أوروبا تنقذ الحمير من جحيم غزة وترفض استقبال أطفالها الجرحى
أعلنت الحكومة الألمانية الفدرالية، عن رفضها استقبال أطفال غزة المصابين في حرب الإبادة الصهيونية، التي شاركت فيها برلين عبر جسر أمداد جوي بالسلاح والمعدات والذخائر، بعد أن تقدمت بعض الولايات بطلب لاستقبال بعض الحالات الحرجة، فيما كشفت الصحف اليسارية عن وصول عشرات الحمير قادمة من غزة الى حدائق الحيوان بشكل غير شرعي، بدعوى إنقاذ الحيوانات من جحيم الحرب.
وذكرت قناة ” DW ” أن ولايات ألمانية منها؛ برلين، وهامبورغ، ونيدرزاكسن، أعلنت استعدادها لاستقبال عشرات الأطفال المصابين في غزة للعلاج، وأكدت هذه الولايات أنها تملك القدرة الطبية والبنية اللوجستية لذلك.
غير أن الحكومة الاتحادية لم توافق على استقبالهم؛ وبحسب وزير الصحة الألماني “كارل لاوترباخ” في تصريح لصحيفة”Die Welt“الألمانية في 20 أكتوبر 2023 فإن بلاده ترفض استقبال أطفال غزة وتفضل “علاجهم في الميدان”.
في المقابل نشرت إذاعة ” SWR Aktuell” الألمانية في منتصف فبراير 2025، تقريرا حول استقبال حديقة ومحمية في مدينة “أوبنهايم” بولاية “راينلاند بفالتس” أربعة حمير قادمة من غزة، نقلت عبر منظمات متخصصة برعاية الحيوانات تعمل في الكيان الصهيوني ، ثم وصلت أوروبا عبر رحلات شحن جوية، بشكل غير شرعي ودون اذن اصحابها، وهو ما يخالف المواثيق الدولية التي تنظم عملية نقل الحيوانات.
قصة حمير تستقبلها ألمانيا، وأطفال يظلون عند حدودها، لم تقتصر على المانيا فقط بل شملت دولا أوربوية أخرى، وقد أشعل الكشف عن هذا الامر نقاشا حادا في المانيا، وتحول من خبر صغير إلى قضية وطنية تتعلق بالسياسة، والأخلاق، والصورة الدولية للبلاد من جهة، وتساؤلا عن منظومة القيم الغربية التي تتعامل بازدواجية مع قضية حقوق الإنسان في غزة بالمقارنة مع قضايا في أنحاء أخرى من العالم.
هذا التحقيق يتتبع القصة من بدايتها، من غزة إلى الكيان المحتل لفلسطين إلى أوروبا، من خلال تتبع المصادر التقليدية و المفتوحة، بالاستناد إلى ما نشرته الصحافة الألمانية والعبرية، كما تتبعنا فيه تصريحات قادة وسياسيين ألمان، بهدف كشف تفاصيل الواقعة.
بداية القصة
حرب غزة لم تقتصر على إبادة البشر، بل تعدتها الى إبادة كل مظاهر الحياة على اختلاف أشكالها، وكما أن في غزة بشر يعيشون؛ فهناك حيوانات يشاركونهم الحياة ولهم حق فيها، وقد طالت اذرع الابادة تلك الحيوانات، حيث وثقت منظمات حقوقية فلسطينية ومراكز بيطرية محلية خلال الحرب، نفوق أعداد كبيرة من الحيوانات في المزارع، وهروب أخرى من مناطق القصف.
وفي يناير 2024، نشرت صحيفة “Haaretz” العبرية اليسارية، تقريرا يذكر أن صهاينة عثروا على حمير وجِمال وحيوانات أخرى قرب حدود غزة، كانت مصابة وبعضها مشرف على الموت.
وأشار التقرير إلى أن هذه الحيوانات كانت تتجول في مناطق زراعية مهجورة بعد موجات نزوح السكان.
وأكد نشطاء فلسطينيون لقناة “الجزيرة مباشر” أن هذه الحيوانات ليست تائهة، بل مملوكة لأشخاص لم يتمكنوا من الوصول إليها، وأن أخذها دون إذن يعد مصادرة لممتلكات مدنية”.
هنا تتكشف فصول القضية، حيث بدأت جمعيات داخل الكيان جمع هذه الحيوانات، وباشرت نقلها إلى أنحاء مختلفة من أوروبا، وخلال تتبعنا للموضوع وجدنا أن منظمة “Starting Over Sanctuary” وهي (منظمة صهيونية لإنقاذ الحمير تأسست في حيفا)، جمعت حميرا من مناطق خطرة قرب غزة ونقلتها إلى أوروبا ووجدنا أن المنظمة المذكورة نشرت على موقعها الرسمي صورا ومقاطع مصورة واخبار تتحدث عن نقل الحمير زاعمة (أنها حمير تتعرض للعنف في إسرائيل) دون الإشارة إلى غزة.
وبذات السياق نشرت المنظمة على صفحتها بالفيسبوك مقطعا مصورا لحمير وصلت فرنسا، تحت ذات الزعم:
والراجح أن هذه الحمير قادمة من غزة، لكن المنظمة الصهيونية تتجنب ذكر ذلك تحسبا للملاحقة القانونية، خصوصا بعد أن أثيرت الضجة في المانيا، والتي من المتوقع أن تمتد لأنحاء أوروبا، وقد أشارت تقارير لمنظمة (Animal Aid Abroad) وهي متخصصة برعاية الحيوانات ومقرها في أستراليا، إلى أن “Starting Over” تستقبل حمير من غزة
موقع “Ynetnews ” وهو صهيوني متخصص بأخبار البيئة، نشر بتاريخ 25 يونيو 2023 تقريرا بعنوان:( 58 donkeys from Israel rescued to France) ذكر فيه أن منظمة Starting Over Sanctuary أشرفت على نقل 58 حمارا إلى ملجأ في فرنسا.
الرابط:
تقرير آخر صادر عن منظمة “Network for Animals” شاركت في عمليات النقل، وهي منظمة بريطانية جنوب أفريقية لحماية الحيوانات مقرها لندن، بتاريخ 2 يونيو 2025، ذكر أن بعض هذه الحيوانات “قادمة من مناطق حرب في الشرق الأوسط” دون ذكر غزة بشكل مباشر، ولم تقدم المنظمة وثائق شحن تثبت مصدر الحيوانات.
الناشط بيتر سميث الذي يعمل مع المنظمة قال في بيان رسمي:
“نحن نستخدم مصطلح الشرق الأوسط لوصف مناطق النزاع، لكننا لا نملك بيانات قانونية علنية تحدد غزة كمصدر محدد للحيوانات”.
الرابط
من جحيم غزة إلى فردوس أوروبا
اكتشفنا من خلال التتبع أن عملية نقل الحمير من غزة إلى أوروبا، عملية معقدة تمر بمراحل عديدة.
المرحلة الأولى جمع الحيوانات من الميدان من قبل جمعيات صهيونية، وإيوائها في مزارع أو ملاجئ داخل الكيان، أو في مناطق مجهولة بالضفة الغربية.
المرحلة الثانية، اتخاذ إجراءات صحية وبيطرية تشمل فحص الأمراض وتلقيح الحمير، بحسب ما نشره موقع منظمة “Starting Over Sanctuary” الرسمي.
المرحلة الثالثة، الشحن جوا من مطار بن غوريون إلى مطار “Liège ” البلجيكي، أو إلى فرنسا، حيث يتم استلام الحمير من قبل ملاجئ شريكة، بحسب تقرير نشره موقع “Brussels Times” البلجيكي في 18 أغسطس 2025، حيث أكد أن المطار استخدم كنقطة ترانزيت للحمير، مع وجود مراقبة بيطرية مستمرة أثناء الرحلة.
الرابط:
ثلاث رحلات موثقة من قبل الناقلين والوسطاء:
الأولى في يوليو 2024 :
- حمير تم جمعها في مزارع داخل الكيان خضعت للفحص البيطري قبل النقل، ووصلت إلى فرنسا وبلجيكا.
وهذه صور وفيديو منشور على صفحة Starting Over Sanctuary على فيسبوك، توضح الحمير أثناء التحميل والوصول.
الرابط: https://www.facebook.com/startingover.org.il/posts/flight9
الثانية في مارس 2025:
وثقت نقل حمير إلى فرنسا، مع ذكر أن بعضها من مناطق نزاع في الشرق الأوسط من قبل منظمة Network for Animals، بدون إثبات رسمي للبلد أو المنطقة الدقيقة.
الرابط:
الثالثة في يونيو 2025:
وثقت وصول حمير إلى بلجيكا، وذكرت المنظمة أنها تم إنقاذها من سوء المعاملة دون ذكر مصدر محدد.
الرابط:
وفي ذات السياق، أفادت صحيفتا “هيت نيوزبلاد” و”غازيت فان أنتويرب” البلجيكيتان، أن مطار لييج استخدم كنقطة عبور لسلسلة من عمليات نقل الحمير جوا من غزة إلى محميات الحيوانات في فرنسا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء البلجيكية (Belga News Agency).
وأشارت الوكالة إلى أنه في 29 يوليو/تموز الماضي، أعلنت المجموعة عن رحلتها العاشرة، لنقل 50 حمارا، عبر مطار لييج إلى جنوب فرنسا، حيث وضعت في محميات مختلفة، بما في ذلك مرافق تابعة لمؤسسة “بريجيت باردو”.
ونقلت الوكالة عن المتحدث باسم مطار لييج، “كريستيان ديلكورت” تأكيده وجود الرحلات، لكنه شدد على أن المطار لا يقوم بدور في العملية قائلا: “نحن ببساطة نوفر البنية التحتية، تبقى الحيوانات هنا أقل من 24 ساعة قبل مواصلة رحلتها. يصل معظمها في حالة صحية سيئة”.
موقع (Ynetnews) الكتروني العبري المختص بأخبار البيئة وثق بالفيديو عملية نقل 58 حمارا الى فرنسا، في تقرير نشره تحت عنوان ( donkeys sent to France) قال فيه: “في عملية مشتركة مع محمية إسرائيلية محلية ووزارة حماية البيئة، تم إنقاذ 58 حمارا ونقلهم إلى منشأة إعادة تأهيل حيث تم تبنيهم من قبل عائلات محلية”.
من يمول عمليات النقل
نقل الحيوانات جوا عملية مكلفة للغاية، حيث تشير المعلومات التي حصلنا عليها من شركات الشحن إلى أن نقل حمار واحد يكلف 2,000–4,000 يورو، أضف إلى ذلك كلفة إيواء الحيوان، فالإقامة في ملجأ أوروبي قد تكلف 500 يوريو يوميا، وبحسب الفيديوهات المنشورة من قبل القائمين على العملية والناقلين، فإن الحيوانات تحتاج لرعاية صحية خاصة، خصوصا أن بعضها يصل مصابا ويعاني من سوء التغذية بسبب الحصار الذي يفرضه الاحتلال على قطاع غزة، وهذه الفحوص الصحية مكلفة للغية.
وهذا يطرح سؤال من يمول العملية؟
صحيفة “Le Soir” البلجيكية نشرت تقريرا في مارس 2024 ، ذكرت فيه أن “رحلات شحن جوي وصلت إلى مطار لييج البلجيكي تحمل حيوانات منقذة من فلسطين عبر إسرائيل، بينها حمير” مشيرة إلى أن “دعم مالي من متبرعين أوروبيين سمح لهذه الرحلات بالحدوث”.
اللافت أن الصحيفة حذفت المنشور لاحقا، علما ان موقع الصحيفة lesoir.be محجوب عن أدوات الزحف (robots.txt) لذلك لا يمكن العثور على الصفحات التي حذفت عند البحث المتقدم.
المنظمات في أوروبا قالت إنها تعتمد على تبرعات، لكن الصحافة الألمانية أشارت إلى أن هناك جهات في الكيان الصهيوني مع جهات ودولية شاركت في التمويل، وهذا يشير إلى أن الأمر ليس مبادرة صغيرة، بل شبكة من التحركات اللوجستية والمالية.
وقد رصدنا منظمة تعرف باسم (Network for Animals) وتعرف نفسها على أنها (منظمة خيرية دولية) وجهت نداء عبر موقعها الرسمي لجمع تبرعات لتغطية نقل حمير في اذار / مارس 2025، بعد أن تحدثت عن عمليات نقل لحمير باتجاه فرنسا، وقالت في منشورها:
“بعد رحلتهم الجوية من إسرائيل إلى فرنسا وبلجيكا، بدأ 58 حمارا أخيرا حياة جديدة من السلام والأمان، والآن ينتظر خمسون حمارا آخر نفس الفرصة للبدء من جديد”.
وأضافت: “يأتي العديد من هذه الحمير من غزة وغيرها من المناطق التي مزقتها الحروب في فلسطين، وقد أنقذ شريكنا، “Starting Over Sanctuary” (SOS)، هذه الحيوانات من أفظع الظروف التي عاشتها مع احتدام الحرب، ومما زاد الطين بلة، أن أناسا يائسين ضربوها وجلدوها وأجبروها على العمل حتى انهارت من التعب. وعندما اعتبرت عديمة الفائدة، تركت لتموت وسط دمار الحرب”.
مثنية على جهود المنظمة الصهيونية بالقول: “على الرغم من رعاية أكثر من 1200 حيوان تم إنقاذهم وسط فوضى الحرب، لم يرفض شريكنا قط حيوانا محتاجا”.
تابعت منظمة (Network for Animals) حديثها التحفيزي للمتبرعين بالقول: “الحمير التي تساعد منظمة SOS في إنقاذها تصل منهكة، جائعة، ومرعوبة، وبعضها مصاب بجروح تكاد تودي بحياته، وفي المحمية، تعالج وتمنح فرصة للبدء من جديد“.
وتحت صورة كبيرة لمؤسسة منظمة SOS شارون كوهين مع احد الحمير، كتب تحتها “أن الصورة خاصة بالمنظمة ومحمية بحقوق الملكية!” استدرك المنشور بالقول:
“لقد وعدنا ببذل قصارى جهدنا لنقل بعض الحمير إلى بر الأمان في أوروبا، لكننا بحاجة إلى مساعدتكم لتحقيق ذلك، وأي مبلغ يمكنك التبرع به سيساعدنا في بناء مستقبل جديد وآمن للحمير الناجية من الحرب. تبرعوا بسخاء اليوم قدر استطاعتكم“.
البعد القانوني والأخلاقي
يمكننا القول إن قضية نقل الحمير ما كانت لتكسب اهمية ولا تأخذ هذا الحيز من الاهتمام، لولا اصرار الحكومة الالمانية على عدم السماح بدخول أطفال غزة المصابين إلى أراضيها، المسألة ليست حميرا أو أطفالا، بل المسألة هي انعدام الاتساق الأخلاقي في السياسات”.
كما أن للأمر بعد قانوني، فنقل الحيوانات من منطقة نزاع بدون موافقة مالكيها يعد انتهاكا للقانون الدولي الإنساني، ما لم تثبت المنظمات أنها حصلت على موافقة أو أن الحيوان كان فعليا بلا مالك.
إذا ثبتت مصادرة أو نقل ممتلكات خاصة (حمير مملوكة لمدنيين) دون موافقة أو تعويض، فثمة احتمالات لمسائل قانونية جدية بموجب قواعد الاحتلال والقانون الدولي الإنساني الذي ينص على (حماية ممتلكات المدنيين أثناء النزاع).
وحتى ساعة إعداد هذا التحقيق، لم تنشر أي وثائق رسمية من قبل الناقلين والمستقبلين توضح:
-تصاريح الشحن التي بموجبها شحنت الحيوانات.
-شهادات الملكية من الجهة التي نقلت منها الحمير.
-الموافقات البيطرية الأصولية التي يجب الحصول عليها للنقل.
-الأوراق الجمركية للحمير التي دخلت أوروبا
تعد هذه الوثائق إلزامية في اوروبا. وغيابها أثار تساؤلات من صحفيين وأكاديميين، وفي البرلمان الإقليمي، طالبت نائبة من حزب اليسار بالكشف عن مستندات دخول الحيوانات، وقالت في جلسة علنية:
“القضية ليست ضد الحيوانات… بل ضد الكيل بمكيالين”.
وهكذا تحولت هذه القضية من واقعة نقل حيوانات، إلى قضية ذات رمزية سياسية، تعكس أزمة أخلاقية تهز منظومة القيم الغربية، وتثير أسئلة حول المعايير الإنسانية التي تطبقها حكومات الغرب في النزاعات، ومدى الاتساق بين الخطاب الأخلاقي لهذه الحكومات والممارسة العملية.
وهو ما جعل وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالتعليقات والتساؤلات، كثير من الألمان اعتبروا أن وصول الحيوانات بينما يترك الأطفال يموتون على حدود غزة دليل على خلل في الحس الإنساني للدولة.
واحدة من أكثر الجمل تداولًا عبر المنصات الاجتماعية كانت: “ألمانيا تعالج الحمير… وتتخلى عن الأطفال”.
من جهتها وجهت الصحف الألمانية اليسارية انتقادات قاسية للحكومة، حيث اتفق الأغلبية على شيء واحد هو؛ أن القصة كشفت تناقضا لا يمكن تجاهله.

