تلسكوب هابل يكشف عن أعجوبة سماويا محراث كوني يولد ملايين النجوم على شكل ذيل

الكون على اتساعه يميل إلى الحركة بشكل منحنيات، حيث تولد انفجارات النجوم أشكالا شبه كروية، والمجرات تشاهد على شكل دوائر قرصية أو دوامات، والغاز الكوني حين يتصادم يتقوس ويتموج مثل أمواج البحر، فهو لا يستقيم كأنه سكين من الضوء.

بناء على هذه الأسس المشاهدة شكل العلماء تصوراتهم عن ما يمكن مشاهدته في الكون؛ ولكن أثناء تفحص صور تلسكوب “هابل” عام 2023، عثر فريق بقيادة الفلكي “بيتير فان دوكوم” على أثر لا يشبه مجرة مألوفة ولا بقايا سوبرنوفا تقليدية؛ بل على شكل خط شديد الوضوح، حاد الحواف، كأنه مرسوم وسط فضاء يفترض أنه لا يرسم بهذه الطريقة.

العلم التجريبي لا ياخذ الغريب على أنه حقيقة مباشرة؛ بل يتم تحويله إلى سؤال؛ وهنا تسائل العلماء، هل هذه الصورة خدعة تقنية أم ظاهرة حقيقية؟.

هل هذا الشكل الذي ظهر على التسلكوب خلل في الحساس؟ أم تشويش في الإرسال؟ أم أثر جسيمات مشحونة أصابت الكاميرا؟ أو  انعكاس ضوء ما؟.

ولتحقق من كل ذلك تم اعادة قراءة البيانات، ومقارنة اللقطات، وجرى تنظيف دقيقة لاستبعاد العيوب المعروفة؛ وبعد هذه الاجراءات كلها، بقي الخط السماوي مرصودا في ذات الموقع، إذا هو جسم فلكي حقيقي.. فماهو هذا الكيان الغريب؟.

الفرضية الأولى: مجرة مسطحة

الفرضية الأولى رأت أنه ربما يكون مجرة قرصية، يرصدها التلسكوب من الحافة فتبدو كخط، كما يبدو الطبق حين ننظر إليه من الأعلى على شكل دائرة، وحين نرصده من الجانب نراه خطا.

الفرضية اصطدمت بحقيقة علمية؛ فالمجرات حين ترى من الحافة لا تضيء عادة بسطوع واحد؛ يتدرج الضوء وتبهت الأطراف، ويظل للوسط نصيب أوفر من اللمعان.

أما الخط المرصود فهو ساطع على امتداده بذات السطوع من أوله إلى آخره، وله رأس متوهج يشي بأن شيئا هناك يضغط الغاز أو يدفعه بعنف للوراء.

القياسات الطيفية تحسم الأمر

لجأ الفريق العلمي إلى القياسات الطيفية، للحصول على تفسيرات منطقية، لأن الصورة وحدها ترينا الشكل؛ أما الطيف فيخبرنا بالقصة.

تم الاستعانة بمرصدي “كيك” الأرضيين؛ وهو عبارة عن مرصدان يقعان على ارتفاع اكثر من اربعة آلاف متر على قمة “ماونا كيا” في هاواي، وفيهما مرايا رئيسية يبلغ قطرها عشرة أمتار ما يجعلهما أكبر مرصدين بصريين في العالم.

كان هدف العلماء من القراءة الطيفية هو الحصول على جواب للسؤال التالي: 

هل الخط الذي رصده التلسكوب مرتبط بمجرة قزمة تظهر قريبة منه؟، أم أنه تقاطع بصري على خط النظر؟.

القراءة الطيفية رصدت ما يعرف بـ”الانزياح الأحمر”، وتعريفه هو ضوء الأجسام البعيدة الذي يتمدد مع تمدد الكون، فينزاح لونه نحو الأحمر، ومقدار هذا الانزياح يشير إلى بعد الجسم وزمنه الكوني تقريبا.

وعندما ظهر تطابق قوي في الانزياح الأحمر بين الخط وتلك المجرة، صار من الصعب اعتبار الأمر مصادفة، فهما في المكان والزمن نفسيهما تقريبا.

بعد ذلك قدم تلسكوب “جيمس ويب” وهو التلسكوب الاحدث والاقوى الذي أطلقه البشر، ويمكن الاطلاع على معلومات مهمة عنه في مقطع الفيديو الذي نشرته على قناتي في اليوتيوب وعنوانه: 

الكون شاهد على عظمة الله من خلال الضغط هنا ..

أظهر “جيمس ويب” بيانات ادق وأشمل، وصورا أجمل وأوضح، وقياسات عن حركة الغاز وسرعته وحرارته وتركيبه.

كشفت البيانات أنه؛ عند مقدمة الخط السماوي، تصرف الغاز كما لو أنه يتعرض لضغط مفاجئ شديد، على شكل موجة كالتي تتشكل أمام طائرة تكسر حاجز الصوت، أو أمام مقدمة سفينة تشق مياه البحر.

هذه الموجة عبارة عن توقيع فيزيائي عند االعلماء، فهي دليل على جسم يمر بسرعة هائلة ويكبس الوسط أمامه، صدمة بهذه الشراسة، ليست مجرد مجرة، بل مقتحم شديد الكتلة.

وهو ما كشف ان الخط ليس مجرة مسطحة، بل أثر رحلة  ثقب أسود فائق الكتلة يهرب بسرعة عالية عبر سحب الغاز والغبار.

لكن الثقب أسود اللون غير مرئي، فلماذا نرى خطا مضيئا؟ فالثقب الأسود لا يرسل الضوء، الذي يضيء هو الغاز والمادة عندما تعامل معاملة عنيفة حيث تضغط وتسخن ثم تدفع نحو ولادة نجوم جديدة.

إذا هو عبارة عن “محراث كوني” إن صح الاصطلاح، يندفع خلال سحب غازية بسرعة كبيرة، وفي هذه الاثناء يضغط الغاز أمامه ويرفع حرارته فتظهر إشعاعات مميزة، وبعد مرور الصدمة، يبرد الغاز تدريجيا، ويفقد توازنه فينهار تحت جاذبيته.

النتيجة؛ نجوم تولد وتشتعل على طول المسار؛ عبارة عن نجوم فتية حارة تبدو زرقاء غالبا؛ هي التي تولد الخط المضيء، لهذا نحن لا نرى الثقب الأسود، ولكن الخط المضيء الذي نراه هو عبارة عن شريط من الحياة النجمية.

ثقب هارب من مجرته

هذا المحراث الكوني الهائل هو عبارة عن ثقب اسود هارب من مجرته، وهنا يطرح سؤال؛ كيف يهرب ثقب أسود فائق الكتلة من مجرته؟، علما أن الهروب هنا ليس مجازا؛ بل هو هروب ميكانيكي وفق معادلات الجاذبية المعقدة.

وقد فسر العلماء ذلك بالاحتمالات التالية:

الاول- عند اندماج مجرتين، يحمل كل منهما ثقبا أسود مركزيا، ومع الزمن يتشكل نظام ثنائي مستقر نسبيا بينهما، وإذا دخلت مجرة ثالثة تندمج بالتدريج، فيصبح النظام غير مستقر، وفي أنظمة الاندماج الثلاثية، تكون النهاية بطرد أحد الأجسام بطاقة هائلة، تعمل الجاذبية كمقلاع يقذف الأضعف إلى الخارج، وهذا الثقب الهارب هو المقذوف.

الثاني- عند اندماج ثقبين تنطلق موجات جاذبية، وإذا كان إطلاق الطاقة غير متناظر تماما، يحصل الثقب الناتج على ركلة تدفعه بسرعة كبيرة؛ إذا تجاوزت هذه السرعة سرعة الإفلات من المجرة، يغادر الثقب الأسود موطنه إلى الفراغ بين المجرات.

اكتشاف يغير المفاهيم

1-هذا الكشف يعيد ترتيب أفكار العلماء عن حقائق الكون، حيث أصبحت مسألة وجود ثقوب سوداء تائهة بين المجرات لم تعد مجرد تنبؤ رياضي؛ صار لها سند رصدي أوضح.

2-الفراغ بين المجرات ليس ميتا تماما؛ قد يحدث فيه ضغط وتشكل نجمي بفعل أجسام متطرفة.

3-الكشف يربط علوما متعددة ببعضها منها؛ تطور المجرات، اندماج الثقوب السوداء، موجات الجاذبية، وتاريخ تشكل النجوم.

وهكذا نصل الى اكتشاف مذهل يضعنا في حجمنا الطبيعي امام عظمة الله وجلال علمه، فالخيط المستقيم الذي بدا كأنه خدش على عدسة الكون قد يكون في الحقيقة أثرا نجميا؛ ثقب أسود فائق الكتلة اندفع كالرصاصة عبر سحب الغاز، فصدمها وضغطها، فتحولت خلفه إلى طريق معبد بالنجوم، وكأن الله يرينا أثر مرور مخلوق من مخلوقاته نعجز عن رؤيته بكل ما نملك من علم وتقنية وتكنلوجيا، فبدل ان نرى المار نفسه نرى اثره فقط، فسبحان من {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top