شيء في الداخل لا يهدأ.
ليس صوتا،
ولا صورة،
ولا حركة.
إنه خاطر…
يمر، ثم يمر، ثم يعود.
والقلب حي، ما دام صاحبه حيّاً.
تأتي الخواطر كما يأتي النفس.
لا تستأذن.
ولا تُرى.
ولكنها تقيم أثرها… ثم تنصرف.
قال الله تعالى: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}.
كأن الآية تضع يدها برفق على موضع البداية، وتهمس:
هنا… من هنا يبدأ الطريق.
الغزالي جعلها ساعة حرب حين تحدث مطولا عن هذا الميدان الصغير فقال:
القلب حصن، والخواطر جيوش.
ومن لم يحرس حصنه…دخلته الجيوش.
اما عند ابن تيمية فيرى في التحفة العراقية ان أصل عمل الجوارح وما تكسب هو ثمار الخواطر فيقول:
ان أعمال الجوارح كلها ثمرة لما استقر أولا في القلب،
ويثني عليه تلميذه ابن القيم في المدارج عند منزلة المراقبة فيعتبر
أصل الغفلة… من هنا.
وأصل المعصية… من هنا.
إذا؛ الخطيئة لا تطرق الباب فجأة.
تدخل أولا فكرة.
ثم ذكرى.
ثم صورة.
ثم شيء يشبه الوعد.
فإن طُردت… انطفأت.
وإن أُكرمت… أقامت.
ثم كبرت.
ثم مشت.
ثم ثمة الندم بعد العمل؛ ولاة حين مندم..
وقد رحم الله امة محمد صلى الله عليه وسلم،ـ حين لم يحاسبها على الخاطر، ولا على حديث النفس.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(تجاوز الله لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم).
لكن… من أطال الجلوس مع الخاطر، سلّمه يوما إلى الجوارح.
قال بعضهم:
دفع الخاطر أيسر… من رفع الأثر.
وقال آخر:
من ملك فكره… ملك أمره.
هنا تبدأ المراقبة.
ليست خوفًا فحسب… بل حياء.
أن يعلم أحدنا أن الله يرى ما لا يراه الناس.
أن نستحيي من نظره إلى قلوبنا، كما نستحيي من نظره إلى أفعالنا.
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾.
كان الجنيد يقول:
المراقبة علم القلب بقرب الرب.
وجاراه ابن المبارك حين قال
إذا هممتَ… فانظر؛ أيرضاه الله؟ فإن استحييت منه… فاتركه.
ومن عجيب الأمر…
أن من حفظ الله في سره، حفظه الله في علنه.
ومن أصلح خاطره، صلحت له جوارحه.
ومن صدق في خلوته، ألبسه الله نور الصدق في جلوته.
كان بعضهم يقول:
إني لأعرف معصيتي في خلق دابتي.
كأن القلب مرآة… إذا تكدّر الداخل، اضطرب الخارج.
فيا طالاب العصمة دعونا نبدأ من هنا.
من أول لحظة، من أول فكرة، فإن الله لا يسأل عن الخواطر…
ولكنه يسأل: ماذا صنعنا بها؟.
وما بين خاطر وخاطر…تكتب المصائر..
هناك، في تلك اللحظة التي لا يرانا فيها أحد، حين تمر الفكرة خفيفة، وحين نستطيع — لو شئنا — أن نطردها… أو نبقيها.
هناك يعرف العبد.
ليس عند ازدحام الطاعة، ولا عند نظر الناس، بل عند أول همسةٍ في القلب.
فإن ذكرنا الله… سلِمت. وإن غفلتنا… بدأت الرحلة الطويلة.
يا من تبحث عن عصمة في جوارحك… احرس هذا الموضع الصغير.
ففيه تبدأ الزلّة، وفيه يولد النور.
ومن راقب الله في خواطره…
لم يحتج كثيرا إلى مجاهدة جوارحه؛ لأن القلب إذا استقام… تبعته الأعضاء صامتة مطمئنة.
طوبى لقلبٍ عرف بابه، وأغلقه إلا في وجه الله.
وطوبى لعبدٍ إذا خلا بنفسه… استحيا أن يعصي من لا يغيب.
فهناك…
في سرّ السرّ، تصنع البداية.
وهناك… يكتب الطريق.

