تسونامي اقتصادي يهدد العالم مع تصاعد حرب ايران واغلاق مضيق هرمز

يشهد العالم حالة اضطراب اقتصادي متسارع عقب التصعيد العسكري في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. 

التطورات الميدانية الأخيرة انعكست فورا على أسواق النفط والغاز والعملات والذهب، وأطلقت ما يمكن وصفه بتأثير الدومينو، الذي بدأ يضرب الأسواق العالمية تباعا.

هذا الوضع يضع الاقتصاد العالمي امامي احتمال تسونامي اقتصادي يجتاح العالم؛ مالم يتم احتواء الازمة.

فالمشهد يعكس ثلاث حقائق اقتصادية كبرى:

الطاقة ما زالت مركز النظام الاقتصادي العالمي.

الجغرافيا السياسية قادرة على تحريك الأسواق أسرع من البيانات الاقتصادية.

استمرار الإغلاق في مضيق هرمز لأكثر من أسابيع قد ينقل العالم إلى مرحلة تضخم جديدة.

فيما يلي قراءة منظمة للأحداث وفق تسلسلها الاقتصادي وتأثيرها المتسلسل:

إعادة تسعير المخاطر

إذا استمر التصعيد العسكري، فإن الأسواق لن تواجه تقلبات عابرة فقط، بل إعادة تسعير شاملة لمخاطر الطاقة والجغرافيا السياسية، قد تمتد آثارها إلى النمو العالمي وسلاسل الإمداد والاستقرار المالي؛ لعدة أسباب اجملها بالنقاط التالية:

1- صدمة الغاز الطبيعي المسال

تستحوذ قطر للطاقة على نحو 20٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، ما يجعل أي اضطراب في إنتاجها أو صادراتها ذا أثر فوري على الأسواق.

ومع استهداف منشآت الطاقة فيها وإعلانها وقف صادرات الغاز، شهدت الأسواق الأوروبية قفزة فورية حادة في أسعار الغاز، حيث سجلت العقود الآجلة ارتفاعات كبيرة خلال ساعات قليلة.

تقارير صادرة عن (Goldman Sachs) أشارت إلى أن أي تعطل طويل الأمد في الإمدادات عبر الخليج قد يدفع الأسعار الأوروبية إلى الارتفاع بأكثر من 100٪ في سيناريو الإغلاق الممتد.

النتيجة المباشرة لما تقدم

ضغط تضخمي جديد في أوروبا.

ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي.

زيادة أسعار الكهرباء والسلع الاستهلاكية.

2- مضيق هرمز عنق الزجاجة العالمي

يمر عبر المضيق حوالي 20 مليون برميل يوميا، هو يمثل خمس الاستهلاك العالمي من النفط.

التوترات العسكرية وتعطل حركة الناقلات خلقا مخاوف حقيقية من توقف الإمدادات. انعكس ذلك مباشرة على الأسعار:

خام برنت اقترب من مستويات 80–85 دولارا للبرميل.

تحذيرات من إمكانية تجاوز 100 دولار إذا استمر الإغلاق شهرا أو أكثر.

ووفق تحليلات (Bloomberg ) و(Goldman Sachs) فإن المخاطر الجيوسياسية قد تضيف ما بين 10 إلى 20 دولارا فوق السعر الفعلي للبرميل في حال استمرار التصعيد.

3- الصين وأوروبا الأكثر عرضة للخطر

الصين تستورد نسبة معتبرة من احتياجاتها النفطية من منطقة الخليج، وتشكل إيران موردا مهما ضمن هذه السلة. 

ورغم امتلاك بكين احتياطات استراتيجية، فإن استمرار الإغلاق سيؤدي إلى:

ارتفاع تكاليف الطاقة الصناعية.

ضغوط على سلاسل التوريد.

تباطؤ محتمل في النمو.

أما أوروبا، التي لم تتعاف بالكامل من أزمة الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، فقد تجد نفسها أمام ثالوث أزمة خانق:

ارتفاع الغاز، وارتفاع النفط، وعودة الضغوط التضخمية.

المفارقة الجيوسياسية هنا أن تقليص الصادرات الإيرانية قد يدفع الصين لزيادة مشترياتها من روسيا، ما يعزز الإيرادات الروسية ويعيد تشكيل توازنات سوق الطاقة عالميا، لتصبح موسكو الرابح الأكبر من هذه الحرب.

4- الذهب الملاذ التقليدي

في أوقات الأزمات الجيوسياسية يتجه المستثمرون إلى الذهب، وقد سجلت الأونصة ارتفاعا ملحوظا مع بداية التصعيد، مدفوعة بعمليات تحوط واسعة ضد التضخم والمخاطر الجيوسياسية.

غير أن صعود الذهب هذه المرة تزامن مع ارتفاع الدولار، ما حد نسبيا من وتيرة الارتفاع القياسي.

ارتفاع اسعار الطاقة؛ يعني تضخما أعلى في الولايات المتحدة، وهو ما يقلل من احتمالات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وهو ما سيؤدي الى:

قوة في مؤشر الدولار.

تدفقات مالية نحو الأصول الأمريكية.

خروج أموال ساخنة من بعض الأسواق الناشئة.

5- البورصات العالمية الخاسر الأول

في التداولات المبكرة اليوم، شهدت أسهم الطيران والسياحة تراجعات حادة، ومن من أبرز المتأثرين (Lufthansa) و (British Airways).

في المقابل، سجلت بعض شركات الصناعات الدفاعية ارتفاعات مؤقتة بفعل زيادة الطلب على أسهم قطاع التسليح.

6- دول الخليج العربي مخاطر وتحديات

تشير تقديرات (JPMorgan Chase) إلى أن استمرار التصعيد العسكري قد يخفض توقعات النمو في اقتصادات الخليج، خصوصا في قطاعات السياحة والخدمات.

والدول الأكثر تعرضا للضغط هي الإمارات بحكم مركزها المالي والسياحي، تليها البحرين وقطر والكويت نتيجة حساسية القطاع الخدمي.

ورغم أن ارتفاع النفط قد يعزز الإيرادات الحكومية، فإن عنصر عدم اليقين الأمني قد يضغط على ثقة المستثمرين.

سيناريوهات مستقبلية

فيما يلي ثلاثة سيناريوهات رئيسية وفق تقديرات مالية وتحليل ديناميكيات سوق الطاقة.

سيناريو متفائل: الاحتواء السريع 

حيث سيؤدي تدخل دبلوماسي دولي عاجل، إلى حلحلة الازمة العسكرية، والوصول الى صيغة توافقية لوقف إطلاق النار والتفاوض، ما يؤدي الى عودة حركة الناقلات تدريجيا خلال أيام أو أسابيع.

وتوقف استهداف منشآت إنتاج الطاقة الكبرى بشكل مستدام، وهو ما سينعكس على الفكر بحيث:

ثبات خام برنت عند نطاق 75–85 دولارا.

انحسار المخاطر الجيوسياسية؛ واستقرار أسعار الغاز في أوروبا، وعودة الهدوء في أسواق الذهب والعملات.

يخف الضغط على البنوك المركزية، خصوصا الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ما يسمح بمواصلة مسار خفض الفائدة التدريجي.

يمكنني القول أن؛ هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية دولية قوية، ويعد الأقل كلفة عالميا، لكنه مرهون بسرعة الاحتواء.

سيناريو متوسط التشائم: استمرار التصعيد المحدود 

ويفترض هذا السيناريو؛ استمرار وثبات التوتر العسكري دون إغلاق كامل طويل الأمد، مع استمرار استهداف متقطع للسفن أو تعطيل جزئي للممر الملاحي، وتضييق فترة عدم استمرار المخاطر الأمنية لشهر واحد فقط.

وستكون انعكاس هذا السيناريو على النحو التالي:

تداول النفط بين 95–110 دولارات للبرميل.

ارتفاع الغاز الأوروبي بنسبة قد تتجاوز 50–100٪ وفق تقديرات (Goldman Sachs).

بقاء الذهب فوق مستويات مرتفعة تحوطا من التضخم، مع قوة مستمرة للدولار.

عودة أوروبا لضغوط الطاقة والتضخم.

زيادة اعتماد الصين على روسيا وتحمل تكاليف إضافية.

ارتفاع إيرادات دول الخليج النفطية، بالمقابل تراجع الثقة الاستثمارية.

هذا السيناريو يخلق تضخما عالميا متوسط المدى دون انهيار شامل، لكنه يعيد الاقتصاد العالمي إلى أجواء أزمة الطاقة التي حدثت عام 2022.

السيناريو المتشائم: إغلاق دائم للمضيق 

الانعكاسات الاقتصادية المحتملة

قفزة لاسعار النفط إلى 130–150 دولارا للبرميل.

تضاعف أسعار الغاز في أوروبا.

موجة تضخم عالمية.

انهيار في أسواق الأسهم خاصة قطاع النقل والصناعة.

قفزات قياسية في الذهب.

ركود اقتصادي في أوروبا.

تباطؤ حاد في الصين.

ضغط كبير على الأسواق الناشئة.

اضطرار البنوك المركزية لتأجيل أي خفض للفائدة وربما العودة للتشديد.

إعادة تشكيل تحالفات الطاقة عالميا.

تسارع مشاريع الطاقة البديلة.

تقلبات حادة في العملات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top