تأملات في سورة الكهف.. لا أحد فوق التأديب

حين وصلت المعركة بين الحق؛ ممثلاً بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم لمشركي قريش، والباطل ممثلاً في تيار الممانعة الذي يأبى الاصغاء إلى صوت الوحي الداعي إلى التغيير، حين وصلت المواجهة ذروتها بإصرار الفريق الأخير على منع الناس من اتباع هذه الدعوة الإصلاحية، سالكاً لبلوغ هذه الغاية كل السبل؛ ومنها الاستعانة بأهل الكتاب وما عندهم من علم ومعرفة وإطلاع على أصول مثل هذه الدعوات، أوفدت قريش إلى يهود المدينة رسلاً يسألونهم عن خبر محمد صلى الله عليه وسلم، لعلهم يجدون عندهم ما يساعدهم على حرب الدعوة وإبطال حججها.

وقد بذل الحلفاء اليهود النصح مخلصين، وقدموا على طبق من ذهب ما يغلب على ضنهم أنها ستكون الأسئلة الدامغة، التي تكشف من يدعي ممن يأتيه خبر السماء، فاقترحوا السؤال عن؛ فتية الكهف، والرجل الطواف في الأرض، وعن ماهية الروح وكنهها.

وعاد الوفد إلى قريش محملاً بفصل ما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا لقومهم: يا معشر قريش قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها، فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخبركم غدا عما سألتم عنه) ولم يعلّق الأمر بمشيئة الله تعالى واثقاً من صلته بربه، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم *خمس عشرة* ليلة لا ينزل عليه الوحي ولا يأتيه خبر السماء، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة ليلة، وقد أصبحنا فيها ولا يخبرنا بشيء عما سألناه، فشق هذا الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم، *أيما ما مشقة حتى بلغ به الحزن مبلغه، خصوصاً بعد أن بلغه ما يتكلم به أهل مكة* .

وقفة تأمل

وما أن مضت الليالي الخمس عشرة ثقيلة كئيبة على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جائه جبريل من الله عز وجل بسورة *الكهف* تجيب عن الأسئلة المطروحة، متضمنة سبب التأخير في النزول، بقول الله تعالى *ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله* *واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا* .

إنه التأديب الرباني، للنبي النوراني، كي يستقيم على منهجية العقيدة الصافية المتجردة، التي ترد الأمر كله لله، دون أن يكون لأحد من البشر قدرة على يتدخل في حكم الله في الزمان والمكان وتقدير الموقف والمصلحة، حتى لو كان نبياً هو أصفى الأنبياء والمرسلين، وحبيب رب العالمين،

وإن كانت الموقعة هي معركة فاصلة بين الإيمان والكفر، وتحدي المصداقية بين الحق والباطل، ليس مهما عند الرب كل تلك الملابسات والتعقيدات التي تعظمها أفهامنا البشرية، فهي وإن عظمت عندنا؛ إلا أنها عند الله أهون من أن تكون سبباً في عدم وضع الأمور في نصابها العقدي الصحيح.

ولو ترك الأمر لتفكير أحادنا، وتقدير عقولنا البشرية، لقال أما كان الأولى أن نتفرغ للمعركة الفاصلة، ثم بعد تحقيق النصر نعود لتعديل مسارات التصورات العقدية وتصحيح المسارات الفكرية، أي خطر ذاك الذي أحدق بالدعوة والداعي وأهل الباطل يدندنون في المجالس بأباطيلهم؟ ويصدون الناس عن سبيل الله بأقاويلهم وادعاءاتهم!.

ويبقى تقدير الله تعالى وتدبيره وحكمته؛ أعلى من قدرة عقولنا على فهم الملابسات وتقدير الأولويات، فيأتي التأديب الرباني في التوقيت المختار لنبيه صلى الله عليه وسلم، حتى تتأدب الأمة من بعده بذاك الأدب الجم، وتلك العقيدة الصافية الصحيحة، التي تفصل ماهو لله وما هو لغيره، أياً كان مقام المعني بالوقائع من بني آدم.

درس تربوي بليغ

بعد أن نقل لنا النبي صلى الله عليه وسلم بكل أمانة إرشاد اللّه تعالى له وتصحيحه لما عنده من مفاهيم، فيما إذا عزم على فعل شيء في المستقبل أن يرده إلى مشيئة اللّه عزوجل علام الغيوب؛ في قرآن يتلى حتى قيام الساعة، وفق تأديب راقي وتوجيه كريم، لايمكن لأحد أن يأنف أن يكون متربياً مهما علا مقامه وسمت مكانته في علوم الشرع أو الدين او مراتب الحياة المدنية، إذ يبقى الإنسان في حاجة إلى ما يزكي به نفسه، ويعدل به مساره، ويهذب به عقله وفكره.

فحاجتنا للتربية حاجة ماسة تفرض وجودها معنا عند الميلاد، وترافقنا حتى الممات، فالإنسان وأن بلغ في العلم شئواً، وفي الفهم مقاماً، وفي المكانة والمناصب منزلة، لابد له من سنة النسيان؛ إذ قيل إنه إنما *سمي إنساناً لأنه ناسي* ، وهنا نجد قول الله تعالى مُثبتاً هذه الحقيقة، حين يقول للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم *وذكر ربك إذا نسيت* .

وهكذا تأخذنا الكهف في كل جمعة ونحن نطبق سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلى أجوائها المفعمة بالمعاني الجميلة، والتوجيهات الجليلة، فنقف عند أبواب النبي صلى الله عليه وسلم في قلقه من تأخر الوحي وقد أخذته الأفكار والهواجس أيما مأخذ، وعند استدراك الله تعالى عليه بالجواب مشفوعاً بآية التأديب، فتخشع أرواحنا في محاريب الربوبية، ونراجع كل الدروس التي مرت على حياتنا، فالرب لايزال معنا في تأديب وتربية ما تصاعدت الأنفاس وتدفقت الزفرات، وفي كل *تدبير وتقدير، ومصيبة ومحنة، ومنحة وعطية، وقبض وبسط، وخفض ورفع*، درس من دروس التأديب، وذلك من معاني الاسم الأجل الأكرم *الرب* الذي قال عنه بعض أهل العلم أنه الاسم الأعظم، لقدر ما فيه من صلة بين العبد وربه، ولحجم ما فيه من *رعاية وهداية ومحبة* وقد يربي الرب عبده بأن يبعث له من يخلص في النصح، ويصدق في الصحبة، ويهدي العيوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top