في عالم يبدو فيه التاريخ كأنه مسلسل طويل لا ينتهي، كان خبر وفاة رفعت الأسد مناسبة لإعادة فتح ملف لم يندمل في ذاكرة السوريين والعرب؛ في مجزرة حماة عام 1982، التي هي بحق وصمة عار في جبين الانسانية، وذاكرة العروبة.
رفعت الأسد الذي عاش في رفاهية بمنفاه الأوروبي إلى أن فارق الحياة، لم يدفع قط ثمن ما اقترفت يداه من دماء، وظل مثالا حيا على كيفية تحول الجلاد إلى ضيف عادي في حفلات العشاء الأوروبية بينما تبقى الضحايا أغنيات تردد في الكواليس.
صورة “النواعير” التي دارت على مياه حماة يوما، باتت الآن كأنها طواحين قديمة تطحن الدم بدل الحنطة؛ تذكرنا أن التاريخ لا يمحى، وأن الوعود بعدم التكرار غالبا ما تكتب بخطوط من رصاص.
من هو رفعت الأسد وما ظروف موته؟
-شقيق المقبور حافظ الأسد، كان قائدا لسرايا الدفاع، القوة شبه العسكرية التي سميت لاحقا بالحرس الخاص.
-لعب دورا مركزيا في حملة القمع العنيفة التي شنها النظام على مدينة حماة عام 1982، والتي وصفتها تقارير حقوقية وصحفية غربية بأنها واحدة من أكثر المجازر دموية في التاريخ الحديث لسوريا.
-بعد خلافات داخل الجهاز الحاكم، غادر رفعت البلاد في منتصف الثمانينيات، متنقلا بين أوروبا ودول غربية أخرى، حيث عاش تحت حماية قانونية، من دون أن يمثل أمام أي محكمة دولية عن أدواره في تلك الأحداث.
-مات في منفاه، في مشهد يبدو كما لو أن العدالة قررت أن تأخذ راحة طويلة قبل أن تعود.
دماء على نواعير حماة – القصة باختصار
في فبراير 1982، داهمت القوات السورية وحلفاؤها مدينة حماة بعد صراع طويل مع أهلها المنتفضين ضد الظلم، في عملية عسكرية استمرت حوالي 27 يوما.
تحولت العملية العسكرية إلى عملية تدمير ممنهجة للمدينة وأهلها، عبر القصف بالمدفعية والدبابات والطيران، إلى مداهمات المنازل والإعدامات الميدانية.
المدينة، التي كانت ذات يوم موطنا لآلاف الأسر، أصبحت حقلا من الأنقاض وصدى للصرخات التي لن تنسى.
توثيق بالارقام من التقارير الاممية والصحفية الغربية
رغم حجب النظام السوري لوصول المراقبين الدوليين في حينه، تنبأت تقارير غربية ومنظمات حقوق الإنسان بأرقام مفزعة عن ضحايا مجزرة حماة:
-تقديرات أولية كتبتها صحف غربية مثل (The New York Times) أشارت لألوف القتلى في بداية الأمر، لكن مع مرور الوقت ارتفعت تقديرات الباحثين والمراقبين إلى ما بين عشرة آلاف وخمسة وعشرين الف شهيد، وفق تقديرات منظمة العفو الدولية ومصادر صحفية غربية.
-تقديرات أخرى، منها تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ترى أن العدد قد يكون بين 30,000 و40,000 شهيد، منهم آلاف المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولا حتى اليوم.
-ولم تتناول التقارير الأممية الرسمية حتى اليوم المجزرة بصفحة مستقلة في سجلات مجلس الأمن أو مجلس حقوق الإنسان، وهو ما يعكس صمتا مؤسسيا دوليا حول أحد أفظع الفصول في التاريخ الحديث للسوريين.
أسباب الصمت العربي والدولي
هنا يتقاطع التاريخ مع السياسة كأنه مشهد من فيلم سوداوي ساخر؛ حين يقدم القتل الجماعي كحل سياسي، تتدافع الدول على المنابر الدبلوماسية لتتفق في نهاية المطاف على السكوت.
في زمن الحرب الباردة وما بعدها، كانت مصالح القوى الكبرى غالبا ما تتجاوز التحلي بصراحة أخلاقية نحو أنظمة تمارس القمع باسم “الأمن والاستقرار”.
أما المستوى العربي، فكان الصمت في كثير من الأحيان محاولة لضبط النفس السياسي، أو لموازنة حسابات أقلها الخوف من تقويض الأنظمة القائمة.
والنتيجة؛ لا مجلس أممي أقام تحقيقا مستقلا، ولا محكمة دولية وجهت تهما جدية ضد المسؤولين عن الجرائم، ولا تحرك حقيقي أدى إلى مساءلة النظام عن أحداث تنطبق عليها بحسب كثير من التحليلات الحقوقية معايير جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وقفة وعبرة
ربما يكون أعمق ما يثيره استذكار مجزرة حماة اليوم، ليس فقط الألم المتكرر، بل السخرية الثقيلة في أن التاريخ نفسه لا يطيق نسيان ما جرى، بينما المعنيون عنه ينسون تماما أن العدالة في النهاية، لا تقتل مثلما قتل المدنيين في حماة.
لقد علمتنا الأحداث في القرن العشرين، خصوصا في منطقتنا أن السماح للأنظمة الدكتاتورية بالتغول على شعوبها، ليس فقط جريمة بحق الأفراد بل إرث ثقيل يورث الكراهية والألم عبر أجيال.
ولعل العبرة ليست في الانتقام بالقوة، بل في بناء مؤسسات قوية تضمن:
-المساءلة الحقيقية لكل من انتهك حقوق الإنسان.
-دولة قانون ترفع الحقوق فوق سلطة الفرد.
-مجتمع مدني قوي قادرا على مقاومة الاستبداد وسحق أساطير العدو الداخلي.
-ثقافة سياسية لا تحتفي بالقوة وحدها، بل بالعدالة والإنصاف.
السؤال الاخير والمهم ونحن نعيش هذه الذكرى الاليمة وأخواتها التي وقعت في بلداننا الاسلامية، مثل مجزرة حلبجة في العراق، هل سنبقى كشعوب في حالة انحناء امام الدكتاتوريات المدعومة غربيا، لنكمل مسلسل الذل الذي بدا في القرن العشرين؟.
هل تبقى وسيلتنا الوحيدة في مواجهة تغول المجرمين على مقدرات الامة هي السلام والموادعة والانحناء للعاصفة وانتظار الفرج؟.

