القيادة الكاريزمية وبال على الحركة الإسلامية

واحدة من أهم عوامل نجاح الأفكار التنظيمية، انتقالها من مرحلة الأفكار المجردة، والاجتهادات الحركية الفردية، إلى العمل المؤسسي القائم على أسس علمية محوكمة.

وقد أدركت الحركة الإسلامية في وقت مبكر من عمرها هذا الأمر، فعملت على التحول من العمل الدعوي العام غير المنظم، إلى العمل المؤسسي الإداري، الذي يرعى الأفكار ويضعها في سياقات الفعل الميداني على مختلف المستويات؛ الاجتماعية، والسياسية، والإنسانية…وغيرها.

لكن العمل المؤسسي بقي في الغالب متمحوراً حول شخصية كاريزمية؛ أو   شيخ مؤسس يتمايز على الصف بكونه مرجعية تتسامى فوق اللوائح، عابرة للشورى، شاملة لكل التخصصات، مرجعية في كل صغيرة وكبيرة، قولها الفصل ورأيها سيف يعلو على كل نصل.

ولكي تضمن الشخصية الكاريزمية علو السلطة وشموليتها، تعمل على ألا تتشعب الأقسام أو تتوسع، ولا تزيد الأجهزة وتتعدد مهامها، ولا تتنوع التخصصات خصوصا تلك الحديثة التي لا تتقنها الشخصيات الكبيرة، لأن ذلك يعجزها عن الإحاطة المباشرة والاحتواء بالذراع الابوي الحاني.

وقد نتج عن ذلك العديد من المساوئ الإدارية والتنظيمية، وعلى رأس تلك المساوئ توقف دائرة إنتاج القيادات الشجاعة المبادرة، ما تسبب بمراوحة في الأداء.

كما عمدت بعض القيادات التاريخية إلى إقصاء أي شخصية قيادية تفرزها المؤسسة وتتسلط عليها الأضواء، او يظهر لديها استقلالية عبر التعبير عن آراء أو أفكار معارضة لرأي القائد الكاريزمي، الأمر الذي تسبب بحالة فراغ قيادي، وأفضى الى تنميط العمل.

 حتى أن بعض الحركات الإسلامية لشدة ارتكازها على الشخصية الكاريزمية، عاشت مراحل تيه بمجرد غياب القائد الذي يفهم كل شيء، وله رأي في كل شيء، وانقلبت منحنيات الأداء فيها إلى الهبوط والانهيار، والتراجع والاندحار.

تجارب البشر في العمل المؤسسي، تشير إلى أن عماد نجاح المؤسسة قائم على حوكمة وحاكمية دوائر صنع القرار فيها، وتعدد مراكز الرأي في أقسامها، وغلبة روح الديمقراطية أو الشورى في ترجيح الآراء المختلفة، أو المصالح المتراجحة، أو في الاختيار بين أرجى المصالح، أو درء المفاسد والاختيار بين أعلاها وأدناها في المرتبة، حتى ان النبي صلى الله عليه وسلم، ورغم أنه مؤيد بالوحي، وبأمر سماوي مطلق للمؤمنين بالطاعة، إلا أنه كان يلجأ إلى المشاورة، وأثر عنه أنه رجَّح رأي مغايرا لرأيه في مسائل ومواضع عدة.

فإن شاءت الحركة الإسلامية أن تتأسى بمرجعيتها الأيدلوجية فلها ذلك، وإن شاءت ان تعود الى التجارب البشرية فأمامها دروس كثيرة يمكن أن تتعلم منها، كلها ترشد إلى ذات المآل والنتيجة، وهي أن المؤسسات أدوم وابقى للعمل من الأشخاص، وأن رأي الجماعة أفضل من رأي الفرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top