أحدث تولي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح مقاليد الحكم في نهاية عام 2023، تغييرا بنيويا في الدولة الكويتية وتوجهاتها العامة، تتماهى مع المتغيرات السياسية التي يتم التخطيط لها منذ مطلع الألفية في منطقة الشرق الأوسط، والتي تسعى لتذليل العقبات أمام تكريس مركزية الكيان الصهيوني المحتل لدولة فلسطين، والتأسيس لما يسمى بـ “إسرائيل” الكبرى بناء على نصوص التوترات المحرفة التي لا تمت بصلة لنبي الله موسى عليه السلام.
بدأت التغييرات الكبيرة هذه في بنية الحالة السياسية للبلاد، حيث تم تجميد، عمل مجلس الأمة، وتعليق الحياة البرلمانية والسياسية، وبالرغم من أن هذا الحدث ليس الأول من نوعه في البلاد؛ إلا أنه الأول في سياقه، ففي المرات القليلة التي لجات الامارة فيها الى هذا الاجراء جاءت في سياق توترات ومماحكات سياسية، إلا أنها في هذه المرة تأتي في سياق توجهات إقليمية توافقت على تقييد الحريات العامة، ومحاربة التيار الإسلامي بدوافع إيدلوجية، على اعتبار انه تيار الممانعة الوحيد المتبقي في المنطقة.
إعادة تعريف المواطن
عبر تجارب العقود الماضية في بلدان الشرق الأوسط، فإن السلطات عادة ما تقوم بإجراءات حادة في طريق تكريس الدكتاتورية، بهدف استطلاع رد فعل الساحة؛ أو كبالون اختبار إن صح التعبير، وحين يستمرئ المجتمع السياسي والمدني والعشائري هذه الإجراءات ولا يسجل أي رد فعل يمكن ان يشكل ضغطا على السلطة او تهديدا ولو شكليا لها، فإنها تمضي قدما في مشروعها غير مكترثة؛ مستندة لتقيمها للفعاليات السياسية والاجتماعية باعتبارها “بلا وزن” نسبي في الميدان.
وهكذا مضت الحكومة الكويتية في مشروعها المتدرج، فانتقلت من تقييد الفضاء السياسي إلى تقييد الفضاء الاجتماعي، من خلال إعادة تعريف المواطنة، وترسيخ مفهوم جديد للهوية الوطنية من خلال إعادة تعريف المواطن الكويتي “الحقيقي” وفق معايير جديدة تستند إلى الانتماء الفكري أو الديني المطابق لتوجه الدولة، فبدأت بإعادة مراجعة واسعة لملفات التجنيس، بدعوى استهداف مزدوجي الجنسية، ومتابعة الغش أو التزوير، أو من حصلوا على الجنسية بطرق غير مشروعة.
بهذا السياق يمكن فهم قرار سحب الجنسية من الدكتور طارق السويدان وغيره، لا باعتباره حدثا معزولا، بل هو نقطة مفصلية تعبر عن اتجاه سياسي يسعى لضبط المواطنة، والهوية، والانتماء، ولعل الهدف الابعد هو تهميش أجندات فكرية ودينية مصنفة على أنها حجر العثرة في طريق التحويل نحو الشرق الأوسط الجديد.
نماذج إقليمية
ولكي لا يكون كلامي مرسلا؛ قمت بجمع شواهد إقليمية سابقة انصبت بذات الاتجاه، وسارت الكويت في ذات مساقاها الاجرائي.
أولا- 2011–2020 محاصرة جماعة الإخوان وضبط المجال الديني في الإمارات
بدأت دولة الامارات إجراءاتها بـ
أ-سحب جنسيات ناشطين وحقوقيين محسوبين على تيار الإصلاح.
ب-سجن النشطاء الإسلاميين، واستخدام القضاء لإصدار احكام قاسية ضدهم.
ج-تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية.
د-إغلاق مؤسسات خيرية وإعلامية لها خلفية إسلامية.
هـ-وضع استراتيجية “الأمن أولا” لضبط الخطاب السياسي والديني.
أوجه الشبه مع الكويت:
-اعتبار النشاط الديني السياسي تهديدا للأمن الوطني.
-ربط الجنسية بالولاء السياسي الكامل.
-التضييق على الجمعيات الخيرية والتيارات ذات التوجه الإسلامي، وربط العمل الأهلي بالدولة.
ثانيا-2012–2017 استخدام سحب الجنسية كأداة سياسية في البحرين
اتخذت البحرين إجراءات مشابهة بعد الامارات فباشرت بالخطوات التالية:
أ-سحب جنسيات عشرات الناشطين والمعارضين أغلبهم من التيار الشيعي المعارض.
ب-التركيز على سردية “الأمن القومي” والتوسع من خلالها في اسقاط الجنسية دون حكم قضائي.
أوجه الشبه مع الكويت:
-التشابه في استخدام الجنسية كأداة لحسم الصراع السياسي مع المعارضة.
مع وجود خلاف شكلي، بطبيعة التيار المستهدف، فالبحرين استهدفت المعارضين الشيعة، بينما الكويت تستهدف إسلاميين سنة محسوبين على جماعة الاخوان المسلمين.
ثالثا- 2017 ضبط الخطاب الديني واحتواء الإسلام السياسي في السعودية
منذ تولي محمد بن سلمان ولاية العهد، ومقاليد السلطة عمليا، سعت الرياض لإحداث تحولات جذرية بالمشهد السياسي والاجتماعي في البلاد واهم ملامحه:
أ-تقييد نفوذ التيار الإسلامي الحركي بشقيه “الاخواني” و “السلفي”.
ب-تجميد نشاط المؤسسات الخيرية ذات التوجه الإسلامي.
ج-الحد من الخطاب الديني غير الرسمي.
د-الزج بالدعاة والمصلحين في السجون.
هـ- أ-تصنيف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية.
مع الإشارة إلى أن السعودية سبق أن منعت السويدان من دخول أراضيها، دون وجود سبب واضح لهذا المنع، وشمل المنع الدخول للديار المقدسة لأداء المناسك، رغم ان هذا الأخير لا يعد حقا للسعودية.
رابعا- 2013 مصر النموذج الأكثر تشددا
مصر كانت الرائدة في تطبيق توجهات الشرق الأوسط الجديد، لما لها من ثقل سياسي، وكونها اهم دول الطوق، وشملت إجراءاتها:
أ-تصنيف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية، وتجريم الانتماء لها.
ب-محاكمة قيادات سياسية وسجنهم، وفصل موظفين من الدولة.
ج-إصدار تشريعات تسمح بسحب الجنسية في الحالات التي تمس “الأمن الوطني”.
ختاما:
لابد من الإشارة إلى أن الدول التي ذكرتها آنفا كنموذج لمسار موحد تسير عليه المنطقة، أودعت النشطاء والسياسيين وخصوصا من الإسلاميين في سجونها، ولازالوا كذلك بعضهم بمحاكمات صورية وبعضهم الآخر بدونها.
والراجح عندي أن الكويت ستفعل ذلك في المدى القريب المنظور، مالم تتحرك الفعاليات الاجتماعية والسياسية والحزبية في مسار المقاومة السياسية السلمية، ومالم تشعر السلطة بالتهديد، عبر تحريك الفواعل الداخلية، والمفاعيل الخارجية المرتبطة بالقوانين الدولية متمثلة بالمواثيق والعهود التي تنظم وتحافظ على حق الافراد في الحياة الكريمة، ومواثيق حقوق الانسان التي وقعت عليها دول المنطقة دون ان تلتزم بها او تجد من يطالبها بالالتزام بها.


اللهم فرج عن كل معتقل وكل مهموم وازل حكم الطغاة المستبدين