تشهد دول الاتحاد الأوروبي نموا مطردا في أعداد المسلمين، ليس فقط بفعل الهجرة أو النمو الديموغرافي، بل أيضاً بسبب تحول مواطنين غربيين إلى الإسلام.
وقد تحدثت دراسات بريطانية وأوروبية خلال السنوات الأخيرة، حول تنامي هذا التحول، وهي تؤكد على أنها لم تعد ظاهرة فردية معزولة، بل باتت تحدث في سياق اجتماعي وسياسي أوسع، تتداخل فيها أسئلة الهوية، والمعنى، والصدمات الأخلاقية المرتبطة بالصراعات العالمية.
وقد أحدثت الحرب في غزة، بما رافقها من صور إنسانية قاسية وتغطية إعلامية كثيفة خلال عامين محفزا لاهتمام غير مسبوق بالإسلام في المجتمعات الغربية، والبريطانية خصوصا.
وفي هذا السياق تحدث تقرير حديث صادر في ديسمبر 2025، عن (Institute for the Impact of Faith in Life) المعروفة اختصارا بـ (IIFL)، وهو من أكثر التقارير استشهادا في الصحافة البريطانية مؤخرا (1)، عن أن: “نحو 20% من الذين اعتنقوا الإسلام ذكروا أن الأحداث العالمية، بما في ذلك الحروب والنزاعات، كانت عاملا مؤثرا في مسار تحولهم الديني”.
واعتمد التقرير على مسح شمل 2،774 مواطنا في المملكة المتحدة، ذكروا أنهم مروا بتغيير في معتقداتهم الدينية في مرحلة ما من حياتهم.
ورغم إشارة التقرير إلى أن الأحداث العالمية المتعلقة بالصراعات وخصوصا (غزة)، كانت من العوامل المهمة المؤثرة، إلا انه يضع هذه النتيجة في سياق مختلف، ويوضح أن: “التحول إلى الإسلام ليس ظاهرة طارئة مرتبطة بسنة واحدة؛ إذ ان أكثر من 40% من المتحولين أفادوا بأن تحولهم حدث قبل أكثر من عشر سنوات”.
مشيرا إلى أن الأسباب الأكثر شيوعا للتوجه نحو الإسلام كانت؛ البحث عن المعنى والهدف في الحياة، ثم الاضطرابات النفسية أو الوجودية، ثم الأحداث العالمية.
وقد شهد هذا التقرير تغطية واسعة من وسائل الاعلام البريطانية، ومن المثير للانتباه ما عنونت له صحيفة (The Telegraph) (الحروب العالمية تجذب البريطانيين إلى الإسلام) في معرض حديثها عن التقرير.

ومن الواضح ان الصور المؤلمة القادمة من ساحة الحرب، سرعت مسار التحول إلى الإسلام، إذ شكلت لحظة وعي أخلاقي دفعتهم إلى إعادة النظر في تصوراتهم عن الإسلام والظلم والعدالة والهوية.
حجم المسلمين في بريطانيا
أرقام رسمية
حسب تعداد رسمي صادر عن هيئة الإحصاء البريطانية (ONS) عام 2021، بلغ عدد المسلمين في إنجلترا وويلز نحو 3.87 مليون نسمة، أي ما يقارب 6% من السكان، ليشكل الإسلام ثاني أكبر ديانة في البلاد بعد المسيحية (2)، ولم يصدر عن الهيئة تحديث جديد لهذا التعداد.
تقديرات غير رسمية
تقارير صادرة عن مؤسسات إسلامية، ومراكز بحثية بريطانية، تتحدث عن أن عدد المسلمين في المملكة المتحدة تجاوز 4 ملايين نسمة بحلول 2024–2025، واستندت هذه التقديرات الى معدلات الولادة، والهجرة الصافية، والمسلمين الجدد، مع غياب آلية حكومية لتسجيل التحولات الدينية بشكل سنوي.
وتشير دراسات أكاديمية إلى أن المملكة المتحدة واحدة من أكثر الدول الأوروبية تسجيلا لحالات التحول إلى الإسلام، منذ مطلع الألفية (3).
دراسات نوعية متعددة لباحثين (Sealy، Köse & Loewenthal) تستخدم أسماؤهم في كتب وأبحاث محكمة، يمكن الاطلاع على معلومات مفصلة عنهم بالهامش (4)، اشارت إلى ان المتحولين غالبا ما ينتمون إلى فئات عمرية شابة نسبيا، مع حضور ملحوظ للنساء، وأن دوافع التحول تتنوع بين البحث الروحي، والعلاقات الاجتماعية، والزواج، والاحتكاك المباشر بالمجتمعات المسلمة.
تحول للإسلام في السياق الأوروبي
فهم التحول إلى الإسلام في بريطانيا، يمكن وضعه في السياق الأوروبي العام، وحسب دراسات لـ(Pew Research Center) ، يتوقع أن يستمر عدد المسلمين في أوروبا بالارتفاع خلال العقود القادمة، سواء في سيناريوهات الهجرة المنخفضة أو المرتفعة، نتيجة عوامل ديموغرافية بالإضافة إلى عامل الهجرة (5).
وتشير (Pew) إلى أن التحول الديني وحده ليس المحرك الأساسي للنمو العددي للمسلمين، لكنه عنصر نوعي مؤثر في تشكيل الهوية الإسلامية الأوروبية الجديدة، خاصة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، حيث يوجد حضور إسلامي مؤسسي واجتماعي قوي.
ختاما:
يمكننا ان نعتبر بريطانيا حالة متقدمة نسبيا في هذا السياق بفضل؛ التاريخ الطويل من التعدد الديني في البلاد، ووجود الكثير من المساجد والمؤسسات التعليمية والخيرية، ووجود انفتاح نسبي في الفضاء العام يسمح بنقاشات دينية علنية.
والأكيد أن إقبال البريطانيين على اعتناق الإسلام في السنوات الأخيرة، هو نتاج تفاعل بين البحث الروحي، والسياق الاجتماعي، والصدمات الأخلاقية التي تفرضها الصراعات العالمية، وفي مقدمتها الحرب في غزة، التي أصبحت عامل دفع إضافي لاعتناق الإسلام من قبل البريطانيين.
المراجع والمصادر
- Institute for the Impact of Faith in Life (IIFL), 2025
The Changing Landscape of Faith in Britain
https://faithimpact.co.uk/research - Office for National Statistics (ONS) – Religion, England and Wales: Census 2021
https://www.ons.gov.uk/peoplepopulationandcommunity/culturalidentity/religion - Köse, A. & Loewenthal, K. – British Converts to Islam
https://link.springer.com/book/10.1007/978-94-015-9762-4
4.( Sealy، Köse، Loewenthal) أسماء ترمز لـ:
أ. Tina Sealy
باحثة بريطانية في علم اجتماع الدين، تعتمد على مقابلات معمقة (Qualitative Research)، وتستخدم أبحاثها بكثرة في الجامعات البريطانية، وعندما يذكر اسمها في التقارير فهذا يعني: (استنادا إلى دراسات نوعية حديثة حول تحول البريطانيين إلى الإسلام)، مجال عملها (التحول الديني في بريطانيا) & تجارب المسلمين الجدد (Converts / Reverts)& (الهوية والانتماء الديني).
ب. Ali Köse
أكاديمي وباحث في علم نفس الدين، عمل في جامعات بريطانية، وله صلة بجامعات تركية، أشهر أعماله: (دراسات نفسية عن التحول إلى الإسلام في أوروبا)، تجمع أبحاثه بين علم النفس والدراسات الدينية، ذكر اسمه في الدراسات يرمز إلى (مقاربة نفسية علمية لظاهرة التحول الديني).
ج. Kate Loewenthal
أستاذة بريطانية في علم نفس الدين، التخصص الدقيق الدين والصحة النفسية، الى جانب التحول الديني والهوية، و تعد من أهم المرجعيات الأكاديمية الأوروبية في هذا المجال.
د. (Sealy، Köse & Loewenthal) تكتب هذه الصيغة للدلالة على انها تعكس مجموعة من الدراسات الأكاديمية المتراكمة تمثل ثلاث مقاربات مختلفة؛ اجتماعية (Sealy)، نفسية (Köse)، نفسية–ثقافية (Loewenthal)، وهذا يعطي قوة علمية لأي تقرير، لأنه لا يعتمد على رأي فردي أو مؤسسة أيديولوجية.
5. Pew Research Center – Europe’s Growing Muslim Population
https://www.pewresearch.org/religion/2017/11/29/europes-growing-muslim-population/

