يعتبر الابتكار المجتمعي (Social Innovation) أحد أكثر المفاهيم الحديثة أثرا في صناعة التحول والتنمية المستدامة في العالم، ويمكن تعريفه باختصار بأنه؛ كل فكرة جديدة أو نموذج عملي أو مبادرة خلاقة تهدف إلى حل مشكلة اجتماعية، أو تلبية حاجة مجتمعية بطريقة أكثر فاعلية وعدالة واستدامة من الحلول التقليدية.
فالابتكار المجتمعي ليس اختراعا تقنيا، ولا مشروعا تجاريا بحتا، بل هو إبداع موجه لخدمة الإنسان والمجتمع، يضع الأثر الاجتماعي في مقدمة أولوياته؛ ويقيس النجاح بمدى تحسين جودة الحياة لا بحجم الأرباح وحدها.
قد يكون الابتكار على سبيل المثال لا الحصر؛ برنامجا لمحو الأمية، أو منصة رقمية لربط المتطوعين مع المحتاجين، أو نموذجا تعليميا للفئات المهمشة، أو نظاما تشاركيا لإدارة الأحياء الفقيرة، الفكرة فيه؛ أن يولد من رحم المجتمع ويعود بالنفع عليه.
شرارة الفكرة
جذور الابتكار المجتمعي تمتد عميقا في التاريخ الإنساني؛ فكل إصلاح اجتماعي كبير هو في جوهره ابتكار، لكن نشوئه كمصطلح بوصفه مفهوما علميا حديثا بدأ يتبلور منذ تسعينيات القرن الماضي، ثم ازدهر بقوة بعد الأزمة المالية التي عصفت بالعالم عام 2008، حين أدرك الناس أن النماذج الاقتصادية التقليدية عاجزة وحدها عن معالجة الاختلالات الاجتماعية المتفاقمة.
هذا المصطلح (Social Innovation) تبنته جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات دولية مطلع الألفية الجديدة، منها؛ جامعة ستانفورد، ومؤسسة يونغ فاونديشن في بريطانيا، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدأ هذا المفهوم يتحول الى مادة دراسية ويطور كأداة استراتيجية للتنمية المجتمعية.
وبهذا اصبحت الحاجة الى الابتكار المجتمعي ملحة للغاية، في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات، وتتزاحم فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ لم يعد كافيا أن تكثر المجتمعات خصوصا النامية والتي تعيش في اتون الأزمات من الشكوى أو تكتفي برصد العلل، بل صار لزاما عليها أن تنتقل من منطق التذمر إلى منطق الابتكار، ومن ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة.
أهمية الابتكار المجتمعي
- يحول الشخص داخل المجتمع من متلق سلبي إلى فاعل مشارك في صناعة الحلول.
- ردم الفجوة بين الدولة والمجتمع من خلال نماذج تشاركية أكثر قربا من الواقع.
يعالج المشكلات وجذورها لا أعراضها فقط، لأنه ينطلق من فهم عميق للسياق المحلي.
يخلق حلولا منخفضة التكلفة عالية الأثر وهو ما تحتاجه الدول محدودة الموارد، والتنظيمات والمؤسسات غير الحكومية التي تعمل في الفضاء الاجتماعي العام. - يعزز الثقة والأمل والانتماء حين يرى الناس أن بإمكانهم تغيير واقعهم بأيديهم.
- ينسجم الابتكار المجتمعي في بعده القيمي، مع روح الرسالات السماوية التي جعلت عمارة الأرض، وإغاثة الملهوف، وإصلاح المجتمع، من أعظم مقاصد الاستخلاف في الأرض.
قصص نجاح
تحول الابتكار المجتمعي في العديد من الدول إلى سياسة عامة وأداة تخطيط ورافعة تنموية؛ ويمكن رصد جملة من قصص النجاح التي تحققت في بعض هذه الدول:
- بريطانيا؛ أنشئت حاضنات ومختبرات للابتكار المجتمعي لمعالجة قضايا البطالة والإقصاء الاجتماعي، وأسهمت مبادرات مثل (Big Society) في تعزيز العمل التطوعي والشراكات المحلية.
- كندا؛ أطلقت الحكومة مختبرات حكومية للابتكار الاجتماعي لتطوير سياسات تشاركية في مجالات التعليم والصحة والخدمات العامة.
- الهند؛ استخدم الابتكار المجتمعي لإيجاد حلول منخفضة التكلفة في الصحة والطاقة والتعليم، وظهرت نماذج رائدة مثل المستشفيات منخفضة الكلفة، والمراحيض الذكية في الأحياء الفقيرة.
- الدول الإسكندنافية؛ صار الابتكار المجتمعي جزءا من منظومة دولة الرفاه بهدف تحسين خدمات كبار السن، وإدماج المهاجرين وتطوير التعليم التفاعلي.
وسيلة لتجديد الحركة الاسلامية
من نافلة القول اليوم أن إشكالية الجماعات الإسلامية المعاصرة تكمن في جمود البنية التنظيمية وعجزها عن التكيف مع تحولات المجتمع، فهي قوة مجتمعية كبيرة لا تعاني من شح الموارد أو ضيق المساحات او قلة الموارد البشرية، مشكلتها في الجمود وعدم التجدد، والثبات في الآليات وعدم التكيف مع التحولات في المحيط، والتنظيم الذي لا يجدد أدواته، ولا يراجع آلياته، ولا ينصت لتحولات بيئته، سرعان ما يتحول من وعاء للتغيير والإصلاح إلى عبء عليه، ومن رافعة للنهضة إلى عائق في طريقها.
التجربة الإسلامية الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تقدم نموذجا أعمق وأسبق لما يمكن تسميته بـ “المؤسسة القابلة للمراجعة” تلك التي لا تقدس آلياتها، ولا تجمد هياكلها، ولا تعتبر نظمها الإدارية جزءا من العقيدة، بل تظل في حالة مراجعة دائمة، تكيف وسائلها وفق المقاصد وتخضع أدواتها لتقويم مستمر.
لقد كان المجتمع النبوي مؤسسة حية تتعلم من التجربة، وتراجع قراراتها، وتعيد بناء آلياتها كلما تغير السياق.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، تمثل “صحيفة المدينة” واحدة من أقدم النماذج في التاريخ لبناء كيان سياسي اجتماعي يقوم على عقد تنظيمي مرن، لا على بنية جامدة.
فهي لم تنزل باعتبارها نصا مقدسا غير قابل للتعديل، بل جاءت استجابة لواقع اجتماعي معقد متعدد المكونات، ثم ظل العمل بها قابلا للتكييف بحسب تطور العلاقات والتحالفات والوقائع.
وهنا تتجلى إحدى أهم سمات المؤسسة القابلة للمراجعة، وهي أن الوثائق المؤسسة ليست غاية في ذاتها، بل أدوات مرحلية لخدمة المقاصد العليا.
وهو درس بالغ الأهمية للجماعات الإسلامية المعاصرة التي كثيرا ما تتعامل مع لوائحها الداخلية بوصفها نصوصا شبه مقدسة، وتقاوم مراجعتها ولو تغير الزمان وتبدلت التحديات.
ولكي تخرج الحركات الاسلامية من هذه الدائرة لابد لها من التجدد، ولعل من أهم الوسائل للوصول الى هذه الغاية هو تبني “الابتكار المجتمعي”، كمدخل استراتيجي لإحياء التنظيم من داخله، وإعادة وصل بنيته برسالته، وربط هياكله بنبض المجتمع الذي وجد من أجله.
وللوصول إلى هذه الغاية يقترح المقال الخطوات التالية:
أولًا: التحول من تنظيم مغلق إلى تنظيم متفاعل
أحد مشاكل التنظيمات الإسلامية المعاصرة هو ميلها بحكم التاريخ والضغط الأمني وتجارب المحنة إلى الانغلاق، وتغليب منطق الحذر على منطق المبادرة، والولاء على الكفاءة، والضبط على الإبداع.
وبسبب ذلك ومع الزمن تتكلس الهياكل، وتشيخ الأدوات، ويقصى الشباب المبدع بحجة أنه غير منضبط تنظيميا، وتجهض الأفكار التجديدية التي ترد من خارج الاطر القيادية التقليدية؛ لأنها غير مألوفة.
“الابتكار المجتمعي” يفتح بابا مغايرا إذا ما تبنته الحركة الإسلامية، لانه يدعو التنظيم إلى أن يتحول من بنية هرمية مغلقة، إلى تنظيمية أفقية منصة مفتوحة للأفكار والمبادرات، تستقبل مقترحات الأعضاء والمتطوعين والمحيط المجتمعي، وتحولها إلى مشاريع إصلاحية حقيقية، بهذه الطريقة يصبح التنظيم فضاء حاضنا للإبداع لا سجنا للطاقات.
ثانيا: إعادة تعريف القيادة والوظيفة التنظيمية
في منطق الابتكار المجتمعي لا تقاس القيادة بقدرتها على الضبط والسيطرة، بل بقدرتها على تحفيز المبادرات، وبناء الفرق، وتمكين الكفاءات.
وهنا تبرز فرصة تاريخية أمام الحركة الإسلامية لمراجعة نماذجها القيادية التقليدية والانتقال من قيادة الأوامر إلى قيادة التمكين؛ لأن القيادة المبدعة هي التي:
- تفتح قنوات الحوار الداخلي.
- تحتضن التجريب ولا تخشاه.
- تسمح بالفشل المحسوب بوصفه خطوة في طريق التعلم.
- تربط القرار التنظيمي بالحاجة المجتمعية لا بالموروث الإداري فقط.
وبذلك يتحول التنظيم من جهاز إداري صلب إلى كائن حي يتعلم ويتطور.
ثالثا: من العمل التقليدي إلى الحلول المجتمعية المبتكرة
الحركة الإسلامية ما تزال تمارس أدوارها بمنطق الوعظ والخطابة والتعبئة العامة، في حين أن المجتمع الحديث ينتظر منها أكثر من ذلك؛ ينتظر حلولا لمشكلاته في التعليم، والبطالة، والتفكك الأسري، والإدمان، والفقر، والهوية.
وهنا “الابتكار المجتمعي” يتيح للتنظيم أن ينتقل:
-من خطاب عام إلى مشاريع أثر.
-من شعارات إصلاحية إلى نماذج عملية قابلة للقياس.
-من حضور موسمي إلى شراكات مجتمعية مستدامة.
عندها؛ تستعيد الجماعة وظيفتها التاريخية كحركة فاعلة اجتماعيا لا مجرد إطار تعبوي أو سياسي.
رابعا: الابتكار المجتمعي لتجديد الثقة الداخلية
من أخطر ما يهدد الحركة الإسلامية اليوم تآكل الثقة بين القيادة والقاعدة، وبين الأجيال المختلفة داخل الجماعة. ويمكن اعتبار الابتكار المجتمعي من أنجع الأدوات لترميم هذه الثقة؛ لأنه:
-يمنح الشباب مساحة للفعل لا مجرد السمع والطاعة.
-يكرس منطق الكفاءة بدل منطق الأقدمية وحدها.
-يحول العضو من منفذ إلى شريك في صناعة القرار والحل.
وعندما يرى الأفراد أن أفكارهم تتحول إلى مشاريع، وأن مبادراتهم تحتضن، وأن التنظيم يصغي لهم حقا، تعود الروح إلى الجسد، ويتحول الانتماء من عبء تنظيمي إلى رسالة حية.
اخيرا
الأمم لا تنهض بكثرة الخطب ولا بطول التنظير، بل بالعقول المبدعة والقلوب المؤمنة بقدرتها على التغيير.
والابتكار المجتمعي ليس شأن النخب وحدها، بل هو مسؤولية كل معلم وكل شاب وكل داعية وكل صاحب فكرة.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات، لم يعد السؤال ماذا نملك من موارد؟ بل السؤال الأعمق: ماذا نملك من أفكار؟ ومن شجاعة لنحول الأفكار إلى فعل؟.
وإذا كان “الابتكار المجتمعي” مطلب ملح لتطوير الأوطان الاسلامية، فإن أولى الناس بتبني هذه المنهجية؛ الحركة الإسلامية، كونها العنصر الحي المتحرك في بنية المجتمع.
“الابتكار المجتمعي” لا يقدم وصفة سحرية لإنقاذ الجماعات الإسلامية من أزماتها، لكنه يفتح أمامها أفقا جديدا للخروج من دائرة التكرار والجمود.
إنه يدعوها إلى أن تصالح بين رسالتها الخالدة وأدوات العصر المتغيرة، وأن تنتقل من منطق حفظ الكيان إلى بناء الأثر، ومن هاجس البقاء إلى طموح الإحياء.
-فالتنظيم الذي لا يتجدد… يتآكل.
-والجماعة التي لا تبتكر… تنعزل.
-والمؤسسة التي لا تراجع… تتكلس.-والتنظيم الذي لا يبتكر… ينغلق.
أما الجماعة التي تجعل المراجعة والابتكار جزءا من بنيتها، فإنها تؤسس بهدوء وثبات لتنظيم قابل للتجدد، وقادر على حمل الرسالة في زمن لا يرحم الجامدين.
فليكن الابتكار المجتمعي طريقنا للخروج من الألم إلى الأمل، ومن الجمود إلى الحركة، ومن الأزمة إلى النهضة.

