اكتشاف يفتح آفاقا جديدة لفهم الكون: تحويل الضوء إلى مادة بين الصلب والسائل

على مدار عقود طويلة، بدت صورة الكون واضحة في أذهاننا؛ لدرجة أنه اعتقد البعض منا أن الإنسان وصل الى أقصى مدى في فهم أساسيات بناء الكون، نظرا للتقدم والتطور العلمي والتكنولوجي الذي وصلت إليه البشرية.

ومن المسلمات العلمية عندنا؛ أن المادة شيء، والطاقة شيء آخر، وأن الصلب صلب، والسائل سائل، والضوء كيان فوتوني لا يمكن إلا أن يكون ضوءا.

لكن الكون الذي ابدع الله صنعه يبقي مليئا بالاسرار التي تفاجيء الانسان دائما بالجديد المثير، الذي يجعله يتخلى عن المسلمات معترفا بعجزه أمام روعة الكون ومافيه من جمال في الصنع وحسن في الخلق، وكلما تقدمنا خطوة في فهم الطبيعة، اكتشفنا أن ما حسبناه بديهيًا لم يكن سوى تبسيط مؤقت.

تحويل الضوء إلى مادة

هذا المعنى يؤكده اكتشاف فيزيائي جديد الذي أعلن عنه مطلع شهر مارس 2025، من قبل فريق من علماء الفيزياء، نشر في واحدة من أرفع المجلات العلمية في العالم، وأثار اهتمام الأوساط البحثية والإعلامية على حد سواء، حيث توصل العلماء إلى حالة جديدة للمادة تعرف باسم المادة فائقة الصلابة في نظام يعتمد على الضوء.

 الاكتشاف عبارة عن نظام فيزيائي جديد، تشارك فيه جسيمات ناتجة عن تفاعل الضوء مع المادة، وتظهر سلوكًا يجمع بين خصائص الصلابة والسيولة في آن واحد، يعرف باسم “المادة فائقة الصلابة” (Supersolid)، وهي حالة نادرة حيرت الفيزيائيين لعقود طويلة، ولم يكن من الممكن تحقيقها تجريبيا إلا في ظروف خاصة جدا.

الذي حدث فعليا هو أن الضوء، أجبر على التفاعل بقوة مع مادة معينة وفي ظروف شديدة الانضباط، الأمر الذي جعله يشارك في تكوين جسيمات هجينة تدعى “بولاريتونات” وهي كيانات كمومية لا هي ضوء خالص ولا مادة خالصة، بل شيء بين الاثنين، عندما نظمت وكثفت هذه الكيانات أظهرت سلوكا غير مألوف؛ انتظام مكاني يشبه المواد الصلبة، وحركة بلا احتكاك تشبه السوائل فائقة السيولة، وهنا ولدت حالة “السوبرسوليد”.

التفسير العلمي الدقيق

الضوء في صورته المعتادة هو طاقة تنتقل على هيئة فوتونات، ولا يعد مادة بالمعنى الكلاسيكي، في التجربة الجديدة، تم احتجاز هذه الجسيمات داخل بنية دقيقة تعرف بـ”البلورة الضوئية”، ثم جرى التحكم في سلوكها بطريقة جعلتها؛ تنتظم مكانيا كما تفعل المواد الصلبة، وتتحرك بلا احتكاك تقريبا كما تفعل السوائل فائقة السيولة

أهمية الاكتشاف لا تكمن في غرابته فقط، بل في ما يكشفه عن العلاقة العميقة بين الضوء والمادة، إذ للمرة الأولى يتم رصد سلوك شبيه بالمادة فائقة الصلابة في نظام يعتمد بشكل أساسي على الضوء، وهو ما يفتح بابا جديدا لفهم كيف تتصرف الطاقة عندما تحبس داخل المادة، وكيف يمكن للأنظمة الكمومية أن تظهر خصائص لم تكن متوقعة في الفيزياء التقليدية، بمعنى أدق الاكتشاف اظهر (كيف يمكن للضوء أن يشارك في بناء حالات مادية جديدة تماما غير التي نعرفها).

أهمية الاكتشاف

كل قفزة تكنولوجية كبرى في التاريخ بدأت بسؤال نظري غير عملي، ثم تحولت بعد سنوات أو عقود إلى جزء من حياتنا اليومية.

قيمة الاكتشاف لا تكمن فقط في نتائجه التقنية، بل في ما يكشفه عن طبيعة الواقع نفسه بالنسبة للبشرية، فنحن نعيش منذ قرون على تقسيمات ذهنية مريحة؛ المادة والطاقة، الصلب والسائل، الجسيم والموجة.

لكن الفيزياء الحديثة تقول لنا إن هذه الثنائيات ليست قوانين نهائية، بل نماذج تقريبية؛ فالاكتشاف يوصلنا إلى أن الضوء ليس مجرد حامل للإنارة، والمادة ليست مجرد شيء ثابت، والطبيعة أكثر مرونة وغموضا مما نحب أن نتصور.

ولهذا الاكتشاف اهمية مستقبلية في بناء الشكل المادي لحياة الانسان، ورغم أنه لا يزال في مراحله البحثية الأساسية، فإن العلماء يرون أن آفاقه المستقبلية واسعة، وانه سيعمل على تطوير التكنلوجيا والتقنيات، ومن أهم المجالات التي يمكن ان توظف فيه:

1-الحوسبة الكمية

فالتحكم الدقيق في جسيمات هجينة مثل “البولاريتونات” سيساهم في تطوير منصات جديدة للحواسيب الكمية، وتحسين سرعة المعالجة، وتقليل فقدان المعلومات.

2-صناعة مواد فائقة الكفاءة

وجود مادة عديمة الاحتكاك يفتح المجال أمام تطوير موصلات فائقة تنقل الطاقة بكفاءة شبه كاملة، وتقنيات تقلل الهدر الحراري في الأنظمة الإلكترونية.

3-هندسة مواد جديدة

دراسة “السوبرسوليد” ستقود إلى تصميم مواد ذات خصائص ميكانيكية وضوئية غير تقليدية، وتطبيقات مستقبلية فيما يعرف بـ”النانو تكنولوجيا” والاتصالات المتقدمة.

ماذا يهمنا كقراء غير متخصصين؟

كلما تقدم العلم خطوة، بدا كأنه يقترب من فهم الكون، لكن المفارقة العجيبة أن هذه الخطوة نفسها تكشف له في اللحظة ذاتها كم هو بعيد عن الإحاطة.

فالاكتشاف الفيزيائي عن ظهور حالة مادية نادرة تشارك فيها جسيمات ناتجة عن تفاعل الضوء مع المادة، ليس مجرد خبر علمي لافت، بل نافذة تأمل عميقة في حدود العقل البشري، وفي سعة الخلق، واتساع العلم الإلهي.

فالضوء الذي حسبناه طاقة بسيطة تسافر في الفراغ، والمادة التي حسبناها شيئا صلبا أو سائلا واضح الحدود، يظهران لنا اليوم في صور لا تخطر على بال، وكأن الكون يقول للإنسان؛ ما زلتَ ترى القشرة… لا الجوهر.

حين يكتشف العلماء حالة فيزيائية تجمع بين خصائص متناقضة؛ صلابة بلا جمود، وحركة بلا احتكاك، فهم هنا لا يخترعون شيئا من العدم، بل يرفعون الستار عن قانون كان موجودا قبلهم وسيظل بعدهم، وهنا تتجلى دلالة الآية القرآنية:

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}

فالتعبير القراني لا يقول سنُعلِمهم بكل شيء، ولا تقول سنمنحهم الإحاطة الكاملة

 بل تقول؛ سنُريهم آيات، والفرق هائل، فالآية علامة، والعلامة تشير ولا تحتوي.

هذا الاكتشاف؛ وغيره من البحوث المادية، والدارسات العلمية، تلفت انظارنا إلى أن الكون لا يزال يخفي طبقات عميقة من القوانين غير المفهومة بالكامل، وما نعده بديهيا اليوم قد يعاد تعريفه غدا، فالحدود بين الطاقة والمادة ليست صلبة كما كنا نعتقد، والعلم لا يتقدم بالقفزات الصاخبة فقط، بل أحيانا بخطوات دقيقة تعيد رسم الخريطة كاملة، وهذا الاكتشاف هو واحد من تلك الخطوات.

هذا الاكتشاف لا يدعونا إلى الانبهار السطحي، ولا إلى ترديد عبارات من نوع “العلم حول الضوء إلى مادة”، بل يدعونا إلى شيء أعمق، أن نعيد التفكير في المسلمات، وأن نتقبل أن العالم أكثر غرابة وثراء مما تسمح به لغتنا اليومية؛ وحين يعجز الوصف، يبدأ العلم الحقيقي.

العلم لا ينافس الإيمان بل يوقظه

المشكلة لم تكن يوما في العلم، بل في وهم أن العلم يمكن أن يحل محل الايمان.

القرآن لا يقدم نفسه ككتاب فيزياء، لكنه يقدم الكون كله بوصفه ميدان دلالة.

وحين يكتشف العلماء أن القوانين أكثر مرونة مما ظنوا، والواقع أكثر غرابة مما تصوروا، واليقين العلمي دائما مؤقت، فإن هذا لا يضعف الإيمان، بل يسقط الغرور المعرفي الذي يناقضه صدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ليست الآية تقليلا من قيمة العلم، بل وضعا له في حجمه الحقيقي.

فجمال الخلق لا يختزل في المعادلات، لان المعادلة تصف،  لكنها لا تدهش، والقانون يفسر،  لكنه لا يغني عن المعنى.

وحين يرى المؤمن أن الضوء قد يكون جسيما وموجة، والمادة قد تكون صلبة وسائلة في آن، والفراغ ليس فراغًا محضا كما تخيل، فهو لا يقول العلم فاجأنا

 بل يقول؛ سبحان من خلق… ووسِع علمه ما لا نحيط به.

خلاصة علمية مع المصادر

الدارسة نشرت في مجلة Nature وهي مجلة علمية مرموقة بتاريخ 5 مارس 2025 بعنوان:

Emerging supersolidity in photonic-crystal polariton condensates

تعد مجلة Nature من أهم المجلات العلمية الدولية وتتم مراجعة جميع الأبحاث المنشورة فيها من قِبل خبراء مستقلين في نفس المجال قبل النشر (peer-review).

https://www.nature.com/articles/s41586-025-08616-9

ملخص الدراسة

الباحثون قدموا دليلا تجريبيا على ظهور حالة “السائل الصلب”  (supersolid) في نظام مبني على تكاثف البولاريتونات، (exciton-polaritons) في موجه ذي بلورة ضوئية (photonic crystal waveguide).

ما تم إنتاجه هو حالة مادة تضم جسيمات هجينة من الضوء والمادة (polaritons) تظهر سلوكيات صلبة وسائلة في الوقت نفسه  وذلك في نظام كمومي معقد. 

أي أن: 

-الحالة التي تم تحقيقها هي حالة supersolid من البولاريتونات.

-البولاريتونات ليست فوتونات بحتة، بل هي تكوين هجين بين الضوء والمادة.

-السلوك “الصلب + السائل” هو خاصية الحالة الكمومية الجديدة وليس للضوء وحده. 

اقرأ لي كذلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top