نعيش زمنا صاخبا
كل شيء فيه يصرخ
إلا الروح… تهمس
فباتت قلوبنا من ثقل التلوث تُحجب عن الله
الدنيا تعرض نفسها علينا كل صباح
تلمع، تغري، تعد…
ثم تمضي… وتترك القلب متعبا
نركض، ونركض، ونركض…
ثم نلتفت فجأة… فلا نجد في الداخل إلا فراغا
ليس لأن الله بعيد؛ بل لأننا ابتعدنا
ليس لأن السماء أغلقت بابها
بل لأن القلب امتلأ…
حتى لم يعد فيه موضع للأنس
والأنس بالله…
ليس كلمة، ليس شعارا، ليس حديث درس
الأنس بالله… أن نشعر أننا لسنا وحدنا
وإن خلا المكان
أن يهدء صدرنا .. ونحن بين العواصف
أن نبكي… فيكون الله أقرب إلينا من دموعنا
ذاك هو الأنس
نور خفي يسكن القلب؛ فيسكن به كل شيء
والحب… بداية الطريق
لا أنس بلا حب
فالقلب لا يأنس بمن لا يحب
ولا يسكن عند من يبغض
فكيف نأنس بالله… وقلوبنا لم تتعلق به بعد؟
الحب هو الباب
وما دونه طرق موصدة
أن يكون الله أحب إلينا مما سواه…
هذه ليست عبارة تقال
هذه معركة
معركة مع هوى النفس، مع رغبات تتنازعنا
مع تعلقات صغيرة تسرقنا في غفلة
كلما قوي الحب… خفت الطاعة
كلما قوي الحب… صار الذكر راحة
كلما قوي الحب… لم تعد العبادة واجبا… بل موعدا
المحب لا يجبر على اللقاء.. هو يشتاق إليه
وكلما اقتربنا منه ازداد قلبنا إليه حنينا
وإذا صار الله أحب إلينا من أنفسنا فقد بدأ الأنس
الأنس بالله خلوة
هو ليس ثمرة معرفة عقلية
هو ثمرة حب صادق
وإذا نفرت نفوسنا من الخلوة؛ فلنتيقن أن في الحب خللا
فالمسألة ليست كثرة أعمال .. بل صدق تعلق
الذكر… هواء انس القلب
المحب كثير الذكر لا يمل الاسم
ولا يسأم التكرار تراه يحدث الناس عمن يحب
يذكر صفاته.. يمدح أخلاقه.. يفرح إن سمع اسمه
فكيف بمن أحب الله؟
الذكر ليس ألفاظا تردد
هو نبض.. هو تنفس القلب
والقلب إن حُبس عن الذكر اختنق
وإن أطلق فيه الذكر انشرح
بعض الناس يظن أن الذكر تسبيحات معدودة
لكن الذكر أوسع
ذكره في الخلوة
ذكره في الزحام
ذكره في العمل
ذكره ماشيا راقدا متجنبا جالسا
ذكره ونحن نقاوم أنفسنا
المحب لا ينتظر مناسبة ليذكر
يذكر لأنه لا يستطيع أن يصمت
وما ذاق الأنس من انقطع لسانه عن الذكر
ولا من كان ذكره عادة لا حرارة فيها
الذكر حياة
به تغسل القسوة
وبه تذوب الوحشة
وبه يهدأ الاضطراب
تأمل؛ الرجل الذي ذكر الله خاليا ففاضت عيناه
لم يبك خوفا فقط
بل بكى لأن قلبه امتلأ
امتلأ حضورا، امتلأ قربا، امتلأ شوقا
وهنا يتحول الذكر من تكليف… إلى لذة
ومن عبادة… إلى أنس
وقد يبلغ العبد حالا يشغل فيها بالله عن سواه
كقول الشاعر:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها
عن الشراب وتلهيها عن الزاد
إذا امتلأ القلب… خف ثقل الجسد
إذا حضر الذكر… غابت الوحشة
لكن…
ليس كل ذكر يثمر أنسا
ذكر باللسان… وقلب ساه
هذا لا يفتح الباب
الأنس يحتاج ذكرا حاضرا
ذكرا يوقظ
ذكرا يعيدنا كلما ضعنا
فإن أردنا أن نأنس بالله…
فلنكثر الحديث معه

