تراجع شعبية الكيان في الغرب بعد حرب غزة وتصاعد التضامن مع فلسطين في الجامعات والأوساط الثقافية

من الجامعات إلى المكتبات وصناديق الاقتراع: كيف غيرت حرب غزة صورة الكيان في الغرب؟

تحقيق تحليلي | 23 أكتوبر 2026

لم تعد تداعيات جرائم الاحتلال الصهيوني في غزة محصورة في الخسائر البشرية والدمار الواسع، أو في المواجهة الدبلوماسية بين الكيان وخصومه؛ فمنذ أكتوبر 2023، امتدت آثار الحرب إلى الجامعات ودور النشر والمؤسسات الثقافية والانتخابات واستطلاعات الرأي في الولايات المتحدة وأوروبا، لتفتح نقاشا يتجاوز الموقف من العمليات العسكرية إلى طبيعة العلاقة مع الكيان، وحدود الدعم الغربي له، والمسؤولية الأخلاقية والقانونية للمؤسسات التي تتعامل معه.

وتقدم واقعة الروائية الأيرلندية سالي روني مثالا لافتا على هذا التحول؛ فبعد إعلان دار النشر البريطانية “فابر” وقف توريد كتبها إلى السوق البريطانية بسبب القيود القانونية المرتبطة بتعهدها توجيه عائداتها لدعم حركة “فلسطين أكشن”، ارتفعت مبيعات أعمالها بنسبة 291% خلال أسبوع، لتصل إلى 4531 نسخة، وفق بيانات Nielsen BookScan التي نقلتها صحيفة “الغارديان” في 21 أكتوبر 2026. كما أعلنت مكتبة “كينيز” الأيرلندية ارتفاع مبيعات كتبها عشرة أضعاف، وقالت إن 95% من الزيادة في الطلب جاءت من بريطانيا.

هذه الأرقام تكشف عن ظاهرة تستحق المتابعة؛ تحول قضية سياسية وقانونية إلى موضوع تضامن ثقافي وسلوك استهلاكي، في وقت باتت فيه الحرب على غزة عاملا مؤثرا في النقاش العام حول حرية التعبير والاحتجاج وحدود السلطة الحكومية.

أولا: استطلاعات الرأي تكشف تراجعا يتجاوز الخلاف على حكومة الكيان

تقدم استطلاعات الرأي أحد أكثر المؤشرات وضوحا على تغير البيئة التي يتحرك فيها الكيان داخل المجتمعات الغربية. 

 أظهر استطلاع لمركز “بيو” للأبحاث في الولايات المتحدة، نشر في يوليو 2026 أن النظرة السلبية إلى الصهاينة ارتفعت من 25% عام 2022 إلى 42% عام 2026، فيما ارتفعت النظرة السلبية إلى الحكومة من 43% إلى 62% خلال الفترة نفسها.

تكتسب هذه النتائج أهميتها من أنها تميز بين صورة الصهاينة بوصفهم شعبا وبين صورة الحكومة التي تدير الحرب والسياسة الخارجية.

تراجعت النظرة الإيجابية إلى الصهاينة من 67% في 2022 إلى 52% في 2026، بينما بقيت النظرة إلى الفلسطينيين مستقرة نسبيا؛ إذ بلغت نسبة من ينظرون إليهم بإيجابية 50% في 2026، مقابل 53% في 2022.

تكشف هذه الأرقام أن التحول الأمريكي لا يقتصر على رفض قرارات حكومة بنيامين نتنياهو، بل يمتد إلى تراجع أوسع في الصورة العامة للكيان، وإن لم يصل إلى رفضها لدى غالبية الأمريكيين. 

المؤشر الأكثر دلالة على التحول السياسي ظهر في استطلاع “غالوب” المنشور في فبراير 2026. 

للمرة الأولى منذ بدء القياس السنوي عام 2001، قال 41% من الأمريكيين إن تعاطفهم في الصراع يميل إلى الفلسطينيين، مقابل 36% يميلون إلى الصهاينة. وكانت الكفة قد مالت إلى الصهاينة في استطلاع العام السابق بنسبة 46% مقابل 33%.

ثانيا: أوروبا تتحرك من الاعتراض على الحرب إلى إعادة تقييم العلاقة مع الكيان

في أوروبا الغربية، لم تعد الانتقادات مقتصرة على المظاهرات أو مواقف الأحزاب اليسارية؛ فقد أظهر استطلاع “يوغوف” المنشور في يونيو 2025 أن النظرة السلبية إلى الكيان بلغت مستويات قياسية أو قاربتها في ست دول أوروبية شملها الاستطلاع: بريطانيا وفرنسا وألمانيا والدنمارك وإيطاليا وإسبانيا.

تراوحت نسبة من يحملون نظرة إيجابية إلى الكيان بين 13% و21% فقط في هذه الدول، مقابل 63% إلى 70% يحملون نظرة سلبية. 

يشار إلى أن ألمانيا وفرنسا والدنمارك سجلت أدنى مستويات صافي التقييم الإيجابي منذ بدء سلسلة القياس عام 2016.

أظهر استطلاع “يوغوف” في بريطانيا، المنشور في أكتوبر 2025 أن 38% من البريطانيين يتعاطفون أكثر مع الجانب الفلسطيني، مقابل 12% مع الجانب الصهيوني، وهي أدنى نسبة تعاطف مع الجانب الصهيوني منذ بداية الحرب وفق سلسلة الاستطلاعات المذكورة.

وفي استطلاع آخر أجرته “يوغوف” في أبريل 2026 بتكليف من منظمة “المساعدة الطبية للفلسطينيين”، عارض 62% من البريطانيين العمليات العسكرية الصهيونية الجارية في غزة والضفة الغربية، مقابل 13% أيدوها. وأيد 54% إنهاء صادرات الأسلحة البريطانية إلى الكيان، بما فيها المكونات المستخدمة في طائرات إف-35، مقابل 22% عارضوا ذلك.

هذه النتائج تشير إلى اتساع الفجوة بين قطاعات من الرأي العام والسياسات الرسمية، وإلى أن استمرار الدعم العسكري لإسرائيل أصبح موضوعا أكثر تكلفة سياسيا بالنسبة إلى الحكومات الأوروبية.

ثالثا: الجامعات تتحول إلى ساحة صراع على حرية التعبير والشرعية الأخلاقية

الجامعات الغربية من أبرز المساحات التي ظهر فيها أثر الحرب على غزة، فقد شهدت مؤسسات أكاديمية في الولايات المتحدة وأوروبا احتجاجات واعتصامات طلابية، ومطالبات بإنهاء الاستثمارات أو العلاقات المؤسسية المرتبطة بالكيان الغاصب، إلى جانب نزاعات بشأن المحاضرات والأنشطة الطلابية والحدود القانونية للاحتجاج.

وتشير دراسة منشورة في مجلة “Perspectives on Politics” التابعة لجامعة كامبريدج في يوليو 2026 إلى أن الحرب على غزة أدت إلى موجة احتجاجات في دول أوروبية متعددة، رافقها تصاعد في القيود المفروضة على حرية التعبير الأكاديمي والحقوق السياسية داخل المؤسسات الجامعية. 

اعتمدت الدراسة قاعدة بيانات أصلية لتحليل أنماط التعامل المؤسسي مع الأكاديميين والأنشطة المتضامنة مع فلسطين.

كما وثقت الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط، في تقرير صدر في أغسطس 2026، 28 حالة تدخلت فيها لجنتها المعنية بالحرية الأكاديمية خلال الفترة من يناير 2025 إلى مايو 2026. 

شملت الحالات 20 واقعة تتعلق بأشكال مختلفة من تقييد التعبير الأكاديمي والسياسي في بريطانيا وأوروبا، باستثناء حالتين، وكانت الغالبية الساحقة من هذه الوقائع مرتبطةبالكيان وفلسطين.

تكشف هذه الوقائع عن مفارقة داخل المؤسسات الأكاديمية؛ فبينما تنظر قطاعات من الطلاب والأساتذة إلى الاحتجاج باعتباره استجابة أخلاقية للحرب، ترى إدارات ومؤسسات أخرى أن بعض أشكال النشاط قد تتعارض مع قوانين مكافحة الإرهاب أو قواعد الانضباط أو متطلبات حماية الطلاب.

رابعا: من المقاطعة الأكاديمية إلى سوق الثقافة والنشر

لا يظهر التحول في المواقف فقط في المجال الثقافي، او من خلال التصريحات السياسية، بل أيضا في القرارات المتعلقة بالتعاون والنشر والعروض والتمويل. 

فقد أصبحت مشاركة المؤسسات والأفراد في أنشطة مرتبطة بالكيان الغاصب لارض فلسطين، أو رفض المشاركة فيها، موضوعا للنقاش داخل قطاعات من المشهد الثقافي الدولي.

تأتي قضية سالي روني في قلب هذا التداخل بين السياسة والثقافة. 

الكاتبة، التي عرفت بمواقفها المؤيدة للحقوق الفلسطينية، تعهدت بتوجيه عائدات من كتبها وأعمالها المقتبسة إلى حركة “فلسطين أكشن”.؛ وبعد أن أصبحت الحركة محظورة بموجب التشريع البريطاني، أعلنت دار “فابر” في أكتوبر 2026 وقف توريد كتب روني إلى السوق البريطانية، بموافقتها، لأن الدار قالت إنها لا تستطيع قانونيا تحويل عائدات المبيعات البريطانية إليها في ظل الظروف القائمة.

لم يشمل القرار سحب الكتب الموجودة لدى المكتبات، لكنه عرقل إعادة تزويدها عبر قنوات التوزيع المعتادة. 

جاءت النتيجة الأولية معاكسة لما قد يتوقعه المرء من تراجع الإتاحة؛ ارتفعت المبيعات بنسبة 291% في أسبوع، ونفدت نسخ في مكتبات مستقلة، فيما اتجه قراء بريطانيون إلى شراء الكتب من أيرلندا.

ترافق ذلك مع رسالة تضامن مفتوحة شارك فيها كتاب وشخصيات ثقافية، من بينهم “آني إرنو” و “زادي سميث” و “نعومي كلاين” و “آن كارسون”، عبرت عن رفض اختزال الكاتبة في موقف قانوني أو سياسي، مستخدمة عبارة:

 “سالي روني كاتبة، وليست إرهابية”.

القضية تكشف عن تحول عميق، إذ لم تعد الثقافة منفصلة عن النقاش بشأن الحرب وحرية التعبير، فقد أصبحت الكتب والأعمال الفنية والمؤسسات الناشرة ساحات تتجسد فيها المواقف السياسية، وأصبح قرار الشراء أو المقاطعة أو التعاون جزءا من نزاع أوسع على الشرعية الأخلاقية.

خامسا: لماذا لا تتحول المواقف الشعبية بالضرورة إلى سياسات حكومية؟

على الرغم من التراجع الواضح في شعبية الكيان في استطلاعات عديدة، فإن السياسات الحكومية لا تتغير بالسرعة نفسها؛ فالعلاقات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، والالتزامات الدبلوماسية، والتحالفات الاستراتيجية، والمصالح الانتخابية الداخلية، كلها عوامل تحدد هامش استجابة الحكومات للضغط الشعبي.

يظهر ذلك في بريطانيا، حيث أيدت أغلبية في استطلاع أبريل 2026 إنهاء صادرات الأسلحة إلى الكيان، بينما ظل تحويل هذا التفضيل إلى سياسة شاملة مسألة مرتبطة بقرارات الحكومة والتزاماتها القانونية والاستراتيجية. 

وفي الولايات المتحدة، تزامن تراجع التعاطف مع الكيان مع استمرار الانقسام الحزبي الحاد؛ إذ بقي الجمهوريون أكثر ميلا إلى الكيان من الديمقراطيين، على الرغم من أن استطلاعات 2026 سجلت تراجعا في مؤشرات التأييد داخل الحزب الجمهوري أيضا.

هنا تبرز ضرورة الفصل بين ثلاثة مؤشرات مختلفة: 

الرأي العام، ومواقف النخب الثقافية والأكاديمية، والقرارات الرسمية. 

فقد يتغير الأول قبل الثاني، وقد تتقدم الجامعات أو المؤسسات الثقافية في بعض صور المقاطعة على الحكومات، بينما تستمر العلاقات الرسمية رغم تزايد الانتقادات.

لا يعني ذلك أن الرأي العام بلا تأثير؛ فمع استمرار الحرب، يمكن أن ترتفع الكلفة الانتخابية للدعم غير المشروط، وتتسع المطالبات بفرض قيود على تصدير السلاح، وتزداد صعوبة الدفاع عن السياسات الصهيونية في النقاشات العامة. 

لكن تحويل هذا الضغط إلى تغييرات مؤسسية مستدامة يحتاج إلى تنظيم سياسي، واستمرارية في التعبئة، وتوافقات داخلية تتجاوز موجات الغضب الآنية.

سادسا: هل تتغير صورة الكيان أم تتغير صورة سياساتها فقط؟

تظل هذه المسألة من أكثر جوانب التحول تعقيدا؛ فبعض المؤشرات تقيس الموقف من الحكومة الصهيونية أو من الحرب، وبعضها يقيس النظرة إلى الكيان الغاصب كدولة، فيما تتعلق مؤشرات أخرى بالشعب الصهيوني أو بالحقوق الفلسطينية أو بالعلاقة مع المؤسسات الصهيونية.

تشير بيانات “بيو” لعام 2026 إلى تراجع النظرة الإيجابية إلى الحكومة الصهيونية وإلى الصهاينة أنفسهم في الولايات المتحدة. 

كما أظهر مسح شمل 36 دولة ونشره المركز في يونيو 2026 أن النظرة السلبية إلى الكيان أصبحت هي الغالبة في معظم الدول التي شملها الاستطلاع، مع تراجع إضافي في النظرة الإيجابية خلال عام واحد في دول منها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وأستراليا.

سابعا: السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة

يتوقف المسار المقبل على قدرة هذا التحول في الرأي العام على الانتقال من التعبير الرمزي إلى تغيير مؤسسي وسياسي مستدام.

السيناريو الأول: ترسخ التراجع في شرعية السياسات الصهيونية

إذا استمرت المؤشرات السلبية، فقد تتزايد الضغوط لفرض قيود على التعاون العسكري، وتصبح الشراكات الأكاديمية والثقافية أكثر خضوعا للمراجعة، وتتسع الفجوة بين الحكومات وبعض قطاعات الرأي العام. 

وسيكون المؤشر الحاسم هو انتقال المواقف من استطلاعات الرأي والبيانات الاحتجاجية إلى قرارات رسمية طويلة الأجل.

السيناريو الثاني: استمرار الانقسام والتراجع غير المتكافئ.

قد تتواصل الانتقادات في الجامعات والوسط الثقافي، بينما تحافظ العلاقات العسكرية والأمنية على قدر كبير من الاستمرارية. 

هذا السيناريو مرجح كلما بقيت المصالح الاستراتيجية أقوى من الضغوط الداخلية، أو ظل الرأي العام منقسما بشأن كيفية التعامل مع إسرائيل.

السيناريو الثالث: تراجع زخم الاهتمام مع مرور الوقت.

قد يؤدي تغير المشهد الميداني أو انتقال الاهتمام الإعلامي إلى أزمات أخرى إلى انخفاض التعبئة الشعبية، حتى لو استمرت النظرة السلبية إلى الكيان. 

في هذه الحالة، قد تبقى آثار الحرب في الذاكرة السياسية والثقافية، من دون أن تتحول جميعها إلى تغييرات مستدامة في السياسات.

لا يمكن الجزم الآن بأي من هذه المسارات. لكن مراقبة مؤشرات مثل استطلاعات الرأي المتكررة، وقرارات تصدير السلاح، واتفاقيات الجامعات، وحركة المقاطعة الثقافية، وتغير مواقف الأحزاب، ستساعد في التمييز بين موجة احتجاج مؤقتة وتحول أعمق في علاقة المجتمعات الغربية بإسرائيل.

من أزمة صورة إلى اختبار للعلاقات والمؤسسات

تكشف حرب غزة عن تراجع ملموس في مؤشرات شعبية الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين المباركة في قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية، وعن اتساع النقاش الأكاديمي والثقافي حول المسؤولية الأخلاقية وحرية التعبير وحدود التعاون مع مؤسسات الكيان. 

وتقدم قضية سالي روني مثالا على انتقال هذا النقاش إلى سوق النشر، حيث تزامن قرار وقف توريد كتبها مع ارتفاع حاد في الطلب عليها.

لكن الأرقام لا تعني أن التحول اكتمل، ولا أن المجتمعات الغربية أصبحت كتلة سياسية واحدة. فالمواقف تختلف باختلاف الدول والأجيال والانتماءات الحزبية، كما أن تراجع شعبية إسرائيل لا يترجم تلقائيا إلى تغيير في التحالفات أو السياسات الحكومية.

مع ذلك، فإن استمرار الاتجاهات السلبية في استطلاعات الرأي، واتساع النزاعات داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية، وتصاعد المطالبات بمراجعة العلاقات العسكرية، كلها مؤشرات على أن الحرب لم تعد تؤثر في صورة الكيان وحدها، بل باتت تختبر أيضا المبادئ التي تستند إليها المؤسسات الغربية في حديثها عن حقوق الإنسان وحرية التعبير والمساءلة.

وإذا استمر هذا التباعد بين السياسات الرسمية ومواقف قطاعات متزايدة من الجمهور، فقد يصبح أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تواجه الكيان في السنوات المقبلة هو كيفية التعامل مع تراجع شرعيتها في الرأي العام الغربي، حتى في الدول التي لا تزال حكوماتها تحافظ على علاقات وثيقة معها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top