ملخص تنفيذي
لا تكمن الأهمية الاستراتيجية للتطورات العسكرية الجارية في قبرص في عدد الطائرات أو السفن التي قد تستخدم منشآتها فحسب، بل في التحول المحتمل لوظيفة الجزيرة داخل منظومة الإسناد العسكري الغربي في شرق المتوسط.
فالتحديثات المعلنة في قاعدة أندرياس باباندريو الجوية في بافوس، وخطط توسيع قاعدة إيفانغيلوس فلوراكيس البحرية في ماري، والتعاون الدفاعي المتنامي بين نيقوسيا وواشنطن، تجري بالتوازي مع استمرار الوجود العسكري البريطاني في أكروتيري وديكيليا، ومع تصاعد أهمية شرق المتوسط بوصفه منطقة اتصال بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.
في 11 أكتوبر 2026، أفادت مجلة Janes (جينز) وهي إحدى أبرز المؤسسات الدولية المتخصصة في المعلومات والتحليلات المتعلقة بالدفاع والتسليح والشؤون العسكرية والأمنية، وتستخدم تقاريرها على نطاق واسع لدى العاملين في الصناعات الدفاعية، والمحللين العسكريين، والباحثين في شؤون الأمن والاستراتيجية؛ أفادت بأن وزارة الدفاع القبرصية تعاقدت على دراسة تصميمية مدتها عام لاستكشاف خيارات توسيع قاعدة ماري، بهدف توفير أرصفة لأكثر من ثماني سفن قتالية كبيرة وسفن دعم تابعة لبحريات دول صديقة، لكن المشروع ما زال في مرحلة الدراسة.
تبحث هذه الورقة في سؤال مركزي؛ إلى أي مدى يمكن أن يؤدي تحديث البنية العسكرية في قبرص إلى تغيير التوازن الاستراتيجي في شرق المتوسط، وما حدود تأثيره في حسابات تركيا حتى عام 2030؟.
وتختبر الورقة ثلاثة تفسيرات متنافسة:
اﻷول – التحديثات تستهدف أساسا الإجلاء والاستجابة الإنسانية وإدارة الأزمات.
الثاني – تؤسس تدريجيا لبنية إسناد غربية أوسع، ذات استخدامات مدنية وعسكرية مزدوجة.
الثالث – تمثل جزءا من اصطفاف إقليمي أوسع قد يفاقم شعور أنقرة بالضغط الاستراتيجي.
وتخلص الورقة إلى أن توسيع قدرة الإسناد والمرونة التشغيلية في قبرص احتمال مدعوم بالأدلة المتاحة، أما اعتبار هذه التحركات جزءا من خطة متكاملة لمحاصرة تركيا عسكريا فلا تثبته الوقائع المنشورة وحدها. ويتوقف المسار حتى 2030 على طبيعة الاستخدام الفعلي للمنشآت، والاتفاقات المنظمة لدخول القوات الأجنبية، ومستوى التنسيق بين قبرص واليونان والكيان الصهيوني المحتل لفلسطين والولايات المتحدة، ورد الفعل التركي، واتجاهات العلاقة بين أنقرة وحلف شمال الأطلسي.
أولا: إشكالية البحث وسؤاله المركزي
تتجاوز المسألة القبرصية حدود النزاع التاريخي على الجزيرة، لأن موقعها يمنحها قيمة عملياتية في إدارة الأزمات الممتدة من بلاد الشام إلى شمال أفريقيا، وفي دعم عمليات النقل والإجلاء والإمداد الجوي والبحري.
لكن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يتحول تلقائيا إلى نفوذ عسكري فعلي؛ إذ يتطلب ذلك بنية تحتية مناسبة، واتفاقات سياسية وقانونية، وقدرة على حماية المنشآت، وتوافر القوات والذخائر ووسائل القيادة والاتصال، فضلا عن خطوط إمداد قابلة للاستمرار.
من هنا تنشأ الإشكالية؛ هل تشهد قبرص تحديثا محدودا لقدراتها الوطنية لتصبح أكثر قدرة على إدارة الأزمات الإقليمية، أم يجري إدماجها بصورة أعمق في شبكة الإسناد العسكري الغربية، بما قد يغير البيئة العملياتية المحيطة بتركيا؟.
لا ينبغي اختزال السؤال في ثنائية مبسطة بين “قواعد إنسانية” و”قواعد هجومية”. فالمنشآت القادرة على استقبال طائرات النقل الثقيل أو سفن الدعم قد تخدم الإجلاء والإغاثة في الظروف العادية، وتوفر في الوقت نفسه إمكانات لوجستية مفيدة أثناء أزمة عسكرية. لكن قابلية الاستخدام المزدوج لا تثبت أن الاستخدام الهجومي هو الغرض الأساسي أو المقرر.
أسئلة فرعية
-ما الذي تغير فعليا في البنية الجوية والبحرية القبرصية، وما الذي لا يزال في مرحلة التخطيط؟.
-ما القيمة العملياتية التي يمكن أن تضيفها هذه المنشآت إلى الإسناد الغربي في شرق المتوسط؟.
-كيف تتفاعل هذه التطورات مع الوجود البريطاني القائم، والتعاون الدفاعي الأمريكي، وعلاقات قبرص الدفاعية مع اليونان والكيان؟.
-ما حدود تأثيرها في تركيا، التي تمتلك بدورها بنية عسكرية داخل أراضيها وفي شمال قبرص؟.
-ما المؤشرات التي يمكن مراقبتها للتمييز بين تحديث دفاعي وإغاثي، وبين اندماج أعمق في منظومة عمليات عسكرية إقليمية؟.
ثانيا: الفرضيات والتفسيرات المنافسة
تعتمد الورقة ثلاث فرضيات قابلة للاختبار بدلا من افتراض نتيجة مسبقة.
الفرضية الأولى: تعزيز القدرة الوطنية وإدارة الأزمات؛ وفق هذا التفسير، تهدف الاستثمارات القبرصية إلى تحسين قدرة الدولة على استقبال وإجلاء المدنيين، وتقديم المساعدات، وحماية المنشآت، ودعم عمليات الإغاثة والاستجابة للكوارث. وتدعم هذا التفسير تصريحات رسمية وتقارير عن تطوير مرافق لاستقبال مروحيات النقل الثقيل وطائرات النقل، وعن دور قبرص في إجلاء رعايا دول أخرى خلال الأزمات الإقليمية.
الفرضية الثانية: إنشاء بنية إسناد متعددة الاستخدامات؛ تفترض هذه القراءة أن الوظيفة الإنسانية لا تتعارض مع اكتساب المنشآت قيمة عسكرية إضافية، فزيادة قدرة الموانئ على استقبال سفن أكبر، وتطوير ساحات الطائرات ومرافقها، وتحسين الاستقبال والصيانة والإمداد، قد تجعل قبرص عقدة أكثر فاعلية ضمن شبكة إقليمية تستخدمها دول متعددة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود قواعد أجنبية دائمة.
الفرضية الثالثة: تشكل اصطفاف إقليمي يزيد الضغط الاستراتيجي على تركيا؛ ترى هذه الفرضية أن تحديث المنشآت لا يحدث بمعزل عن التعاون الدفاعي بين قبرص واليونان والكيان الغاصب، وعن التنافس البحري والطاقة والخلافات المتعلقة بقبرص. وهي فرضية تستحق الاختبار، لكنها تتطلب أدلة أقوى من مجرد تزامن المشروعات أو اشتراك الدول في تدريبات عسكرية؛ مثل وجود ترتيبات عملياتية مشتركة محددة، أو تمركز دائم، أو تخطيط معلن لمهام موجهة ضد تركيا.
لا تعد هذه الفرضيات متعارضة بالكامل؛ فقد تحقق المنشأة أكثر من وظيفة في آن واحد، والاختبار الحقيقي هو تحديد الوظيفة الغالبة، ثم قياس مقدار التغير الذي تحدثه في القدرة العملياتية، وليس الاكتفاء بتوصيف سياسي عام.
ثالثا: المنهج وحدود الاستدلال
تستخدم الورقة تحليلا نوعيا قائما على المصادر المفتوحة، والمقارنة بين التفسيرات، وبناء السيناريوهات، وتعامل البيانات الرسمية بوصفها المصدر الأفضل لتحديد ما أعلنته الحكومات أو قررته مؤسساتها، بينما تستخدم التقارير المتخصصة مثل Janes لتفصيل الجوانب الفنية، وتستخدم مراكز الدراسات الدفاعية لتحليل السياق الإقليمي والقدرات والمصالح.
ويجري الفصل بين أربعة مستويات من المعرفة:
1- واقعة موثقة: قرار أو اتفاق أو مشروع أعلنت عنه جهة رسمية أو أكدته مصادر مستقلة موثوقة.
2- تطور قيد التنفيذ أو التخطيط: مشروع بدأ الإعداد له، لكن قدرته النهائية أو موعد اكتماله لم يحسما.
3- استنتاج تحليلي: نتيجة محتملة تستخلص من جمع الوقائع، مع بقاء تفسيرات أخرى ممكنة.
4- سيناريو استشرافي: مسار مستقبلي مشروط بعوامل يمكن مراقبتها، وليس توقعا يقينيا.
وتتمثل حدود البحث في أن المصادر المفتوحة لا تكشف بالضرورة تفاصيل خطط الطوارئ العسكرية، أو الاتفاقات التشغيلية غير المنشورة، أو حجم المخزونات والقدرات الفعلية المتاحة في كل منشأة.
كما أن الإعلان عن مشروع لا يكفي وحده لتقدير كلفته النهائية أو جاهزيته أو معدل استخدامه، لذلك لا تقدم الورقة أرقاما احتمالية مصطنعة، ولا تعتبر الغياب في المعلومات المنشورة دليلا على عدم وجود ترتيبات سرية أو على وجودها.
رابعا: قبرص بوصفها عقدة إسناد، لا مجرد موقع جغرافي
تستمد قبرص قيمتها العسكرية من قربها النسبي من بلاد الشام، ووقوعها ضمن نطاق شرق المتوسط، وإمكان استخدامها نقطة عبور وإسناد بين أوروبا والشرق الأوسط. لكن الأهمية الجغرافية ليست ميزة قبرصية خالصة؛ فهي تتنافس مع قواعد وموانئ ومطارات أخرى في المنطقة، من بينها المنشآت التركية واليونانية والبريطانية، فضلا عن قواعد حلفاء غربيين في دول مجاورة.
وتبرز هنا قاعدة مهمة في التحليل العسكري:
القيمة العملياتية للمنشأة لا تقاس بموقعها وحده، بل بما تستطيع فعله، وبالوقت الذي تحتاجه لإنجاز المهمة، وبقدرتها على الاستمرار تحت الضغط.
فالمطار الذي يستطيع استقبال طائرة نقل ثقيل يختلف عن مطار قادر على استيعاب عمليات جوية مكثفة بصورة مستدامة.
والميناء الذي يستقبل سفينة حربية في زيارة عابرة يختلف عن قاعدة قادرة على توفير الوقود والصيانة والإمدادات والذخائر ووسائل الحماية لها.
وبين الحالتين مسافة كبيرة لا يمكن تجاوزها بمجرد الإعلان عن أعمال تطوير.
كذلك لا ينبغي النظر إلى البنية العسكرية القبرصية بمعزل عن منظومة الإسناد الإقليمية؛ فالعمليات الجوية والبحرية الحديثة تعتمد على توزيع الوظائف بين منشآت متعددة، بما يقلل الاعتماد على موقع واحد ويزيد المرونة في مواجهة الأعطال أو التهديدات، وقد تكون قيمة قبرص في هذا السياق أنها تضيف خيارا آخر إلى شبكة قائمة، لا أنها تحل محل القواعد الأكثر تجهيزا أو تصبح مركز قيادة رئيسيا بمفردها.
وتشير دراسة المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الصادرة في ديسمبر 2024 حول اضطرابات شرق المتوسط، إلى أن المنطقة تتسم بتداخل التنافس الجيوسياسي والخلافات البحرية والمصالح المرتبطة بالطاقة والعلاقات الدفاعية، كما تؤكد أن المشهد لا يخضع لهيمنة طرف واحد، وأن التعاون الإقليمي لا يلغي التنافس بين الدول.
وهذا مهم في قراءة قبرص: فالجزيرة جزء من بيئة استراتيجية متعددة المراكز، وليست منصة منفصلة تستطيع وحدها إعادة تشكيل موازين القوة.
خامسا: قاعدة ماري البحرية.. ما الذي يتغير فعلا؟
تعد قاعدة إيفانغيلوس فلوراكيس البحرية في ماري إحدى أهم النقاط التي ينبغي مراقبتها خلال السنوات المقبلة؛ ففي 11 أكتوبر 2026، نشرت Janes تفاصيل عقد دراسة تصميمية لمدة عام، أسند إلى ائتلاف هندسي يوناني، لاستكشاف خيارات توسيع مرافق القاعدة البحرية. ويتمثل الهدف المعلن في توفير قدرة رسو لأكثر من ثماني سفن قتالية كبيرة وسفن دعم تابعة لبحريات دول صديقة، مع تحديد العدد النهائي وأحجام السفن والمواصفات الفنية في مرحلة الدراسة.
هذه المعلومة مهمة، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فالمشروع، وفق ما نشر، ما زال في مرحلة الدراسة والتصميم؛ ولم تحسم بعد المواصفات النهائية أو الجدول الزمني للبناء. كما أن الحديث عن استيعاب سفن حليفة لا يعني أن هذه السفن ستتمركز في القاعدة بصورة دائمة، إذ أكدت المعلومات المنشورة أن استخدامها سيخضع لموافقة السلطات القبرصية.
وفي السياق نفسه، أشار تقرير Cyprus Mail إلى أن التطوير يشمل المرافق البحرية والأرصفة، مع تحسينات برية، وأن القاعدة لا تزال في وضعها الحالي مهيأة أساسا لاحتياجات البحرية القبرصية الصغيرة.
وذكر التقرير تقديرا من وزير الدفاع القبرصي بأن كلفة التوسعة المخطط لها قد تتجاوز 200 مليون يورو، وهو تقدير ينبغي التعامل معه بوصفه رقما معلنا للمشروع المخطط، لا كلفة نهائية مثبتة بعد اكتمال التصميم والتعاقدات.
ما القيمة العسكرية المحتملة؟
إذا نفذ المشروع وفق تصور يسمح باستقبال سفن أكبر، فقد يرفع قدرة قبرص على دعم الزيارات البحرية والتعاون مع القوات الصديقة، ويمنحها دورا أكثر فاعلية في عمليات الإجلاء والإمداد والاستجابة للأزمات. كما يمكن أن يوفر نقطة إسناد إضافية لسفن تحتاج إلى التوقف أو الحصول على خدمات لوجستية أثناء وجودها في شرق المتوسط.
لكن الانتقال من هذه الإمكانات إلى القول إن ماري ستصبح قاعدة أمامية دائمة للبحرية الأمريكية أو الفرنسية أو غيرهما يتطلب أدلة مستقلة؛ اتفاقات تمركز، أو ترتيبات استخدام مستمرة، أو عقود دعم وصيانة، أو إعلانا رسميا عن نمط التشغيل.
ويكتسب المشروع أهمية إضافية بسبب الحديث عن إنشاء مهبط للمروحيات الكبيرة في القاعدة، بما يسمح بدعم عمليات نقل الأشخاص وإجلائهم. وهذا مثال واضح على الاستخدام المزدوج للبنية التحتية؛ فهي ذات قيمة إنسانية مباشرة، ويمكن أن تفيد كذلك في النقل العسكري، لكن الاستخدام الممكن لا يساوي الاستخدام المقرر.
الاستنتاج المرحلي: تدعم المعلومات المنشورة فرضية تطوير القدرة البحرية القبرصية ورفع مرونة الإسناد في الجزيرة. وهي تدعم، بدرجة معقولة، احتمال توسع دور ماري في استقبال سفن حليفة. لكنها لا تثبت حتى الآن إنشاء قاعدة أجنبية دائمة أو تحويل المرفأ إلى مركز عمليات هجومية مخصص ضد تركيا.
سادسا: قاعدة بافوس الجوية؛ بين تحديث البنية وتغيير الوظيفة
تظهر قاعدة أندرياس باباندريو الجوية في بافوس بوصفها المسار الموازي للتطوير البحري، حيث أفادت Kathimerini/KNEWS في 15 سبتمبر 2026، بأن التحضيرات لتحديث القاعدة بلغت مرحلة متقدمة، وأن الأعمال قد تبدأ في ربيع 2027، مع هدف معلن يتمثل في تهيئة البنية لاستقبال الطائرات الأمريكية. لكن التقرير لم يقدم تفاصيل مكتملة عن أنواع الطائرات التي ستستخدم القاعدة، أو حجم الأعمال النهائية، أو ترتيبات التمركز المستقبلي.
وفي يونيو 2026، أشارت تصريحات وزير الدفاع القبرصي، وفق Cyprus Mail، إلى أن تحديث بافوس وتوسيع ماري جزء من مسار أوسع لتعزيز القدرات التشغيلية القبرصية ودعم المهمات الإنسانية وإدارة الأزمات، كما تحدثت التغطية عن أمل في بدء أعمال بافوس بحلول ربيع 2027، وهو موعد مستهدف لا ينبغي تقديمه بوصفه تاريخا نهائيا مضمونا.
أما في سبتمبر، فقد جددت واشنطن الإعفاء الذي يتيح استمرار توريد معدات وخدمات دفاعية أمريكية إلى قبرص خلال الفترة من أكتوبر 2026 إلى سبتمبر 2027. وذكرت التغطية أن الرئيس القبرصي تحدث عن مباحثات بشأن مشتريات دفاعية محتملة وتحديث البنية التحتية، من دون إعلان صفقة تسليح محددة في ذلك التصريح.
ويجب الفصل هنا بين ثلاثة مسارات مختلفة:
المسار اﻷول تحديث المطار: أعمال هندسية ترفع قدرته على استقبال أنواع معينة من الطائرات أو دعمها.
المسار الثاني التعاون الدفاعي: برامج تدريب وتبادل وخدمات ومشتريات بين قبرص والولايات المتحدة.
المسار الثالث التمركز العملياتي: وجود قوات أو طائرات أجنبية وفق ترتيبات محددة، دائمة أو دورية.
قد تتقاطع هذه المسارات، لكن تحقق أحدها لا يثبت تلقائيا تحقق الآخرين.
لماذا تهم بافوس عسكريا؟
يمكن أن يرفع تطوير المدارج والساحات والمرافق المساندة مرونة النقل الجوي والإجلاء، ويساعد على توزيع الأعباء بين المطارات الإقليمية. وفي الأزمات، قد تقلل هذه المرونة الاعتماد على منشأة واحدة، وتمنح القوات المشاركة خيارات إضافية لتغيير مساراتها أو إعادة توزيع مهماتها.
لكن القدرة على استقبال طائرات النقل ليست مساوية للقدرة على تشغيل حملة جوية قتالية واسعة. فالأخيرة تتطلب منظومة أكثر تعقيدا تشمل الوقود والذخائر والصيانة والاتصالات والقيادة والسيطرة والحماية الجوية، فضلا عن موافقات سياسية وقانونية. ولا تتوافر في المصادر المذكورة تفاصيل كافية للقول إن بافوس يجري تجهيزها لتكون قاعدة قتالية أمريكية متكاملة.
وعليه، فإن أكثر الاستنتاجات تحفظا هو أن بافوس قد تصبح منشأة أكثر فائدة للإسناد الجوي الإقليمي. أما طبيعة الاستخدام العسكري الذي ستؤديه فعليا، فتظل رهينة قرارات واتفاقات لم تعلن جميع تفاصيلها.
سابعا: الوجود البريطاني البنية القائمة التي لا يجوز تجاهلها
لا يبدأ الحضور العسكري الغربي في قبرص مع مشروعات ماري وبافوس؛ فبريطانيا تحتفظ بمنطقتين ذات سيادة بريطانية في أكروتيري وديكيليا، أبقي عليهما بموجب ترتيبات استقلال قبرص عام 1960. وتوضح مكتبة مجلس العموم البريطاني أن هاتين المنطقتين تشكلان جزءا مهما من البنية العسكرية البريطانية، وقد استخدمتا في سياقات عملياتية إقليمية خلال السنوات الأخيرة.
وهذا يفرض تمييزا جوهريا في التحليل؛ فالمرافق البريطانية ليست منشآت جديدة تنشأ بموجب اتفاقات قبرصية حديثة، بل وجود عسكري قائم على أساس قانوني وتاريخي مستقل عن مشروعات التحديث التي تنفذها جمهورية قبرص.
وتزداد أهمية هذا الوجود عندما ترتفع المخاطر الإقليمية. ففي مارس 2026، أفادت مكتبة مجلس العموم بأن قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري تعرضت لضربة بطائرة مسيرة في سياق التصعيد المرتبط بالحرب على إيران. وأشارت المكتبة إلى أن الحكومة البريطانية قالت إن القواعد لم تستخدم من القوات الأمريكية لتنفيذ الضربات على إيران، وإنها لن تستخدم لإطلاق ضربات على مصادر الصواريخ الإيرانية.
تكشف هذه الواقعة عن وجهين متعاكسين للقيمة الاستراتيجية.
فمن جهة، يمنح الموقع بريطانيا إمكانات مهمة لدعم عملياتها في المنطقة. ومن جهة أخرى، يجعل المنشآت عرضة لتداعيات النزاعات الإقليمية، ويزيد المخاطر الأمنية والسياسية على الجزيرة.
ومن منظور استشرافي، قد يؤدي هذا الواقع إلى زيادة الاستثمار في حماية القواعد وتوزيع الوظائف اللوجستية على أكثر من منشأة. لكن لا يمكن الجزم بأن كل تحديث في ماري أو بافوس جاء استجابة مباشرة للضربة التي تعرضت لها أكروتيري؛ فإثبات هذه العلاقة يحتاج إلى وثائق أو تصريحات صريحة تربط بين الحدثين.
ثامنا: هل تتشكل شبكة إسناد غربية جديدة في شرق المتوسط؟
يصبح السؤال أكثر تعقيدا عند جمع التطورات القبرصية في صورة واحدة… فهناك وجود بريطاني قائم، وتحديثات مرتقبة في بافوس وماري، وتعاون دفاعي أمريكي-قبرصي يتوسع تدريجيا، إلى جانب علاقات دفاعية بين قبرص واليونان والكيان. وفي المقابل، تمتلك تركيا بنية عسكرية كبيرة داخل أراضيها، وقواعد ومرافق استراتيجية، وموقعا مؤثرا في منظومة حلف شمال الأطلسي.
تؤكد خارطة الطريق الدفاعية الأمريكية-القبرصية للفترة 2024–2029 أن التعاون بين البلدين يشمل التدريب العسكري، والتبادل المعلوماتي، وقابلية العمل المشترك، والتعاون في الاستجابة للكوارث والإجلاء والعمليات الإنسانية. كما أشادت واشنطن بدور قبرص في استقبال رعايا دول ثالثة وإجلائهم خلال الأزمات.
هذه العناصر تشير إلى تعاون دفاعي حقيقي، لا إلى مجرد تقارب دبلوماسي. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الطرفين اتفقا على إنشاء بنية هجومية موجهة ضد تركيا. وللوصول إلى هذا الاستنتاج، ينبغي فحص طبيعة الاتفاقات، ونوع القدرات التي يجري توفيرها، وآليات القيادة والسيطرة، ونمط الاستخدام الفعلي للمنشآت.
يمكن هنا الاستفادة من مفهوم شبكة الإسناد متعددة العقد: أي توزيع وظائف النقل والاستقبال والصيانة والاتصال والحماية على مجموعة من المنشآت بدلا من الاعتماد على قاعدة واحدة. فإذا أصبحت قبرص أكثر قدرة على استقبال السفن والطائرات، فقد تضيف مرونة إلى هذه الشبكة حتى لو لم تستضف قوات أجنبية بصورة دائمة.
لكن يجب ألا نخلط بين ثلاثة مستويات:
التعاون السياسي والدفاعي: اتفاقات وتدريبات وتبادل معلومات.
التكامل اللوجستي: قدرة المنشآت على دعم قوات دول أخرى وفق ترتيبات محددة.
التكامل العملياتي: تخطيط مشترك لمهمات عسكرية، وقيادة وسيطرة منسقة، وتوافر قوات ووسائل قتالية في أدوار محددة.
الأدلة المتاحة تؤكد وجود تعاون دفاعي، وتدعم اتجاها نحو تطوير القدرات اللوجستية. أما مدى بلوغ التكامل العملياتي مستوى جديدا في قبرص، فيحتاج إلى متابعة وثائق ومؤشرات إضافية.
تاسعا: تركيا — بين الإحساس بالضغط والقدرة على مواجهته
لا يمكن قياس أثر التحديثات القبرصية من خلال النظر إلى الجزيرة وحدها. فتركيا ليست دولة هامشية تعتمد على منشأة واحدة في شرق المتوسط، بل تمتلك قوات جوية وبحرية وبرية كبيرة، وبنية دفاعية داخل أراضيها، وموقعا محوريا في حلف شمال الأطلسي، كما تتحكم بالمضائق التركية التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط، وتستضيف منشآت مهمة للحلف.
وتشير دراسة مركز الدراسات الشرقية البولندي، المنشورة في يوليو 2026، إلى أن تركيا ترى حلف شمال الأطلسي ركيزة أساسية لأمنها، وتسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على استقلالية قرارها الخارجي.
وتؤكد الدراسة أن البنية العسكرية للحلف داخل تركيا تشمل قيادة القوات البرية للحلف في إزمير، إلى جانب منشآت مهمة أخرى، وأن أنقرة تؤدي دورا في الجناح الجنوبي الشرقي للحلف.
هذا الواقع يضع حدا لأي قراءة تصور تركيا هدفا سلبيا لتحركات الآخرين؛ فأنقرة تملك خيارات للرد السياسي والعسكري، ويمكنها تعزيز التعاون الدفاعي مع أطراف مختلفة، وتطوير قدراتها المحلية، وتكثيف التدريبات، واستخدام حضورها في الناتو للتأثير في قرارات الحلف.
لكن امتلاك تركيا قدرات كبيرة لا يعني أن أي تحول في قبرص سيكون بلا أثر؛ فالتحدي قد لا يكون في قدرة المنشآت القبرصية على هزيمة تركيا عسكريا، بل في تأثيرها على البيئة العملياتية المحيطة بها: أي تقليل القيود اللوجستية على خصومها المحتملين، وتسهيل التنسيق بين دول تتعارض بعض مصالحها مع أنقرة، وتوفير خيارات إضافية أثناء الأزمات.
ومن منظور التخطيط العسكري، لا يشترط أن تكون المنشأة الجديدة قادرة على تغيير ميزان القوة الإجمالي كي تكون ذات قيمة؛ فقد تؤثر في سرعة الاستجابة، أو مرونة الانتشار، أو القدرة على الاستمرار، أو كلفة العمليات. وهذه تأثيرات أكثر تحديدا وقابلية للفحص من القول إن قبرص ستقلب التوازن العسكري وحدها.
وفي الوقت نفسه، فإن علاقة تركيا بالناتو تجعل المشهد أكثر تعقيدا من صراع بين «الغرب» وتركيا. فبعض الدول الغربية قد تتعاون مع قبرص واليونان في ملفات محددة، بينما تعتمد في ملفات أخرى على تركيا بوصفها عضوا في الحلف وصاحبة موقع جغرافي مهم. ويؤكد تحليل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن شرق المتوسط منطقة تنافس متداخل، لا كتلة استراتيجية موحدة تتحرك بإرادة واحدة.
لذلك، فإن فرضية الضغط المتزايد على تركيا أقوى من فرضية الحصار المكتمل، لكن حتى هذه الفرضية ينبغي قياسها عبر تطورات ملموسة، لا عبر الخطاب السياسي وحده.
عاشرا: اختبار فرضية “التطويق” — ما الأدلة التي نحتاج إليها؟
لاختبار الفرضية بصورة منضبطة، ينبغي البحث عن أدلة من خمسة أنواع.
أولا: التمركز المستمر. هل توجد اتفاقات معلنة تسمح بوجود قوات أو طائرات أو سفن أجنبية بصورة دائمة أو شبه دائمة في المنشآت القبرصية؟ أم أن الاستخدام سيظل مرتبطا بالزيارات والتدريبات والأزمات؟
ثانيا: طبيعة التجهيزات. هل تقتصر الأعمال على استقبال النقل والإجلاء والدعم اللوجستي، أم تشمل قدرات قتالية متخصصة ومخزونات وتسليحا وبنية قيادة وسيطرة تدل على مهام أكثر اتساعا؟ لا تكفي قدرة المطار على استقبال طائرة كبيرة لإثبات أنه قاعدة عمليات جوية قتالية.
ثالثا: التخطيط المشترك. هل تظهر وثائق أو بيانات رسمية عن خطط عمليات مشتركة، أو توزيع أدوار، أو آليات تنسيق عسكري بين قبرص ودول أخرى في سيناريوهات محددة؟
رابعا: نمط الاستخدام الفعلي. هل تتكرر الزيارات البحرية والجوية بصورة دورية، وهل تتوسع الخدمات المقدمة للقوات الأجنبية، وهل تتغير طبيعة الأنشطة من تدريب وإغاثة إلى دعم عمليات قتالية؟
خامسا: رد الفعل التركي. هل يقتصر على تصريحات سياسية واعتراضات دبلوماسية، أم يترافق مع تغييرات قابلة للرصد في الانتشار العسكري، أو التدريبات، أو منظومات الدفاع، أو الاتفاقات الإقليمية؟
إذا تراكمت أدلة موثوقة في هذه المجالات، يصبح من الممكن الانتقال من الحديث عن إمكانات إسناد إضافية إلى تقييم أكثر قوة بشأن تغير التوازن العسكري. أما في المرحلة الحالية، فتسمح الوقائع المنشورة بالحديث عن تطوير بنية الإسناد والتعاون الدفاعي، لكنها لا تحسم وجود منظومة متكاملة هدفها المباشر تطويق تركيا.
الحادي عشر: السيناريوهات الاستراتيجية حتى 2030
لا تبنى السيناريوهات التالية على افتراض أن أحد المسارات سيحدث حتما، بل على اختلاف القرارات السياسية، ومستوى التنفيذ، وطبيعة الأزمات الإقليمية.
السيناريو الأول: تحديث دفاعي ولوجستي محدود .. المسار الأقل تصعيدا
تستكمل أعمال التطوير تدريجيا، مع بقاء الأولوية المعلنة للاستجابة الإنسانية والإجلاء وحماية المنشآت والتدريب. وتستخدم القوات الأجنبية مرافق قبرص وفق ترتيبات متقطعة أو محددة، دون ظهور تمركز دائم واسع.
ما الذي يرجحه؟ استمرار الخطاب الرسمي المرتبط بإدارة الأزمات، وعدم الإعلان عن ترتيبات تمركز جديدة، وبقاء المشروعات في إطار رفع القدرة القبرصية الوطنية.
الأثر في تركيا: ارتفاع محدود في مرونة الإسناد الغربي، مع بقاء التوازن العام قائما على عوامل أوسع بكثير من البنية القبرصية.
السيناريو الثاني: اندماج أعمق في شبكة إسناد إقليمية .. مسار التحول التدريجي
تستكمل مشروعات ماري وبافوس، وتتوسع ترتيبات التدريب والتنسيق والخدمات اللوجستية، وتصبح الجزيرة أكثر استخداما في عمليات متعددة الجنسيات. وقد يظل هذا التطور قائما على التناوب والاتفاقات المؤقتة بدلا من إنشاء قواعد أجنبية دائمة.
ما الذي يرجحه؟ تنفيذ المشروعات وفق جداول واضحة، وتكرار استخدام المنشآت من قوات حليفة، وظهور اتفاقات محددة لخدمات الدعم والاستقبال والتنسيق.
الأثر في تركيا: زيادة الضغط العملياتي والسياسي في بعض الأزمات، وارتفاع حساسية أنقرة تجاه التعاون الدفاعي بين قبرص واليونان وإسرائيل، من دون أن يعني ذلك تلقائيا نشوء حصار عسكري.
السيناريو الثالث: أزمة إقليمية تسرع العسكرة .. مسار التصعيد
يؤدي اندلاع أزمة كبيرة أو اتساع صراع إقليمي إلى زيادة استخدام المنشآت القبرصية في نقل القوات والإمدادات أو دعم عمليات عسكرية. وقد يدفع ذلك تركيا إلى تعزيز إجراءاتها العسكرية والدبلوماسية في محيط الجزيرة.
ما الذي يرجحه؟ تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة، وصدور قرارات رسمية باستخدام مرافق قبرص لدعم عمليات محددة، وتغير ملموس في وتيرة الانتشار والتدريبات والتحركات البحرية والجوية.
الأثر في تركيا: تزايد المخاوف من استخدام البنية القبرصية لدعم عمليات تؤثر في المصالح التركية، مع احتمال ارتفاع مخاطر سوء التقدير والاحتكاك. لكن هذا السيناريو يعتمد على وقوع أزمة وشروط سياسية وعسكرية لا يمكن الجزم بها مسبقا.
لا تضع هذه الورقة نسبا رقمية لكل سيناريو؛ إذ لا تتوافر قاعدة بيانات كمية كافية تبرر احتمالات دقيقة. والأفضل مهنيا هو تحديث التقدير مع ظهور مؤشرات جديدة، بدل إعطاء أرقام تبدو علمية لكنها غير مستندة إلى نموذج قابل للفحص.
الثاني عشر: النتائج الرئيسية وحدودها
تسمح الأدلة المتاحة باستخلاص خمس نتائج رئيسية.
النتيجة الأولى: هناك اتجاه معلن نحو تطوير البنية الجوية والبحرية في قبرص. وقد انتقل مشروع ماري إلى مرحلة الدراسة التصميمية، فيما تشير التقارير إلى استعدادات لتحديث بافوس. لكن حجم القدرات النهائية والجدول الزمني للتنفيذ لا يزالان غير محسومين بالكامل.
النتيجة الثانية: يتجاوز التعاون الأمريكي-القبرصي التصريحات السياسية، إذ يستند إلى خارطة طريق دفاعية وبرامج تشمل التدريب والتعاون المعلوماتي والاستجابة للأزمات. لكن هذه البرامج، كما وردت في الوثائق المنشورة، لا تثبت وحدها وجود اتفاق على تمركز عسكري أمريكي دائم في المنشآت التي يجري تحديثها.
النتيجة الثالثة: قد ترفع المنشآت المحدثة قيمة قبرص بوصفها عقدة إسناد إقليمية، خصوصا إذا تحسنت قدرتها على استقبال سفن أكبر وطائرات نقل ثقيل. غير أن القيمة الفعلية ستعتمد على نوع التجهيزات، والخدمات المتاحة، والحماية، والاتفاقات السياسية، لا على الموقع الجغرافي وحده.
النتيجة الرابعة: تمتلك تركيا أسبابا لمراقبة هذه التحولات، بالنظر إلى خلافاتها مع قبرص واليونان وتنافس المصالح في شرق المتوسط. لكن وصف التحركات بأنها “تطويق عسكري” يظل استنتاجا يتطلب إثبات وجود نية متماسكة وتكامل عملياتي يتجاوز تحديث المنشآت وتعزيز التعاون الدفاعي.
النتيجة الخامسة: لا يمكن فصل المسار القبرصي عن بنية التنافس الأوسع في شرق المتوسط، حيث تتداخل العلاقات الدفاعية والنزاعات البحرية والطاقة وأدوار القوى الخارجية. وتؤكد تحليلات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن المنطقة لا تخضع لمعادلة قوة واحدة أو اصطفاف ثابت؛ وهو ما يجعل السيناريوهات المشروطة أكثر فائدة من التوقعات القطعية.
لا تدعي هذه النتائج أن جميع جوانب المسألة قد حسمت. فالمعلومات المنشورة لا تكشف بصورة كاملة ترتيبات التشغيل المستقبلية، ولا تفاصيل العقود الفنية، ولا طبيعة الخطط العسكرية التي قد تبقى سرية. لذلك ينبغي التعامل مع النتائج باعتبارها تقديرا استراتيجيا قابلا للمراجعة، لا حكما نهائيا على نوايا الدول.
الخاتمة: ما الذي يمكن أن يتغير بحلول 2030؟
لا تكمن المسألة الأساسية في ما إذا كانت قبرص ستصبح قاعدة عسكرية غربية؛ فالوجود البريطاني قائم بالفعل، والتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة يتطور، ومشروعات التحديث الجديدة معلنة.
السؤال الأهم هو ما الوظيفة التي ستؤديها المنشآت بعد تطويرها، ومدى انتظام استخدامها من القوات الأجنبية، وما إذا كانت ستتحول من مرافق محدودة القدرة إلى عقدة إسناد أكثر تكاملا في شرق المتوسط.
إذا اقتصرت التحديثات على تحسين القدرة القبرصية على الإجلاء والإغاثة والتعاون الدفاعي، فسيكون أثرها العسكري محدودا نسبيا، وإن ظلت لها قيمة استراتيجية. أما إذا اقترنت بتوسيع خدمات الإسناد، وتكرار الاستخدام العسكري، وترتيبات تشغيل أكثر انتظاما، فقد تزداد أهمية قبرص في توزيع الأعباء والخيارات العملياتية للقوى الغربية في المنطقة.
وفي حال اندلاع أزمة إقليمية كبيرة، يمكن أن تتسع الوظيفة العسكرية للمنشآت بفعل الضرورة والقرارات السياسية، حتى إن كانت مبررات تطويرها الأصلية تشمل أهدافا إنسانية. لكن هذا الاحتمال لا ينبغي تحويله إلى حقيقة مسبقة؛ فهو مسار مشروط بأحداث وقرارات لم تقع بالضرورة.
بالنسبة إلى تركيا، فإن التحدي الأرجح ليس أن تؤدي قبرص وحدها إلى تغيير ميزان القوى العسكري، بل أن تضيف إلى محيطها الاستراتيجي مزيدا من الخيارات اللوجستية والتنسيقية التي قد تستفيد منها دول تختلف معها في بعض الملفات. ويظل حجم التأثير مرهونا بما ستضيفه المنشآت فعليا، وكيف ستستخدم، وما إذا كانت العلاقات الدفاعية الإقليمية ستتجه إلى تعاون محدود أم إلى تكامل عملياتي أعمق.
والخلاصة الأكثر انضباطا هي أن شرق المتوسط يشهد تعزيزا محتملا لبنية الإسناد الغربي، وقبرص مرشحة لاكتساب دور أكبر فيها؛ أما تحول هذا المسار إلى منظومة تطويق عسكري لتركيا، فلا يزال فرضية تحتاج إلى أدلة إضافية واختبار مستمر حتى عام 2030.
المصادر الأساسية للبحث
1. Janes — المصدر الفني الأساسي بشأن قاعدة ماري
11 أكتوبر 2026
يشرح عقد دراسة التوسعة، والطاقة الاستيعابية المستهدفة، والمرحلة التي وصل إليها المشروع.
Cyprus launches study to expand naval base for larger ships, unmanned systems
2. Cyprus Mail — تفاصيل مشروع التوسعة
11 أكتوبر 2026
تغطية مساندة بشأن السفن المستهدفة، وتقديرات الكلفة، والمرحلة التصميمية.
Mari naval base expanding to host more than eight allied warships
3. Kathimerini/KNEWS — تحديث قاعدة بافوس
15 سبتمبر 2026
تقرير عن التحضيرات لتحديث القاعدة والموعد المحتمل لبدء الأعمال.
Cyprus moves to upgrade Paphos air base for US aircraft
4. وزارة الدفاع القبرصية — الأهداف الرسمية لعامي 2026–2027
مصدر حكومي لتتبع الأهداف المعلنة بشأن ماري وبافوس وتطوير التعاون الدفاعي.
الأهداف المعلنة لوزارة الدفاع القبرصية
5. وزارة الخارجية الأمريكية — خارطة الطريق الدفاعية 2024–2029
مرجع رسمي لنطاق التعاون الأمريكي-القبرصي في التدريب والتبادل المعلوماتي والاستجابة للأزمات.
Joint Statement on the First Strategic Dialogue Between the Republic of Cyprus and the United States
6. مكتبة مجلس العموم البريطاني — القواعد السيادية البريطانية
مرجع لتاريخ القواعد البريطانية في قبرص، ووضعها القانوني، واستخداماتها الإقليمية.
The UK Sovereign Base Areas in Cyprus: Status and recent developments
7. المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) — السياق الإقليمي
دراسة مرجعية عن الجغرافيا السياسية والأمن والطاقة والعلاقات الدفاعية في شرق المتوسط.
Turbulence in the Eastern Mediterranean: Geopolitical, Security and Energy Dynamics

