تتجه الحرب السودانية إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها التحركات العسكرية مع إعادة تشكيل التحالفات المسلحة والضغوط الإنسانية والتحركات الدبلوماسية، في حين أعلن فيه الجيش السوداني استعادة منطقة المزروب الاستراتيجية في شمال كردفان، توالت تقارير الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، وظهرت تحركات جديدة لتجميع القوات المساندة للجيش، لكن هذه التطورات تجري بالتوازي مع استمرار سيطرة الدعم السريع على معظم إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، وتصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة، واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.
السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد مقتصرا على الجهة التي حققت تقدما ميدانيا في الأيام الأخيرة، بل يتعلق بقدرة هذه المكاسب على تغيير ميزان الحرب، وما إذا كانت السودان تتجه نحو استعادة تدريجية لوحدة السيطرة العسكرية، أم نحو صراع أطول تتكرس فيه مناطق النفوذ المتنافسة.
تظهر المعطيات المتاحة حتى 9 أكتوبر 2026 أن الجيش يمتلك فرصا لاستثمار تقدمه في كردفان، لكن تحويلها إلى تحول استراتيجي يتطلب أكثر من السيطرة على مواقع متفرقة أو استقبال مجموعات منشقة؛ إذ يرتبط ذلك بتأمين خطوط الإمداد، والحفاظ على المواقع المستعادة، وتماسك القوات الحليفة، والتعامل مع أزمة سياسية وإنسانية باتت جزءا من معادلة الحرب نفسها.
أولا: خريطة السيطرة العسكرية
أعادت التحولات العسكرية منذ عام 2025 رسم خريطة الصراع؛ فقد استعاد الجيش السوداني الخرطوم ومناطق واسعة في الوسط، إلى جانب احتفاظه بمعظم الشمال والشرق، بينما عززت قوات الدعم السريع سيطرتها على معظم دارفور وأجزاء من كردفان، ولا تزال مناطق في جنوب كردفان مسرحا لتنافس عسكري تشارك فيه أيضا الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال.
ووفق تحليل نشرته الجزيرة في 4 أكتوبر 2026، أصبحت كردفان إحدى أهم ساحات الحرب، بعد انتقال مركز الثقل العسكري غربا عقب سقوط الفاشر بيد الدعم السريع في أكتوبر 2025.
واستنادا إلى بيانات مشروع رصد مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED، أشار التحليل إلى أن نحو 19.7% من الهجمات المسجلة خلال الحرب وقعت في إقليم كردفان، ليأتي في المرتبة الثانية بعد الخرطوم.
هذه الخريطة تكشف أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة حول العاصمة أو مؤسسات الدولة المركزية، إنها أيضا صراع على الممرات التي تربط مناطق السيطرة، وعلى قدرة كل طرف على نقل المقاتلين والوقود والذخائر، وعلى إبقاء التحالفات المحلية متماسكة في مناطق واسعة يصعب ضبطها عسكريا.
بالنسبة إلى الجيش، فإن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل السيطرة على المراكز الحضرية والمحاور الشمالية والوسطى إلى قدرة مستدامة على الضغط باتجاه الغرب، أما الدعم السريع، فيعتمد جانب مهم من قدرته على الاحتفاظ بمواقعه في دارفور على استمرار الاتصال بالمناطق المتنازع عليها في كردفان، وعلى قدرته على إعادة توزيع قواته وتجنب تطويقها في جيوب منفصلة.
ثانيا: المزروب.. مكسب ميداني أم بداية لتغيير خطوط الإمداد؟
أعلن الجيش السوداني في 2 أكتوبر، السيطرة على منطقة المزروب في ولاية شمال كردفان، بعد معارك مع قوات الدعم السريع. ونقلت الجزيرة عن متحدث باسم القوات الخاصة أن المنطقة تربط شمال كردفان بغربها، وأن السيطرة عليها تخدم هدف قطع خطوط الإمداد التي يستخدمها الدعم السريع.
وتنبع أهمية المزروب من موقعها، لا من مساحتها أو رمزيتها وحدهما. ففي حرب تعتمد على الحركة عبر مساحات جغرافية واسعة، يمكن للسيطرة على عقدة مواصلات أو ممر صحراوي أن ترفع كلفة نقل الإمدادات، وتفرض على الطرف الآخر استخدام طرق أطول أو أكثر تعرضا للاستهداف، وتحد من قدرته على المناورة بين جبهات متباعدة.
لكن ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من النتائج:
الأول- هو السيطرة على المنطقة نفسها، وهو ما أعلنه الجيش وأوردته وسائل إعلام.
والثاني- هو تعطيل بعض مسارات الإمداد، وهو أثر عسكري محتمل يتوقف على مدى قدرة الجيش على تأمين المنطقة ومحيطها ومراقبة الطرق البديلة.
أما المستوى الثالث فهو قطع الاتصال اللوجستي بين دارفور وبقية مناطق العمليات. وهذا استنتاج أكبر بكثير، ولا تثبته السيطرة على المزروب وحدها.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لنتائج العملية سيكون في قدرة الجيش على الاحتفاظ بالمنطقة، ومنع استعادتها، ومواصلة الضغط على محاور أخرى في شمال كردفان وغربها. كما ينبغي مراقبة ما إذا كانت قوات الدعم السريع ستعيد توزيع وحداتها أو تفتح طرقا بديلة بدلا من محاولة استعادة المواقع التي خسرتها مباشرة.
إذا استمر الضغط على الممرات الرئيسية وتزامن مع تقدم عسكري في مواقع أخرى، فقد يتحول مكسب المزروب إلى جزء من حملة أوسع لتقليص حرية حركة الدعم السريع. أما إذا بقيت السيطرة محصورة في المنطقة دون تغيير ملموس في الحركة العسكرية، فسيظل أثرها محدودا قياسا إلى حجم الحرب.
ثالثا: انشقاقات الدعم السريع.. ماذا تعني عسكريا؟
شهدت الأسابيع الأخيرة تقارير عن انشقاق قادة ومجموعات من قوات الدعم السريع وانضمامهم إلى الجيش. ففي 25 سبتمبر، أفادت “سودان تريبيون” بانشقاق الطيب الوحيدو، قائد مجموعة منشقة عن الدعم السريع، مع نحو 50 مقاتلا وخمس عربات مسلحة في أم درمان. وذكر التقرير أن هذه الخطوة جاءت بعد انشقاقات أخرى خلال الأشهر السابقة.
تداولت وسائل إعلام في 8 و9 أكتوبر، تقارير عن انشقاق المقدم محمد أزرق الفنجري، الذي قدم بوصفه قائد مجموعة المهام الخاصة، مع أعداد معلنة تبلغ نحو 300 عنصر و30 عربة قتالية. لكن هذه الأرقام تحتاج إلى تحقق مستقل، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها تعدادا نهائيا لقوة وصلت بكاملها إلى الجيش.
الأهمية العسكرية للانشقاقات لا تقاس بعدد الأفراد فقط؛ فخروج قائد لديه معرفة بانتشار الوحدات أو مسارات الإمداد أو شبكات القيادة قد يوفر معلومات ذات قيمة، كما يمكن أن يؤثر في معنويات العناصر التي بقيت داخل القوة، خصوصا إذا تكرر خروج القادة من الدوائر نفسها أو من مناطق قبلية واجتماعية متقاربة.
رغم ذلك فإن الانشقاق لا يعني بالضرورة انتقال وحدة عسكرية متكاملة بكل أسلحتها وعتادها إلى الطرف الآخر. فقد يختلف حجم القوة الفعلي عن العدد المعلن، وقد يحتاج المنشقون إلى إعادة تنظيم ودمج وتوفير الإمداد قبل أن يصبحوا قوة قتالية مؤثرة.
وتوجد أيضا مخاطرة معاكسة: فقد يؤدي إدخال مجموعات مسلحة متعددة الخلفيات إلى توسيع القوة البشرية المتاحة للجيش، لكنه يخلق تحديات في القيادة والانضباط وتوحيد الأهداف. ومن ثم، فإن القيمة الاستراتيجية للانشقاقات ستتحدد بقدرة الجيش على تحويلها من أحداث إعلامية منفصلة إلى مكاسب استخبارية وعسكرية منظمة.
هل انشقاق القادة يعني تفكك الدعم السريع؟
ليس بالضرورة.. فالتفكك التنظيمي يصبح أكثر ترجيحا عندما تتزامن الانشقاقات مع فقدان القيادة المركزية قدرتها على إصدار الأوامر وتنفيذها، وتراجع الرواتب والإمدادات، وانقسام الوحدات، وتزايد حالات الاستسلام الجماعي، وفقدان السيطرة على الممرات الحيوية.
أما انشقاق قائد أو مجموعة، مهما كانت أهميتها، فلا يكفي وحده لإثبات انهيار الهيكل العسكري بأكمله. وقد تتمكن القوة المتضررة من تعويض خسائرها أو إعادة توزيع قواتها أو الاعتماد على وحدات أخرى ما زالت متماسكة.
وعليه، فإن المؤشر الأكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة ليس عدد أخبار الانشقاق المتداولة، بل ما إذا كانت الانشقاقات ستتسع لتشمل وحدات متماسكة وقيادات ميدانية مؤثرة، وما إذا كانت ستنعكس على أداء الدعم السريع في ساحات القتال.
رابعا: إعادة تشكيل معسكر الجيش
تضاف إلى هذه التطورات تحركات القوات المساندة للجيش؛ إذ في مطلع أكتوبر، أعلن انضمام قوات درع الشمال إلى قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل، مع تداول رقم يبلغ نحو 10 آلاف مقاتل. ويجب التعامل مع هذا الرقم بوصفه قواما معلنا لا تعدادا مستقلا تم التحقق منه ميدانيا.
كما أن هذه الخطوة تختلف عن انشقاق مباشر جديد من الدعم السريع؛ إذ تتعلق بإعادة تجميع قوات مسلحة ضمن تشكيل حليف للجيش. وهذا التمييز مهم لفهم اتجاه التطورات بدلا من جمع جميع الأرقام في حصيلة واحدة توحي بزيادة مؤكدة في القوة المقاتلة.
وتتمثل الفرصة أمام الجيش في الاستفادة من هذه التشكيلات لتوسيع الانتشار، وتأمين المناطق المستعادة، وتخفيف العبء عن وحداته النظامية. لكن النجاح يعتمد على توحيد القيادة وقواعد الاشتباك، ومنع التنافس بين التشكيلات، وضمان ألا تتحول السيطرة المحلية إلى مراكز قوة منفصلة يصعب دمجها في بنية أمنية وطنية مستقبلا.
وتبرز هنا مسألة لا تقل أهمية عن المكاسب العسكرية: المساءلة عن الانتهاكات. فقد حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش في يونيو 2026 من أن انضمام قادة سابقين في الدعم السريع إلى الجيش لا ينبغي أن يعفيهم من التحقيق في الانتهاكات الجسيمة المنسوبة إليهم. إن استيعاب المنشقين قد يخدم هدفا عسكريا آنيا، لكن بناء استقرار مستدام يتطلب ألا تتحول إعادة الاصطفاف إلى وسيلة لتجاوز العدالة أو منح حصانة تلقائية لأي طرف.
خامسا: تساع جبهات القتال في كردفان والنيل الأزرق
لا تنحصر التطورات العسكرية في المزروب، فقد أشار تقرير الجزيرة في 4 أكتوبر إلى تصاعد العمليات في كردفان، وإلى إعلان الجيش تنفيذ هجمات ضد قوات الدعم السريع وحلفائها في مناطق من ولاية النيل الأزرق. كما تحدثت تقارير أممية عن استمرار الهجمات بالطائرات المسيرة، بما في ذلك هجوم أصاب شاحنات متعاقدة مع برنامج الأغذية العالمي في دلينغ بولاية جنوب كردفان في 3 أكتوبر، وأسفر عن مقتل سائق وتعطيل إيصال المساعدات.
وتكشف هذه التطورات عن معضلة عسكرية؛ كلما تعددت الجبهات، زادت حاجة الأطراف إلى توزيع القوات والذخائر ووسائل الاستطلاع والدفاع الجوي. وقد يؤدي الضغط على محور إلى إجبار الطرف المقابل على نقل وحدات من محور آخر، لكنه قد يفتح أيضا جبهات إضافية تستنزف القوة التي حققت التقدم.
وتزداد خطورة هذا الوضع مع توسع استخدام الطائرات المسيرة، فهذه الوسائل تتيح استهداف مواقع أو طرق إمداد من مسافات بعيدة نسبيا، لكنها تجعل المنشآت المدنية وقوافل الإغاثة والبنية التحتية أكثر عرضة للخطر. ولا يمكن استنتاج ميزان التفوق الجوي من حادثة واحدة؛ بل ينبغي تتبع وتيرة الضربات، والأهداف التي أصابتها، وقدرة كل طرف على منعها، وتأثيرها الفعلي في حركة القوات.
بالنسبة إلى الجيش، سيكون من المهم معرفة ما إذا كان قادرا على المحافظة على الضغط في كردفان من دون إضعاف جبهات أخرى. وبالنسبة إلى الدعم السريع، سيكون الاختبار هو قدرته على منع تحول الخسائر المحلية إلى سلسلة من التراجعات التي تجبره على الدفاع عن مواقع متباعدة في وقت واحد.
سادسا: الأزمة الإنسانية
لا تعني التحركات العسكرية تحسنا تلقائيا في أوضاع المدنيين؛ ففي إحاطة أممية بتاريخ 6 أكتوبر، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن مدينة طويلة في دارفور تستضيف أكثر من 700 ألف نازح، وأن عدد النازحين في إقليم دارفور بلغ نحو 5.6 مليون، وفق الأرقام التي عرضتها الإحاطة.
كما حذرت من نقص الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر، ومن ازدياد سوء التغذية في ظل ضعف التمويل وصعوبة الوصول إلى المحتاجين. وفي 5 أكتوبر، أفادت “سودان تريبيون” بأن هجوما جويا أصاب شاحنتين متعاقدتين مع برنامج الأغذية العالمي أثناء توجههما إلى كادوقلي، بعد حادث آخر أصاب مركبة مرتبطة بعملية إغاثية في المنطقة نفسها. كما أشارت إلى أن نقص التمويل قد يترك ملايين الأشخاص من دون ما يكفي من المساعدات الغذائية خلال الربع الأخير من العام.
وتضع هذه الوقائع الحرب أمام معادلة قاسية: قد يحقق أحد الطرفين تقدما عسكريا، بينما تتدهور قدرة السكان على الحصول على الغذاء والعلاج والمياه الآمنة. كما أن النزوح الواسع يغير البيئة الاجتماعية والاقتصادية للمناطق التي تستقبل النازحين، ويزيد الضغط على الخدمات المحلية، ويجعل عودة السكان مرتبطة بالأمن وإعادة الإعمار ووجود الخدمات الأساسية.
ويظل الأمن الغذائي أحد أخطر مؤشرات الأزمة. فقد حذر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) في تقاريره لعام 2026 من استمرار مستويات مرتفعة من الجوع الحاد وسوء التغذية، مع بقاء خطر المجاعة في مناطق متضررة من الحرب.
لذلك، لا ينبغي قياس نتائج الحرب بعدد المدن التي تغيرت السيطرة عليها فقط، بل أيضا بقدرة المدنيين على البقاء في مناطقهم أو العودة إليها، ووصول المساعدات، واستعادة المرافق الصحية والتعليمية، وانخفاض الهجمات على البنية التحتية المدنية.
سابعا: تحرك أميركي مصري.. هل تقترب التسوية السياسية؟
على المسار الدبلوماسي، كشف تقرير لرويترز في 5 أكتوبر عن حضور مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مناسبة في مصر شارك فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان؛ وقال بولس إن واشنطن تواصل جهودها، بالتعاون مع مصر وشركاء إقليميين ودوليين، لدفع حل سياسي للأزمة السودانية.
لكن مسؤولا كبيرا في الحكومة السودانية قال لرويترز إن لقاء البرهان وبولس كان عابرا ولم يتضمن محادثات بينهما ومن ثم، فإن الواقعة تشير إلى استمرار الانخراط الدبلوماسي، لكنها لا تثبت وجود اتفاق جديد أو اختراق في المفاوضات.
وتتمثل المعضلة السياسية في أن أي تسوية تحتاج إلى معالجة مسائل تتجاوز وقف إطلاق النار: شكل السلطة الانتقالية، وموقع الجيش والدعم السريع في المنظومة الأمنية، ومستقبل التشكيلات المسلحة، وضمانات حماية المدنيين، والمساءلة عن الانتهاكات.
كما أن استمرار العمليات العسكرية قد يدفع الأطراف إلى تحسين مواقعها التفاوضية قبل قبول التسوية. وفي المقابل، قد يؤدي استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية وتزايد الضغط الدولي إلى رفع كلفة مواصلة القتال.
لذلك، لا يكفي رصد اللقاءات الدبلوماسية وحدها لتقييم فرص السلام. المؤشرات الأهم هي ظهور مقترح معلن ومحدد، وموافقة الأطراف على آلية مراقبة، وفتح ممرات إنسانية، والتزام يمكن التحقق منه بوقف الهجمات، ثم وجود مسار سياسي يشارك فيه المدنيون ولا يقتصر على التفاهم بين القيادات العسكرية.
ثامنا: السيناريوهات المحتملة
استنادا إلى المعطيات المتاحة حتى 9 أكتوبر 2026، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية. وهي مسارات تحليلية مشروطة وليست تنبؤات مؤكدة أو احتمالات رقمية محسوبة.
السيناريو الأول: توسع مكاسب الجيش في كردفان
يتحقق هذا المسار إذا استطاع الجيش تثبيت سيطرته على المزروب ومناطق أخرى، وتعطيل بعض خطوط الإمداد، والاستفادة من المعلومات التي قد يوفرها المنشقون، مع الحفاظ على تماسك قواته النظامية والمساندة.
في هذه الحالة، قد يواجه الدعم السريع صعوبة أكبر في الحركة بين غرب السودان ومناطقه المتنازع عليها، وقد يضطر إلى إعادة توزيع قواته أو التخلي عن بعض المواقع الأقل قابلية للدفاع.
المؤشرات المبكرة: استمرار تقدم الجيش خارج المزروب، وظهور أدلة مستقلة على تعطل مسارات الإمداد، وتراجع قدرة الدعم السريع على الاحتفاظ بمواقع متقدمة، وتزايد حالات الانشقاق الجماعي المؤكد.
لكن حتى تحقق هذه المؤشرات لن يعني بالضرورة انتهاء الحرب؛ فبقاء الدعم السريع مسيطرا على معظم دارفور وأجزاء من كردفان سيجعل أي حسم شامل عملية مختلفة عن استعادة موقع أو محور.
السيناريو الثاني: جمود عسكري مع استنزاف متبادل
قد يتمكن الجيش من الاحتفاظ بمكاسبه الأخيرة دون تحقيق اختراق واسع، فيما يعيد الدعم السريع تنظيم قواته ويعتمد على طرق بديلة وعمليات متفرقة. وتستمر المواجهات في كردفان ومناطق أخرى من دون تغير حاسم في خريطة السيطرة.
في هذا السيناريو، قد يتراجع الزخم الإعلامي للانشقاقات، بينما تستمر الحرب عبر هجمات الطائرات المسيرة والقصف والاشتباكات المحلية. ويظل المدنيون الأكثر تعرضا لتبعات الاستنزاف، خاصة مع نقص الغذاء والدواء وتعطل الخدمات.
المؤشرات المبكرة: ثبات خطوط السيطرة لأسابيع، وغياب تقدم ميداني مستدام، واستمرار الضربات المتبادلة، وعدم ظهور اتفاق سياسي قابل للتنفيذ.
السيناريو الثالث: تصعيد متعدد الجبهات يترافق مع ضغط دبلوماسي
قد يؤدي استمرار الهجمات في كردفان والنيل الأزرق، مع تعثر التسوية، إلى توسيع العمليات العسكرية وفتح جبهات إضافية أو زيادة استخدام الطائرات المسيرة. وفي الوقت نفسه، قد تتكثف التحركات الدبلوماسية لفرض هدنة إنسانية أو وقف إطلاق نار.
ولا يعني هذا المسار أن التسوية ستنجح بالضرورة؛ فقد تستمر الأطراف في القتال بالتوازي مع الاتصالات السياسية، سعيا إلى تحسين مواقعها قبل التفاوض.
المؤشرات المبكرة: اتساع نطاق الضربات، وارتفاع النزوح من مناطق جديدة، وتزايد الضغط الدولي بشأن حماية المدنيين، وظهور مبادرة محددة تتضمن التزامات وآلية مراقبة.
تاسعا: مؤشرات يجب مراقبتها خلال الأسابيع المقبلة
لفهم الاتجاه الفعلي للحرب، ينبغي متابعة مجموعة من المؤشرات التي تتجاوز التصريحات العسكرية:
– المؤشر الجغرافي: هل يواصل الجيش تقدمه في كردفان، أم تقتصر المكاسب على مواقع منفردة؟
– المؤشر اللوجستي: هل تظهر أدلة مستقلة على تعطل طرق الإمداد، أم تنجح قوات الدعم السريع في استخدام مسارات بديلة؟
– المؤشر التنظيمي: هل تتكرر الانشقاقات على مستوى قادة ووحدات متماسكة، أم تبقى حالات متفرقة؟
– المؤشر العملياتي: هل تتغير قدرة الأطراف على تنفيذ الهجمات بالطائرات المسيرة أو التصدي لها؟
– المؤشر الدبلوماسي: هل تنتقل الاتصالات الأميركية والإقليمية من اللقاءات إلى مقترح معلن وآلية تنفيذ؟
– المؤشر الإنساني: هل تصل المساعدات إلى مناطق النزوح والجوع، وهل تتراجع الهجمات على القوافل والمنشآت المدنية؟
هذه المؤشرات ستساعد على التمييز بين مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل وتغير أوسع في بنية الحرب.
السودان أمام اختبار تحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار
تظهر تطورات أكتوبر 2026 أن الجيش السوداني يملك فرصة لاستثمار تقدمه في شمال كردفان، بينما تواجه قوات الدعم السريع ضغوطا ناتجة عن خسارة مواقع مهمة وتقارير متكررة عن انشقاقات داخل صفوفها. لكن لا توجد حتى الآن معطيات كافية للقول إن هذه التطورات حسمت الحرب أو جعلت نهايتها قريبة بصورة مؤكدة.
فالمكسب العسكري لا يتحول إلى نقطة تحول استراتيجية إلا عندما يترجم إلى قدرة مستدامة على السيطرة والإمداد وإدارة المناطق المستعادة، وعندما تتراجع قدرة الطرف المقابل على إعادة التنظيم والمناورة. كما أن أي انتصار ميداني لن يكون كافيا لبناء سلام مستقر ما لم تعالج أزمة النزوح والجوع، وتحم المدنيون، وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية ومحاسبة عن الانتهاكات.
السؤال الحاسم في المرحلة المقبلة ليس فقط: من يتقدم على الخريطة؟ بل: من يستطيع الحفاظ على مكاسبه، وإدارة تحالفاته، وتقليل كلفة الحرب على السكان، وتحويل التفوق الميداني إلى مسار سياسي قابل للاستمرار؟.

