عندما تتحدث التحركات العسكرية بلغة، وتتحدث الأسواق بلغة أخرى
في الأزمات العسكرية الكبرى، لا تبدأ الحرب بالضرورة مع إطلاق الصاروخ الأول؛ فقد تسبقها مرحلة طويلة من التحركات الميدانية، وإعادة التموضع العسكري، والتحذيرات الدبلوماسية، والتسريبات الإعلامية، ورفع مستوى التأهب.
تستخدم هذه الإجراءات في بعض الحالات، لتهيئة مسرح العمليات، وفي حالات أخرى تتحول إلى أدوات للضغط السياسي والنفسي، واختبار ردود الخصم، والتأثير في حسابات الأسواق الدولية.
في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والكيان الغاصب لأرض فلسطين من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز التوقعات الإعلامية بشأن موعد الضربة المحتملة:
-هل تعكس التحركات العسكرية استعدادا فعليا لعملية وشيكة، أم أنها جزء من استراتيجية ردع ورفع سقف التهديد؟.
-ما مدى موثوقية التقارير التي تتحدث عن إجلاء موظفين دبلوماسيين، وتحريك الطائرات، واختبار الدفاعات الجوية الإيرانية؟.
-هل يمكن أن تتداخل الحسابات الانتخابية وأسعار النفط مع قرارات الحرب والسلم؟.
تكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية بسبب الموقع الاستراتيجي لإيران، وقدرتها على تهديد الملاحة في الخليج، والارتباط الوثيق بين أمن المنطقة وإمدادات الطاقة العالمية، أي مواجهة واسعة لن تقتصر نتائجها على المنشآت العسكرية الإيرانية أو القواعد الأمريكية في المنطقة، بل قد تمتد إلى أسواق النفط، وشبكات النقل البحري، والبنية التحتية الرقمية، وحسابات القوى الدولية الكبرى.
لكن التحليل العسكري المنضبط يقتضي الفصل بين ثلاثة مستويات:
المعلومات التي يمكن التحقق منها، والمؤشرات التي تحتمل أكثر من تفسير، والادعاءات التي لا يجوز التعامل معها بوصفها حقائق من دون أدلة مستقلة.
من هذا المنطلق، يحاول هذا التحقيق تفكيك السيناريوهات المحتملة، بدلا من التعامل مع التسريبات أو التحركات المنفردة باعتبارها دليلا حاسما على اقتراب الحرب.
أولا: الإجلاء الدبلوماسي وإعادة التموضع العسكري
من أبرز المؤشرات التي تستدعي الفحص في المشهد الراهن، التقارير المتعلقة بتقليص الوجود الدبلوماسي الأمريكي في بعض دول المنطقة، بالتزامن مع استمرار الاستعدادات العسكرية الأمريكية والصهيونية لاحتمال استئناف العمليات ضد إيران.
ففي 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أفاد موقع “أكسيوس” بأن وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت توجيهات لاستكمال الاستعدادات العسكرية اللازمة لاحتمال استئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران، من دون تحديد موعد للهجوم أو صدور قرار نهائي بتنفيذه.
كما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 أكتوبر، أن الولايات المتحدة لن تستأنف ضرباتها على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 نوفمبر/تشرين الثاني؛ لكن التطور الأكثر دلالة هو أن الاستعدادات العسكرية لم تتوقف بالضرورة مع التصريحات السياسية.
فبحسب تقرير نشره “نيويورك تايمز”، ونقلته صحيفة “تايمز أوف الكيان” في 21 أكتوبر، وضعت الولايات المتحدة والكيان خططا لضربات جديدة ضد إيران بعد الانتخابات الأمريكية، مع استمرار التدريبات والاستعدادات تحسبا لتطورات ميدانية قد تستدعي التحرك قبل ذلك الموعد.
وأشار التقرير إلى أن الأهداف المحتملة قد تشمل منشآت الطاقة والمنشآت النووية ومخازن الصواريخ والطائرات المسيرة.
هذه المعطيات تضعنا أمام تمييز عسكري أساسي؛ الاستعداد لشن هجوم لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار بشنه، لكنه يعني أن خيار القوة لا يزال حاضرا في الحسابات العملياتية.
ماذا يعني إجلاء الموظفين الدبلوماسيين؟
في 22 أكتوبر، أفادت وكالة “أسوشيتد برس” بأن واشنطن أمرت بمغادرة موظفين دبلوماسيين غير أساسيين وأفراد من عائلات موظفين حكوميين من السعودية، على خلفية مخاوف أمنية مرتبطة بتصاعد هجمات الحوثيين، وتقليصا إضافيا لعدد العاملين في السفارة الأمريكية بالرياض.
ونوهت الوكالة إلى إجراءات مماثلة لتقليص الطواقم في سفارات أمريكية أخرى بالخليج.
من الناحية العسكرية، يمكن تفسير هذه الإجراءات عبر ثلاثة احتمالات رئيسية:
1-الاستعداد لاحتمال توسع العمليات:
تقليص عدد الموظفين المدنيين يقلل المخاطر البشرية إذا تعرضت المنشآت الأمريكية لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة.
2-الاستجابة لتهديد قائم:
قد يكون الإجلاء مرتبطا بهجمات متوقعة من أطراف إقليمية، حتى من دون وجود قرار أمريكي بشن هجوم مباشر على إيران.
3-التحوط من التصعيد:
قد تتخذ الحكومات إجراءات وقائية عندما ترى أن احتمال توسع المواجهة ارتفع، حتى لو لم تكن تعرف توقيت أي عملية عسكرية أو طبيعتها.
وعليه، فإن الإجلاء مؤشر على تقدير أمني متشدد، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن ضربة أمريكية إسرائيلية ستقع خلال ساعات.
سحب الطائرات من قاعدة العديد: استعداد أم إعادة انتشار؟
تعد قاعدة العديد الجوية في قطر إحدى أهم ركائز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وتكتسب أهمية خاصة في عمليات القيادة والسيطرة والإسناد الجوي، وهناك معلومات عن سحب الطائرات منها، وهو ما يحتاج إلى تدقيق في طبيعة التحرك وحجمه.
فإعادة انتشار الطائرات قد تكون إجراء دفاعيا لحمايتها من هجمات محتملة، أو جزءا من توزيع الأصول الجوية على قواعد مختلفة، أو خطوة لتهيئة القوات لعملية عسكرية.
والفارق هنا جوهري؛ إذ إن إبعاد الطائرات عن قاعدة معرضة للخطر لا يعني بالضرورة أن الهجوم أصبح وشيكا، بل قد يكون إجراء احترازيا لتجنب خسائر في حال اندلاع المواجهة.
ولإثبات أن عملية هجومية يجري التحضير لها بالفعل، ينبغي فحص مؤشرات متزامنة، من بينها حركة طائرات التزود بالوقود، وانتشار طائرات الإنذار المبكر، وتحركات طائرات النقل العسكري، والتغيرات في وضع القوات البحرية، إلى جانب التصريحات الرسمية والتحذيرات الملاحية.
الخلاصة العملياتية:
لا يمكن استنتاج توقيت الضربة من تحرك عسكري واحد؛ الأهم هو ما إذا كانت التحركات المختلفة تشكل نمطا متكاملا يتجاوز إجراءات الحماية والردع.
ثانيا: الطلعات الجوية قرب إيران
تتحدث الرواية المتداولة عن طلعات لمقاتلات صهيونية عبر الأجواء السورية والعراقية باتجاه الحدود الإيرانية، قبل العودة إلى قواعدها، وتفسر هذه التحركات باعتبارها اختبارا لمدى جاهزية الدفاعات الجوية الإيرانية.
هذا تفسير ممكن من حيث المبدأ، لكنه ليس الاستنتاج الوحيد الذي تسمح به مثل هذه التحركات؛ في التخطيط الجوي العسكري، يمكن أن تؤدي الطلعات التدريبية والاستطلاعية عدة وظائف، منها اختبار مسارات الاقتراب، وتقييم ظروف الملاحة، وتدريب الطيارين على العمل لمسافات طويلة، وإظهار القدرة على الوصول إلى مناطق حساسة.
وقد يكون الهدف أيضا إرسال رسالة ردع إلى الخصم، أو دفعه إلى تشغيل راداراته ومنظومات دفاعه، بما يساعد على جمع معلومات عن أنماط عملها.
لكن إثبات أن طلعة جوية محددة كانت عملية استطلاع تمهيدية لهجوم يتطلب أدلة إضافية، مثل معلومات موثوقة عن مسار الطائرات، وطبيعة تجهيزاتها، ووجود عمليات استطلاع إلكتروني متزامنة، أو تصريحات من جهات مطلعة.
ولا يكفي مجرد اقتراب الطائرات من المجال الجوي الإيراني لإثبات أنها اختبرت الدفاعات الجوية أو كشفت مواقعها.
لماذا يعد الدفاع الجوي الإيراني عنصرا حاسما؟
تعتمد نتيجة أي حملة جوية على مجموعة متداخلة من العوامل، وليس على عدد الطائرات المشاركة وحده.
ومن أهم هذه العوامل:
- مدى قدرة الرادارات على اكتشاف الأهداف وتتبعها.
- تكامل منظومات الدفاع الجوي المختلفة.
- القدرة على مقاومة التشويش والحرب الإلكترونية.
- مدى توافر الصواريخ الاعتراضية وقطع الغيار.
- قدرة القوات الجوية المهاجمة على تنفيذ ضربات متتابعة والمحافظة على جاهزيتها.
- مدى قدرة الطرف المدافع على إعادة تشغيل منظوماته بعد تعرضها للقصف.
وتتجاوز المسألة مجرد إسقاط الطائرات؛ فقد تتمكن حملة جوية من إصابة أهداف محددة، لكنها تفشل في تحقيق أهدافها الاستراتيجية إذا عجزت عن تعطيل القدرات الصاروخية أو منع الخصم من مواصلة الرد.
لا يعني امتلاك منظومات دفاع جوي متطورة أن الدولة قادرة على منع جميع الهجمات، خصوصا عندما تواجه حملة متعددة الوسائط تستخدم الطائرات والصواريخ والأسلحة بعيدة المدى ووسائل الحرب الإلكترونية.
لذلك، فإن السؤال العسكري الأهم ليس هل تستطيع إيران إسقاط طائرات مهاجمة. إنما؛ هل تستطيع الحفاظ على قدراتها القتالية وفرض تكلفة عسكرية وسياسية واقتصادية مرتفعة على الطرف المهاجم، حتى لو تعرضت منشآتها لضربات مؤثرة؟.
ثالثا: هل تتداخل الانتخابات مع قرار الحرب؟
تأتي التطورات العسكرية الحالية في توقيت سياسي حساس، مع اقتراب الانتخابات في الكيان المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني.
هذا التزامن يفتح الباب أمام تحليل العلاقة بين الحسابات السياسية والقرارات العسكرية، لكنه لا يثبت أن أيا من الطرفين يسعى إلى الحرب لأسباب انتخابية.
نتنياهو بين الأمن القومي والضغط الانتخابي
تضع الانتخابات الصهيونية قضايا الأمن القومي في صلب المنافسة السياسية، خصوصا في ظل المواجهة مع إيران وتداعياتها الإقليمية.
ومن الطبيعي أن تؤثر التهديدات الأمنية في خطاب الأحزاب وتقديرات الناخبين، وأن يحاول المسؤولون إظهار قدرتهم على مواجهة الأخطار الخارجية.
يشير تقرير نشرته “واشنطن بوست” في 21 أكتوبر إلى أن الانتخابات تدور حول قضايا متعددة، من بينها المساءلة السياسية عن هجوم 7 أكتوبر 2023 والفساد والأمن القومي، وأن المواقف المتشددة تجاه إيران لا تقتصر على نتنياهو وحده.
من الناحية الاستراتيجية، قد يمنح التصعيد العسكري الحكومة فرصة لتقديم نفسها بوصفها الجهة القادرة على التعامل مع التهديدات الخارجية، لكنه قد يفرض عليها أيضا مخاطر كبيرة، منها إطلاق صواريخ إيرانية على الأراضي الفلسطينية المحتلة وتعطيل الحياة الاقتصادية، وتوسيع نطاق الحرب، وتأجيل الاستحقاق الانتخابي إذا ترتبت على التصعيد ظروف استثنائية.
هنا تظهر المفارقة؛ العملية التي يفترض أن تعزز صورة الحكومة الأمنية قد تتحول إلى عبء سياسي إذا كانت نتائجها محدودة أو إذا ارتفعت الخسائر البشرية والاقتصادية.
ترامب وأسعار الوقود وانتخابات الكونغرس
تبدو الحسابات الأمريكية أكثر تعقيدا، لأن أي مواجهة جديدة مع إيران قد تنعكس مباشرة على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتضخم.
وقد أعلن ترامب في 8 أكتوبر أنه لن يستأنف الهجمات على إيران قبل انتخابات 3 نوفمبر، مستندا إلى استمرار المفاوضات بين واشنطن وطهران.
لكن تقارير صحفية لاحقة أشارت إلى استمرار الاستعدادات العسكرية ووضع خطط لاحتمال استئناف العمليات بعد الانتخابات.
هذا التباين بين التصريحات السياسية والاستعدادات العسكرية لا يعني بالضرورة وجود خداع متعمد، لكنه يكشف أن الإدارة الأمريكية تريد الاحتفاظ بخيارات متعددة منها؛ التفاوض، والضغط الاقتصادي، والردع العسكري، واستئناف العمليات إذا فشلت المساعي السياسية.
أما تأثير الحرب في الانتخابات، فيرتبط بعدة عوامل، من بينها أسعار الوقود، والخسائر العسكرية، والكلفة المالية للعمليات، ومدى اقتناع الناخبين بأن الحرب تحقق أهدافا واضحة.
وقد أفادت تقارير اقتصادية في هذا السياق، بأن خام برنت تجاوز 111 دولارا للبرميل في 20 أكتوبر، وسط مخاوف مرتبطة بمضيق هرمز واستمرار التوترات الإقليمية.
رابعا: هل تستخدم واشنطن وتل أبيب التهديد العسكري أداة لحرب نفسية؟
لا يقتصر استخدام القوة في العقيدة العسكرية، على تنفيذ الهجمات؛ إذ يمكن للتهديد باستخدامها أن يؤدي وظيفة استراتيجية مستقلة؛ وتقوم استراتيجية الردع على إقناع الخصم بأن تكلفة الإقدام على فعل معين ستكون أعلى من المكاسب المتوقعة منه.
لكن هناك فرقا بين الردع والخداع الاستراتيجي.
فالردع يهدف إلى تغيير حسابات الخصم من خلال إظهار القدرة والاستعداد للرد، أما الخداع الاستراتيجي فيسعى إلى دفعه إلى اتخاذ قرارات خاطئة بشأن نيات الطرف الآخر أو قدراته أو توقيت تحركه.
وفي المواجهة الأمريكية الصهيونية الإيرانية، يمكن للتسريبات الإعلامية والتحركات العسكرية أن تؤدي وظائف متداخلة أهمها:
- دفع إيران إلى رفع مستوى التأهب واستنزاف بعض مواردها الدفاعية.
- إجبار القيادة الإيرانية على توزيع قواتها لحماية عدد أكبر من الأهداف.
- الضغط على طهران لتقديم تنازلات في المفاوضات.
- طمأنة الحلفاء بأن الولايات المتحدة مستعدة للدفاع عن مصالحهم.
- التأثير في أسواق الطاقة من خلال تغيير تقديرات المتعاملين لاحتمالات تعطل الإمدادات.
هل سبق استخدام سيناريوهات مشابهة؟
تشير التغطيات السابقة إلى أن إدارة ترامب استخدمت في مراحل مختلفة التصريحات المتغيرة بشأن إيران، بالتزامن مع الاستعدادات العسكرية والتفاوضية.
وفي أكتوبر الحالي، ذكرت “أكسيوس” بأن التصريحات الأمريكية بشأن نيات الحرب لم تكن دائما كافية لتحديد القرارات العسكرية الفعلية، مستشهدة بتجارب سابقة سبقت عمليات ضد إيران؛ لكن هذا لا يكفي لإثبات أن التحركات الحالية مجرد استعراض، أو أن الهدف منها التلاعب بأسعار النفط والأسهم.
ولإثبات تكرار نمط من الخداع، ينبغي مقارنة كل واقعة سابقة على حدة:
ما الذي أعلن؟ وما الذي نفذ فعليا؟ وما القرارات التي اتخذت خلف الأبواب المغلقة؟ وهل ظهرت أدلة لاحقة على أن التهديد كان جزءا من عملية تضليل مقصودة؟، ومن دون هذه المقارنة، يتحول التشابه الظاهري بين الأحداث إلى استنتاج غير مثبت.
خامسا: ما الذي تغير في ميزان القوة عند طهران؟
تقوم إحدى الفرضيات الرئيسية في النقاش الدائر على أن إيران أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الضربات والرد عليها، وأن أي مواجهة جديدة ستكون مختلفة عن المواجهات السابقة.
ولفهم هذه الفرضية، ينبغي الابتعاد عن المبالغة في تصوير القدرات الإيرانية، كما ينبغي تجنب التقليل من قدرتها على إلحاق أضرار بالقوات والمصالح الأمريكية والصهيونية.
فالقوة العسكرية الإيرانية لا تقاس بمؤشر واحد، بل بمجموعة من القدرات المتكاملة، تشمل الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، والدفاع الجوي، والقوات البحرية، والشبكات العسكرية الحليفة، والقدرة على مواصلة القتال في ظروف الضغط الاقتصادي والعسكري.
1. الترسانة الصاروخية
تمثل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز إحدى أهم أدوات الردع الإيرانية.
وتتيح هذه الترسانة لطهران تهديد أهداف عسكرية وبنى تحتية في نطاق إقليمي واسع، مع اختلاف المدى والدقة والحمولة والقدرة على اختراق الدفاعات من منظومة إلى أخرى.
لكن القول إن إيران تمتلك صواريخ يتجاوز مداها 2000 كيلومتر لا يكفي وحده لتقدير فعاليتها في مواجهة محددة.
فهناك فارق بين المدى النظري للصاروخ والقدرة الفعلية على استخدامه بدقة، وبين إطلاقه وإصابة الهدف، وبين إصابة هدف منفرد وتحقيق أثر استراتيجي مستدام.
كما أن نتائج أي هجوم صاروخي تتأثر بعدد الصواريخ المستخدمة، وقدرة الطرف المدافع على اعتراضها، ومدى تنوع مسارات الهجوم، وتوافر معلومات الاستهداف.
ومن ثم، فإن تقييم الخطر الإيراني ينبغي أن يعتمد على بيانات موثوقة عن الترسانة المتاحة وحالتها التشغيلية، لا على أرقام المدى وحدها.
2. الدفاع الجوي: هل حصلت إيران على أسلحة روسية وصينية غيرت المعادلة؟
تتداول الرواية محل التحليل ادعاءات بشأن حصول إيران خلال فترة الهدنة على أسلحة روسية وصينية عززت دفاعاتها الجوية، وأصبحت قادرة على إسقاط طائرات الاستطلاع بمجرد دخولها مجالها.
هذه ادعاءات مهمة، لكنها تحتاج إلى إثبات مستقل.
فالتعاون العسكري بين الدول لا يعني تلقائيا نقل أحدث المنظومات أو تسليمها بكميات مؤثرة، كما أن تسليم منظومة دفاع جوي لا يساوي تشغيلها بكامل قدراتها.
وتتطلب الاستفادة الفعلية من أي منظومة متطورة تدريب الأطقم، وتوفير الذخائر وقطع الغيار، وربطها بشبكات القيادة والسيطرة، وتأمينها ضد التشويش والهجمات المضادة للإشعاع.
ولا يمكن الجزم بأن الدفاعات الإيرانية أصبحت قادرة على إسقاط طائرات الاستطلاع بصورة تلقائية، من دون معلومات موثوقة عن المنظومات المستخدمة ونتائج الاشتباكات الفعلية.
والأهم أن قدرة الدفاع الجوي لا تتحدد فقط بامتلاك السلاح، وإنما بقدرته على البقاء والعمل في بيئة تتعرض لهجمات متكررة.
3. قدرة إيران على مواصلة القتال
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية في أي مواجهة جديدة هو مدى قدرة إيران على إعادة بناء قدراتها بعد الضربات.
فالدولة التي تستطيع الاحتفاظ بجزء من مخزونها الصاروخي، وحماية مراكز القيادة، وإعادة تشغيل منشآتها، ومواصلة إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ، قد تظل قادرة على فرض تكاليف مرتفعة على خصمها حتى بعد تعرضها لخسائر كبيرة.
في المقابل، قد تؤدي الضربات المتكررة على البنية التحتية العسكرية واللوجستية إلى إضعاف القدرة على التنسيق وإعادة الإمداد، وهو ما قد يقلل فعالية الردود اللاحقة.
وبالتالي، فإن تقييم موازين القوة يتطلب دراسة القدرة على الاستمرار، لا الاكتفاء بتعداد الأسلحة أو حجم الضربة الأولى.
سادسا: مضيق هرمز سلاح حول الحرب إلى أزمة اقتصادية عالمية
إذا كان هناك موقع جغرافي واحد قادر على نقل المواجهة مع إيران من المستوى العسكري الإقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية، فهو مضيق هرمز.
فالمضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، وأي تعطيل واسع لحركة السفن فيه يمكن أن يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤخر وصول الإمدادات، ويزيد الضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة.
وتزداد خطورة هذا الاحتمال عندما تتزامن المخاطر البحرية مع ارتفاع أسعار النفط، واضطراب أسواق الوقود، وتزايد المخاوف من استمرار الحرب لفترة طويلة.
هل تستطيع إيران إغلاق المضيق؟
تمتلك إيران أدوات متعددة لتهديد الملاحة، منها الصواريخ الساحلية، والطائرات المسيرة، والزوارق العسكرية، والألغام البحرية، والقدرات الصاروخية التي يمكن استخدامها ضد أهداف بحرية.
لكن إغلاق المضيق بصورة مستدامة يختلف عن تعطيل بعض السفن أو رفع مستوى المخاطر.
فالإغلاق الفعلي يتطلب القدرة على منع حركة الملاحة لفترة ممتدة، في مواجهة عمليات عسكرية مضادة قد تشمل إزالة الألغام، وحماية السفن التجارية، واستهداف مصادر التهديد.
كما أن تعطيل الملاحة قد يرتد على الاقتصاد الإيراني نفسه، ويزيد احتمالات تدخل عسكري أوسع، ويضع الدول المستوردة للطاقة أمام حوافز قوية للبحث عن بدائل.
ولهذا، قد يكون التهديد باضطراب الملاحة أداة ضغط استراتيجية، حتى إذا لم تتخذ إيران قرارا بإغلاق المضيق بالكامل.
هل يمكن أن يصل سعر النفط إلى 130 أو 150 دولارا؟
لا يمكن استبعاد ارتفاع أسعار النفط إذا توسعت الحرب وتعرضت الإمدادات الفعلية للاضطراب، لكن تحديد سعر معين يظل سيناريو افتراضيا وليس نتيجة حتمية. وتتوقف حركة الأسعار على عوامل عدة، من بينها:
- حجم النفط والغاز الذي يتوقف عن الوصول إلى الأسواق.
- مدة تعطل الملاحة أو الإنتاج.
- قدرة الدول المنتجة الأخرى على زيادة الإمدادات.
- حجم المخزونات الاستراتيجية والتجارية.
- اتجاه الطلب العالمي.
- مدى قدرة شركات النقل والتأمين على مواصلة العمل في المنطقة.
ويشير تجاوز برنت مستوى 111 دولارا في 20 أكتوبر إلى أن مخاطر الإمدادات كانت تنعكس بالفعل على السوق، لكنه لا يثبت أن الأسعار ستواصل الارتفاع إلى مستوى بعينه.
النتيجة الاقتصادية الأهم هي أن الحرب قد تتحول إلى أزمة طاقة حتى من دون تدمير واسع للمنشآت النفطية، إذا أصبح المرور عبر المضيق مكلفا أو غير آمن بما يكفي لتعطيل الإمدادات.
سابعا: هل تستطيع إيران شل الاتصالات الدولية؟
الكابلات البحرية تشكل العمود الفقري للاتصالات الدولية، وتنقل كميات ضخمة من البيانات التي تعتمد عليها المؤسسات المالية وشركات الاتصالات والخدمات السحابية والمنصات الرقمية.
وقد يؤدي تضرر عدة كابلات في منطقة محدودة إلى بطء الاتصالات، وارتفاع زمن الاستجابة، وزيادة الضغط على المسارات البديلة، وربما تعطيل بعض الخدمات في البلدان التي تعتمد بشدة على مسارات محددة.
لكن ذلك لا يعني أن قطع كابلات المضيق سيؤدي تلقائيا إلى انهيار الإنترنت في الشرق الأوسط أو أوروبا أو أفريقيا.
فالشبكات الدولية تعتمد على منظومات متعددة من الكابلات والمسارات، وتختلف درجة تأثر كل دولة بحسب نقاط إنزال الكابلات، والقدرة الاستيعابية للمسارات البديلة، ومدى توافر الربط البري والإقليمي.
ماذا تقول الجهات المتخصصة؟
حذرت اللجنة الدولية لحماية الكابلات البحرية من المبالغة في تقدير اعتماد الإنترنت العالمي على مضيق هرمز.
وفي بيان نشرته في مايو/أيار 2026، أوضحت اللجنة أن المضيق يمثل ممرا مهما للاتصالات الإقليمية، وأن عددا من الكابلات البحرية يمر عبره، لكنها أشارت إلى أن النسبة التي تمر عبر المضيق من إجمالي النطاق الترددي الدولي العالمي تقل عن 1%، وفق تحليل استند إلى بيانات شركة “تيليجيوغرافي”.
وأوضحت أن بعض الأرقام المتداولة تخلط بين حركة البيانات عبر مضيق هرمز وحركة الاتصالات عبر البحر الأحمر.
من هنا نستنتج أنه لا يوجد أساس كاف للقول إن قطع كابلات هرمز سيؤدي إلى انقطاع 98% من بيانات الخليج، ما لم تحدد الجهة التي أصدرت هذا الرقم، وطريقة احتسابه، والكابلات التي يشملها.
الأهمية العسكرية لهذه البنية التحتية لا ينبغي التقليل منها.
فقد يؤدي استهداف الكابلات إلى زيادة الضغط على شبكات الاتصالات الإقليمية، ورفع تكاليف التشغيل، وإرباك بعض الخدمات المالية والتجارية، خصوصا إذا تزامن مع هجمات سيبرانية أو اضطرابات في مراكز البيانات.
لكن القدرة على قطع الكابلات، والقدرة على تعطيل خدمات الاتصالات على نطاق واسع، والقدرة على إحداث انهيار طويل الأمد في الإنترنت، ثلاثة أمور مختلفة ينبغي عدم الخلط بينها.
هل تمثل الكابلات هدفا عسكريا محتملا؟
يمكن أن تصبح البنية التحتية الرقمية جزءا من المواجهة الأوسع، خصوصا إذا توسع النزاع ليشمل الهجمات السيبرانية وتعطيل الخدمات الحيوية.
غير أن أي تقييم جاد لهذا الاحتمال ينبغي أن يستند إلى معلومات موثوقة عن طبيعة التهديد، وحالة الكابلات، وبدائل الاتصال المتاحة، والقدرة على إصلاح الأعطال.
ولا يكفي تداول مقطع مصور أو تصريح إعلامي لإثبات وجود خطة عملياتية مؤكدة لاستهداف سبعة كابلات بعينها.
ثامنا: ماذا لو اندلعت المواجهة؟ ثلاثة سيناريوهات عسكرية
في ضوء المعطيات المتاحة، لا يمكن الجزم بتوقيت أي ضربة جديدة أو نتائجها. لكن يمكن بناء ثلاثة سيناريوهات تحليلية تساعد على فهم الخيارات والمخاطر.
السيناريو الأول: استمرار الضغط العسكري من دون حرب واسعة
يقوم هذا السيناريو على استمرار الاستعدادات العسكرية، ورفع الجاهزية، وتحريك القوات، وتعزيز حماية القواعد والمنشآت، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية والمفاوضات السياسية.
تصبح التحركات العسكرية في هذه الحالة، وسيلة لإقناع إيران بأن واشنطن وتل أبيب تحتفظان بخيار التصعيد، من دون تحملهما كلفة حملة جوية واسعة.
وقد تستمر الأسواق في تسعير مخاطر الحرب، فيما تحاول الأطراف استخدام الضغط المتبادل للحصول على تنازلات.
لكن استمرار الردع لا يضمن الاستقرار؛ فقد يؤدي سوء التقدير أو وقوع هجوم كبير إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة.
المؤشر الذي يستحق المتابعة؛ استمرار الاستعدادات العسكرية بالتزامن مع وجود قنوات تفاوضية فعالة وعدم ظهور أدلة مؤكدة على بدء حملة هجومية واسعة.
السيناريو الثاني: ضربة محدودة تستهدف قدرات عسكرية إيرانية
في هذا السيناريو، قد تنفذ الولايات المتحدة وإسرائيل عملية محدودة تستهدف منشآت عسكرية أو صاروخية أو بنية تحتية مرتبطة بالقدرات التي تعتبرانها تهديدا مباشرا.
وقد يكون الهدف المعلن إضعاف قدرة إيران على تنفيذ هجمات لاحقة، أو إجبارها على العودة إلى المفاوضات بشروط مختلفة.
لكن الضربة المحدودة لا تعني بالضرورة أن الرد سيكون محدودا.
فإيران قد تختار الرد على قواعد أو مصالح أمريكية في المنطقة، أو استهداف مواقع في الكيان، أو استخدام أدوات ضغط بحرية واقتصادية.
وتكمن المعضلة في أن كل طرف قد يرى رده ضروريا لاستعادة الردع، بينما يعتبره الطرف الآخر تصعيدا يستوجب ردا إضافيا.
وهكذا يمكن أن تتوسع المواجهة تدريجيا حتى لو لم يكن أي طرف قد خطط منذ البداية لحرب إقليمية طويلة.
المؤشر الذي يستحق المتابعة:
ظهور أدلة متزامنة على انتقال القوات من وضع الاستعداد العام إلى تنفيذ عمليات قتالية فعلية، بالتوازي مع تغيرات في التحذيرات الملاحية والإجراءات الأمنية الإقليمية.
السيناريو الثالث: حرب إقليمية متعددة الجبهات
هذا السيناريو هو الأكثر تعقيدا من حيث التداعيات.
فقد يؤدي هجوم واسع على إيران إلى ردود متزامنة أو متتابعة تشمل الكيان والقواعد الأمريكية والمنشآت العسكرية والمصالح الاقتصادية في المنطقة.
وقد تتأثر حركة الملاحة في مضيق هرمز، وترتفع تكاليف التأمين والشحن، وتتسع اضطرابات أسواق النفط والغاز.
كما يمكن أن تتعرض شبكات الاتصالات والبنية التحتية الرقمية لضغوط إضافية إذا دخلت الهجمات السيبرانية واستهداف المنشآت الحيوية ضمن نطاق المواجهة.
لكن الوصول إلى حرب إقليمية واسعة ليس نتيجة حتمية لأي ضربة، بل يتوقف على طبيعة الأهداف، وحجم الخسائر، وحدود الردود المتبادلة، وقدرة الأطراف على احتواء التصعيد.
المؤشر الذي يستحق المتابعة:
اتساع نطاق الهجمات إلى عدة دول، وتزايد استهداف البنية التحتية الاقتصادية، وتراجع قدرة الأطراف على ضبط الردود العسكرية عبر القنوات السياسية.
تاسعا: هل يمكن أن تكون التحركات العسكرية جزءا من لعبة الأسواق؟
هناك فرضية متداولة مفادها أن التصعيد قد يكون وسيلة للتأثير في أسعار النفط والبورصات، وان عائلة الرئيس الامريكي ومتنفذين قد تحاول تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال هذه الحركة، وأن التهديد بالحرب قد يتراجع بعد إغلاق الأسواق أو مع اقتراب عطلة نهاية الأسبوع.
وتستحق هذه الفرضية الفحص، لأن الأسواق المالية تتأثر بالفعل بالأحداث الجيوسياسية، وقد ترتفع أسعار النفط عندما يزداد احتمال تعطل الإمدادات.
لكن الانتقال من هذه الملاحظة إلى اتهام مسؤولين بتعمد افتعال التوتر لتحقيق مكاسب مالية يتطلب أدلة مختلفة تماما.
كيف تتفاعل الأسواق مع التهديد العسكري؟
عندما ترتفع احتمالات الحرب، قد يرفع المتعاملون تقديراتهم للمخاطر المستقبلية، فيزداد الطلب على بعض الأصول أو ترتفع أسعار السلع المرتبطة مباشرة بالأزمة.
وفي سوق النفط، قد ترتفع الأسعار حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في الإمدادات، لأن المتعاملين يحاولون تسعير احتمال تعطلها مستقبلا.
وقد تتراجع الأسعار لاحقا إذا انخفضت المخاطر أو ظهرت مؤشرات على نجاح المفاوضات.
لماذا لا يكفي توقيت الخميس لإثبات التلاعب؟
تعمل الأسواق العالمية وفق جداول تداول مختلفة، ولا تغلق جميع الأسواق في الوقت نفسه.
كما أن تداول العقود الآجلة للنفط والأدوات المالية المرتبطة به لا يتوقف بالضرورة وفق الإيقاع نفسه الذي تتبعه أسواق الأسهم التقليدية.
وقد تؤثر عطلة نهاية الأسبوع في توقيت بعض القرارات أو في شهية المستثمرين للمخاطر، لكن لا توجد قاعدة اقتصادية تقول إن التحركات العسكرية التي تسبقها ستكون بالضرورة خدعة أو مناورة مالية.
والأدق هو مراقبة ما إذا كانت الأخبار العسكرية تستند إلى مصادر مستقلة، وما إذا كانت التحركات الميدانية تتوافق معها، وكيف تتفاعل الأسعار مع المعلومات المؤكدة بدلا من الاكتفاء بالتكهنات.
عاشرا: ما الذي ينبغي مراقبته خلال الساعات والأيام المقبلة؟
إذا كان الهدف هو التمييز بين التصعيد الإعلامي والاستعداد الفعلي لعملية عسكرية، فإن المتابعة المهنية ينبغي أن تركز على مجموعة من المؤشرات القابلة للتحقق.
1. القرارات الرسمية المتعلقة بالموظفين الدبلوماسيين:
هل تتسع إجراءات الإجلاء لتشمل دولا إضافية؟ وهل تصدر تعليمات جديدة للمواطنين الأمريكيين؟ وما المبررات الأمنية المعلنة؟.
2. حركة القوات الجوية والبحرية:
هل تظهر أدلة موثوقة على تعزيزات جديدة أو تغييرات واسعة في انتشار القوات؟ وهل تتزامن هذه التحركات مع إجراءات أمنية وملاحية استثنائية؟.
3. التصريحات السياسية:
هل تتغير الرسائل الرسمية من الحديث عن الردع والتفاوض إلى إعلان شروط محددة لاستخدام القوة؟ وهل توجد تناقضات بين تصريحات المسؤولين والقرارات المعلنة؟.
4. التحذيرات الملاحية والجوية:
هل تصدر إشعارات موثوقة بتغيير مسارات الطيران المدني أو الملاحة البحرية؟ وهل ترتبط هذه الإجراءات بمخاطر محددة يمكن التحقق منها؟.
5. تطورات المفاوضات:
هل تستمر الاتصالات الدبلوماسية؟ وهل تظهر مقترحات عملية لخفض التصعيد، أم تتسع الفجوة بين المطالب الأمريكية والإيرانية؟.
6. أسواق الطاقة والتأمين البحري:
هل ترتفع الأسعار بالتزامن مع اضطراب فعلي في حركة السفن، أم تتحرك أساسا استجابة إلى التصريحات والتوقعات؟.
7. طبيعة الأهداف المحتملة:
هل تتحدث التقارير الموثوقة عن عملية محدودة، أم عن حملة واسعة تشمل قطاعات متعددة من القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية؟.
ولا ينبغي التعامل مع أي مؤشر منفرد باعتباره دليلا قاطعا. فالقيمة التحليلية تظهر عندما تتوافق عدة مؤشرات مستقلة، وتتسق مع معلومات موثوقة عن القرارات العسكرية والسياسية.
بين احتمال الضربة وخطر سوء التقدير
تكشف المعطيات المتاحة عن تصعيد حقيقي في مستوى الاستعدادات العسكرية الأمريكية الصهيونية، وعن استمرار المخاوف من استئناف العمليات ضد إيران؛ كما تظهر أن الحسابات الانتخابية وأسعار الطاقة تشكل جزءا من البيئة السياسية التي تتخذ فيها القرارات.
لكن هذه المعطيات لا تثبت أن الضربة ستقع خلال ساعات، ولا أن التحركات العسكرية مجرد استعراض، ولا أن هناك مخططا متعمدا للتلاعب بأسعار النفط.
والأهم أن تصريحات ترامب في 8 أكتوبر بشأن عدم استئناف الهجمات قبل انتخابات الكونغرس لا تلغي حقيقة أن تقارير لاحقة تحدثت عن إعداد خطط لعمليات محتملة بعد الانتخابات، مع استمرار الاستعدادات العسكرية. وهذا يعني أن خيار القوة لا يزال حاضرا، لكنه لا يكشف وحده موعد اتخاذ القرار أو ما إذا كان سينفذ أصلا.
أما إيران، فلا ينبغي النظر إليها بوصفها خصما يمكن تحييده بضربة واحدة، ولا بوصفها قوة قادرة على منع جميع الهجمات أو التحكم في نتائج الحرب. فموازين القوة تتحدد بمدى توافر المعلومات، والقدرة على حماية القوات، وكفاءة الدفاعات، واستمرارية الإمداد، والقدرة على تحمل الخسائر.
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة والكيان حسابات تتجاوز النجاح التكتيكي لأي عملية؛ إذ إن تدمير أهداف عسكرية لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية، وقد يؤدي الرد الإيراني إلى توسيع الحرب ورفع كلفتها الاقتصادية والعسكرية.
المفارقة الاستراتيجية أن التهديد باستخدام القوة قد يحقق أهدافه من دون حرب، لكن تكرار التهديدات والتحركات العسكرية يزيد أيضا احتمالات سوء التقدير. فقد يعتقد طرف أن خصمه لن يرد، أو يفسر إجراء دفاعيا على أنه استعداد للهجوم، أو يقرر التحرك لمنع ضربة يتصور أنها أصبحت وشيكة.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة: ليس فقط في احتمال اتخاذ قرار بشن هجوم، بل في احتمال أن تقود سلسلة من التهديدات والردود المتبادلة إلى حرب لم ينجح أي طرف في ضبط مسارها.
لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب تريدان إظهار استعدادهما العسكري، بل ما إذا كانتا ستقرران استخدام القوة، وما الأهداف التي تسعيان إلى تحقيقها، وكيف سترد إيران، وهل توجد آليات سياسية قادرة على منع التصعيد من التحول إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
حتى تتضح هذه النقاط، تبقى القراءة الأكثر انضباطا هي التعامل مع احتمال الضربة بوصفه خطرا جديا يستحق المتابعة، لا حدثا محسوما ينتظر ساعة التنفيذ.

