انتخابات لندن 2026 بين سجال عبدي والي وزاك بولانسكي وسط الجدل حول القضية الفلسطينية والصهيونية

 انتخابات لندن 2026: هل أعادت فلسطين رسم التحالفات بين حزب العمال والخضر؟

فازت سجال عبدي والي بمقعد كير ستارمر السابق، إلا أن زاك بولانسكي فرض نفسه منافسا بارزا لحزب العمال، وبين القضية الفلسطينية والجدل حول الصهيونية، كشفت انتخابات هولبورن وسانت بانكراس عن اختبار سياسي يتجاوز حدود الدين والهوية.

لم تنته الحكاية السياسية في لندن عند إعلان الفائز في الانتخابات التكميلية بدائرة هولبورن وسانت بانكراس؛ صحيح أن حزب العمال احتفظ بالمقعد الذي أخلاه كير ستارمر، لكن المنافسة كشفت عن تحولات داخل اليسار البريطاني، وعن الدور الذي باتت تؤديه القضية الفلسطينية في النقاش بشأن هوية الأحزاب ومواقفها السياسية.

تنافست سجال عبدي والي، مرشحة حزب العمال ورئيسة مجلس كامدن السابقة، في ليلة الخميس 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مع زاك بولانسكي، زعيم حزب الخضر البريطاني، وانتهى السباق بفوز عبدي والي، غير أن حصول بولانسكي على أكثر من ثلث الأصوات جعل النتيجة موضع نقاش يتجاوز حدود الدائرة الانتخابية.

واللافت أن المرشحين قدما نموذجين مختلفين في التعامل مع الأسئلة المتعلقة بفلسطين والصهيونية؛ عبدي والي دعمت حل الدولتين، بينما أعلن بولانسكي مناهضته للصهيونية وانتقد السياسات الإسرائيلية في غزة.

لكن الانتخابات لم تكن استفتاء على فلسطين وحدها، كما لا تكفي نتائجها لإثبات أن الانتماء الديني لم يعد مؤثرا في خيارات الناخبين. ما تكشفه، بصورة أدق، هو أن المواقف السياسية باتت جزءا مهما من المنافسة على أصوات شرائح من الناخبين البريطانيين.

العمال يحتفظ بمقعدي هولبورن وسانت بانكراس والخضر يتقدمون

أعلنت النتائج الرسمية فوز سجال عبدي والي بـ12,292 صوتا، مقابل 8,928 صوتا لزاك بولانسكي، أي بفارق 3,364 صوتا، وبلغت حصة مرشحة العمال 45.17% من الأصوات، مقابل 32.81% لزعيم الخضر، فيما وصلت نسبة المشاركة إلى نحو 38.8%.

جاءت هذه الانتخابات بعد استقالة ستارمر من عضوية البرلمان في سبتمبر/أيلول 2026، عقب مغادرته رئاسة الحكومة، وبذلك احتفظ حزب العمال بالمقعد، بينما أخفق بولانسكي في دخول مجلس العموم عبر هذه الدائرة، مع ذلك، لا يمكن تجاهل التحول في توزيع الأصوات مقارنة بالانتخابات العامة لعام 2024؛ فقد ارتفعت حصة الخضر بنحو 22.4 نقطة مئوية، في حين تراجعت حصة العمال بنحو 3.7 نقاط.

وتوضح هذه الأرقام مفارقة النتيجة؛ انتصار واضح للعمال من حيث عدد الأصوات والمقعد، يقابله تقدم انتخابي كبير للخضر مقارنة بأدائهم السابق في الدائرة. ولا تعني هذه الزيادة وحدها أن جميع الأصوات الجديدة جاءت احتجاجا على موقف العمال من غزة؛ فتفسير انتقال الأصوات يحتاج إلى بيانات إضافية عن سلوك الناخبين.

مفارقة الدين والسياسة

اكتسبت المنافسة اهتماما إضافيا بسبب خلفية المرشحين ومواقفهما السياسية، عبدي والي، التي وصلت إلى بريطانيا طفلة لاجئة من الصومال، صعدت في العمل المحلي حتى تولت رئاسة مجلس كامدن، قبل أن تخوض الانتخابات باسم حزب العمال.

أما بولانسكي، وهو سياسي يهودي يتزعم حزب الخضر في إنجلترا وويلز، فقد جعل الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وانتقاد السياسات الإسرائيلية جزءا من خطابه السياسي.

أثارت هذه المواجهة تساؤلات بشأن العلاقة بين الهوية الدينية والموقف السياسي. فكون المرشح مسلما لا يعني تلقائيا أنه يتبنى موقفا بعينه من الصهيونية، كما أن كون السياسي يهوديا لا يعني أنه يؤيد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو يتبنى الصهيونية.

غير أن هذه المفارقة تحتاج إلى قراءة متأنية؛ فالمواقف من فلسطين لا تختزل في الانتماء الديني، لكنها أيضا لا تختزل في إجابة واحدة عن الصهيونية أو في موقف من حل الدولتين.

 لقاءات انتخابية أثارت الجدل حول موقف المرشحين من فلسطين

خلال الحملة الانتخابية، أثار غياب عبدي والي عن لقاء نظمته شبكة مسلمي كامدن انتقادات من بعض المشاركين؛ وذكرت حملتها أن الدعوة وصلت متأخرة وأن لديها ارتباطا سابقا، بينما قال منظمو اللقاء إن الدعوة أرسلت قبل موعده بعدة أيام.

في المقابل، حضر بولانسكي اللقاء وتحدث عن مواقفه السياسية، كما شارك في لقاء مع ممثلين عن الجالية اليهودية، حيث واجه أسئلة واعتراضات بشأن موقفه من الصهيونية والسياسات الصهيونية؛ أما عبدي والي، فعندما سئلت في لقاء آخر إن كانت صهيونية، لم تقدم إجابة مباشرة بنعم أو لا، بل أكدت دعمها حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.

وتستحق هذه الوقائع العرض من دون تحميلها أكثر مما تحتمل. فالغياب عن لقاء انتخابي لا يثبت وحده موقفا سياسيا، كما أن دعم حل الدولتين لا يحدد تلقائيا موقف المرشح من كل جوانب الصهيونية أو من السياسات الإسرائيلية.

جدل سبق الانتخابات

قبل الاقتراع بأيام، واجه حزب الخضر جدلا داخليا حادا بعد تصويت مؤتمره السنوي على مقترح يصف الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية، في 4 أكتوبر/تشرين الأول، أيد المقترح 1,022 عضوا، مقابل 813 صوتا معارضا. ونص القرار على تبني الحزب موقفا مناهضا للصهيونية، كما دعا إلى إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة في كامل فلسطين التاريخية، تكون القدس عاصمتها.

لم يشارك بولانسكي في التصويت؛ إذ غادر المؤتمر بعد إلقاء كلمته للتوجه إلى الحملة الانتخابية في لندن، أثار القرار اعتراضات من شخصيات داخل الحزب ومنظمات يهودية، رأى بعضها أن الصياغة تخلط بين الصهيونية والهوية اليهودية وتثير مخاوف من معاداة السامية. وفي المقابل، دافع مؤيدون عنه باعتباره تعبيرا عن رفضهم للصهيونية ودعمهم للحقوق الفلسطينية.

وبعد ظهور نتيجة الانتخابات، تصاعدت الأسئلة بشأن طريقة تعامل بولانسكي مع الخلاف. وأعلن أنه سيواصل قيادة الحزب، لكنه أقر لاحقا بأن الصياغة التي أقرت لم تكن مثالية، وقال إنه كان سيصوت لصالح نسخة معدلة من المقترح لو أتيحت له فرصة التصويت.

وهنا انتقل النقاش من مضمون القرار إلى مسألة القيادة؛ هل يستطيع زعيم حزب أن يوازن بين مطالب القاعدة الناشطة، والحفاظ على وحدة الحزب، ومخاوف أعضائه وناخبيه من مختلف الخلفيات؟

 هل خسرت الخضر بسبب موقفهم من الصهيونية؟

لا تسمح النتائج وحدها بإسناد خسارة بولانسكي إلى قرار المؤتمر بشأن الصهيونية. فالانتخابات تتأثر بعوامل متعددة، تشمل شعبية الأحزاب، وأداء المرشحين، والقضايا المحلية، ومستوى المشاركة، وتغير المزاج السياسي العام.

لكن التوقيت جعل الجدل جزءا من المشهد الانتخابي. فقد خاض بولانسكي المنافسة في وقت كان حزبه يواجه فيه خلافا علنيا بشأن الصهيونية، في حين سعى حزب العمال إلى استعادة ناخبين ابتعدوا عنه في مراحل سابقة.

وبحسب رويترز، أثارت الهزيمة أسئلة بشأن قيادة بولانسكي، بينما رأى مراقبون أن حزب العمال نجح في استعادة جزء من الدعم الذي فقده لمصلحة الخضر.

لا تعني خسارة المقعد في المقابل، أن خطاب الخضر بشأن فلسطين فقد تأثيره؛ فالحزب حصل على أكثر من 32% من الأصوات، ورفع حصته مقارنة بعام 2024. لكن التقدم في الأصوات لم يكن كافيا للفوز بالمقعد، وهو ما يذكر بالفارق بين توسيع القاعدة الانتخابية وتحويل هذا التوسع إلى انتصار فعلي.

 فلسطين في السياسة البريطانية

توضح انتخابات هولبورن وسانت بانكراس أن القضية الفلسطينية لم تعد حاضرة في السياسة البريطانية من خلال التظاهرات والبيانات الدبلوماسية وحدها؛ بل أصبحت أيضا موضوعا للنقاش داخل الأحزاب، وفي الحملات الانتخابية، وفي الجدل بشأن حدود الخطاب السياسي المقبول.

بالنسبة إلى حزب العمال، يظل التحدي هو الحفاظ على قاعدته الانتخابية، مع التعامل مع مطالب الناخبين الذين يريدون مواقف أكثر وضوحا بشأن الحرب في غزة وحقوق الفلسطينيين.

أما حزب الخضر، فقد حاول تقديم نفسه بديلا يساريا أكثر صراحة في هذه القضايا، لكنه واجه في الوقت نفسه انقساما بشأن الصياغة التي اعتمدها مؤتمره، وما إذا كانت تعزز موقفه من الحقوق الفلسطينية أم تفتح عليه جبهة داخلية وسياسية جديدة.

ولا يمكن تعميم ما حدث في دائرة واحدة على بريطانيا بأكملها. لكن النتيجة توفر مؤشرا مهما على التفاعل بين المواقف الدولية والاعتبارات المحلية، وعلى أن السياسة الخارجية قد تصبح عاملا مؤثرا في التنافس الحزبي حتى في انتخابات فرعية داخل العاصمة.

 ما الذي تقوله النتيجة عن مستقبل حزب العمال والخضر؟

تقدم النتيجة ثلاث إشارات سياسية تستحق المتابعة:

أولا، احتفاظ حزب العمال بالمقعد يبين أن الحزب استطاع الدفاع عن موقعه في هذه الدائرة، رغم صعود منافسه الأخضر وتراجع حصته من الأصوات مقارنة بانتخابات 2024.

ثانيا، يوضح تقدم الخضر أن هناك مجالا انتخابيا لمنافسة العمال من اليسار، وأن قضايا مثل فلسطين والعدالة الاجتماعية والسكن والمناخ يمكن أن تتداخل في تشكيل خطاب الحزب وجمهوره.

ثالثا، أظهر الخلاف حول الصهيونية أن وضوح الموقف السياسي لا يلغي الحاجة إلى صياغة دقيقة، وأن الأحزاب قد تواجه تحديات داخلية عندما تتعارض قرارات مؤتمراتها مع مواقف بعض نوابها أو قطاعات من جمهورها.

وستتوقف أهمية هذه المؤشرات على ما يحدث لاحقا؛ كيفية تعامل حزب العمال مع مطالب الناخبين بشأن غزة، وما إذا كان حزب الخضر سيعيد النظر في صياغة قراره، وقدرته على تجاوز الانقسام الداخلي من دون التخلي عن مواقفه المعلنة بشأن الحقوق الفلسطينية.

 فلسطين تختبر التحالفات السياسية في لندن

لم يفز زاك بولانسكي بالمقعد، ولم يخسر حزب العمال دائرته؛ لكن الانتخابات أظهرت أن الصراع السياسي حول فلسطين والصهيونية بات يتقاطع مع المنافسة الحزبية في بريطانيا، لقد فازت سجال عبدي والي، بينما حقق بولانسكي تقدما ملحوظا في الأصوات، ووجد حزب الخضر نفسه أمام أسئلة جديدة حول قيادته وهويته السياسية.

أما الدرس الأبرز، فليس أن الدين فقد أهميته في السياسة، ولا أن فلسطين حسمت خيارات الناخبين، بل أن الانتماء الديني وحده لا يكفي لتفسير المواقف السياسية، وأن القضية الفلسطينية أصبحت أحد الملفات التي تختبر مصداقية الأحزاب وقدرتها على التوفيق بين مبادئها المعلنة وحساباتها الانتخابية.

من هنا يبقى السؤال مفتوحا؛ هل يدفع هذا التنافس الأحزاب البريطانية إلى مراجعة سياساتها تجاه فلسطين، أم سيظل الجدل محصورا في الحملات الانتخابية والخلافات الداخلية؟ الإجابة ستتضح في المواقف والقرارات المقبلة، لا في نتيجة دائرة واحدة فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top