبالنور يهدي إليه من شاء.

ومن يعرف مقاصد الشريعة الغراء، يدرك إدراك موقناً أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لايشرعان اعتباطاً، بل وراء كل تشريع قصد عظيم، غاب عن نواظرنا أو حضر، فنحن نتبعه اتباع راغب بما عند الله، وبعد ذلك يظهر لنا من المقاصد السنية، ما تتفتح به القلوب التقية، والبصائر المهدية.

ومن هنا؛ يمكننا أن نستنتج أن في الكهف أنوار قرآنية، ومصابيح نورانية، تقودنا إليها هذه السنة أسبوعياً؛ حرم من فضائلها من غفل، وآثر القعود والكسل، وفاز منها متأمل في وجل، وساح في معاني الكتاب الأجل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top