(1) فَجْرُ النَّشْأَةِ
سَلامٌ عَلَى مَنْ شَيَّدَ المَجْدَ بِنْيَةً ** وَأَشْرَقَ فِي لَيْلِ الظَّلامِ ضِيَاءُ
مِئَاتٌ مِنَ الأَعْوَامِ تَمْضِي وَعِشْرُهَا ** وَذِكْرُكَ فِي طَيِّ القُلُوبِ لِوَاءُ
نَشَأْتَ بِأَرْضِ “المَحْمُودِيّةِ” يَافِعاً ** وَفِي النَّفْسِ مِنْ هَمِّ الصَّلاحِ ذَكاءُ
صَبِيٌّ بِسِنِّ الغَضِّ يَحْمِلُ أُمَّةً ** وَفِي قَلْبِهِ لِلْمُنْكَرَاتِ إِبَاءُ
يقِيمُ صُفُوفَ “السَّالِكِينَ” بِفِكْرَةٍ ** لَهَا فِي سَمَاءِ المَكْرُمَاتِ سَنَاءُ
يُنَادِي بِإِصْلاحِ القُلُوبِ وَصَوْنِهَا ** وَيُنْكِرُ مَا ضَلَّتْ بِهِ الجُهَلاءُ
إِذَا لَعِبَ الأَطْفَالُ فِي لَهْوِ عَيْشِهِمْ ** أَتَتْهُ مِنَ الرَّبِّ المَجِيدِ رِعَاءُ
يَرَى الأُمَّةَ الثَّكْلَى تُجَرِّرُ قَيْدَهَا ** فَيَهْتَزُّ مِنْ حُزْنٍ لَهُ وَبُكَاءُ
(2) التَّأْسِيسُ وَانْطِلاقُ الدَّعْوَةِ
وَيَمْضِي إِلَى “الإِسْمَاعِيلِيَّةِ” حَامِلاً ** هُمُوماً لَهَا فِي الصَّالِحِينَ وِعَاءُ
يَرَى الشَّاطِئَ المَغْصُوبَ يَرْفَلُ فِي الأَذَى ** وَيَعْلُو رُؤُوسَ الصَّابِرِينَ بَلاءُ
تُحَاطُ بِأَسْوَارِ الغُوَاةِ بِلادُهُ ** وَيَمْلَأُ أَرْجَاءَ النُّفُوسِ عَمَاءُ
فَلَمْ يَسْتَكِنْ لِلْيَأْسِ أَوْ يَرْضَ بِالخَنَا ** وَمَا هَزَّ أَرْكَانَ الرِّجَالِ بَلاءُ
وَأَقْبَلَ لِلْعُمَّالِ يَسْكُبُ رُوحَهُ ** فَيَشْرَقُ مِنْ تِلْكَ القُلُوبِ صَفَاءُ
فَبَايَعَهُ سِتٌّ مِنَ الصَّحْبِ أَقْسَمُوا ** عَلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَهْوَ رَجَاءُ
فَقَالُوا: أَتَيْنَا لِلإِلهِ بِعَهْدِنَا ** وَمَا لِسِوَى شَرْعِ الإِلهِ رَجَاءُ
فَقَامَ بِهِمْ يَبْنِي الحَيَاةَ جَدِيدَةً ** لَهَا فِي مَيَادِينِ الفَخَارِ لِوَاءُ
وَسَمَّى “إِخَاءَ المُسْلِمِينَ” تَنَاصُراً … عَلَى الحَقِّ إِذْ قَلَّتْ بِهِ النُّصَرَاءُ
فَنَامَتْ عُيُونُ الظَّالِمِينَ وَشَيَّدُوا ** بِنَاءً لَهُ فِي العَالَمِينَ بَهَاءُ
(3) شُمُولِيَّةُ المَنَهَجِ وَصِيَاغَةُ الرِّجَالِ
وَسَارَتْ بِنُورِ اللهِ تَمْضِي دُعَاتُهُ ** يَطُوفُونَ فِي الأَرْجَاءِ وَهْوَ رَجَاءُ
تَجُوبُ الفِجَاجَ دَعْوَةُ مُصْلِحٍ ** يَقُومُ بِهَا بَيْنَ الأَنَامِ لِوَاءُ
فَلَمْ يَحْبِسِ الإِسْلامَ فِي ظِلِّ مَعْبَدٍ ** وَلا عُزْلَةٍ يَأْوِي لَهَا الضُّعَفَاءُ
وَلَكِنَّهُ دِينٌ وَحُكْمٌ وَشِرْعَةٌ ** وَسَيْفٌ وَمَصْحَفٌ طَاهِرٌ وَلِوَاءُ
جِهَادٌ وَإِصْلاَحٌ وَشَرْعٌ مُهَيْمِنٌ ** وَفِكْرٌ عَنِ النَّقْصِ العَظِيمِ بَرَاءُ
وَأَقَامَ لِلأَجْيَالِ مَدْرَسَةَ الهُدَى ** تُصَاغُ بِهَا الأَرْوَاحُ كَيْفَ تُشَاءُ
رِجَالُ إِلَهٍ فِي اللَّيَالِي دُمُوعُهُمْ ** وَفِي صَهَوَاتِ المَكْرُمَاتِ وَفَاءُ
فَمِنْ كَفِّ ذِي الكَسْبِ الشَّرِيفِ أَقَامَهُمْ ** فَكَانَ لَهُمْ بَيْنَ الصُّفُوفِ بَنَاءُ
وَمِنْ نُخْبَةِ العُمَّالِ صَاغَ طَلِيعَةً ** لَهَا فِي مَيَادِينِ الكِفَاحِ مَضَاءُ
أَعَادَ لِهَذَا العَصْرِ مَجْدَ صَحَابَةٍ ** فَدَبَّتْ بِأَوْصَالِ الجِهَادِ دِمَاءُ
(4) جِهَادُ فِلَسْطِينَ وَمُؤَامَرَةُ الحَلِّ
وَلَمَّا اسْتَبَدَّ الظَّالِمُونَ بِأَرْضِنَا ** وَجَارَ عَلَى إِسْلاَمِنَا الأَعْدَاءُ
سَارُوا إِلَى الأَقْصَى لِنَصْرَةِ أَهْلِهِ ** فَلِلَّهِ فِي تِلْكَ الصُّدُورِ فِدَاءُ
فَدَكَّتْ كَتَائِبُهُمْ حُصُونَ عُدَاتِهِمْ ** فَلَمْ يُثْنِهَا خَوْفٌ وَلا لأَوَاءُ
فَدَبَّ إِلَى جَمْعِ الهُدَى كَيْدُ غَادِرٍ ** وَسِيقَ إِلَى السِّجْنِ الرَّهِينِ بَرَاءُ
وَحُلَّتْ عُرَى التَّنْظِيمِ زُوراً وَقَسْوَةً ** فَمَا هَانَ فِي جَهْدِ البَلاءِ إِخَاءُ
وَظَنُّوا بِحَظْرِ الصَّرْحِ إِطْفَاءَ نُورِهِ ** وَهَلْ يُطْفِئُ النُّورَ المُبِينَ عَدَاءُ؟
وَبَقِيَتَ وَحْدَكَ فِي المَيَادِينِ الَّتِي ** غَابَتْ بِظُلْمَةِ سِجْنِهَا الكُبَرَاءُ
أَمْسَيْتَ كَالْجَبَلِ الأَشَمِّ مُحَاصَراً ** فَمَا هَزَّ رُكْناً لِلثَّبَاتِ جَفَاءُ
حَتَّى إِذَا بَرَزَتْ لِلَيْلِكَ غَدْرَةٌ ** صَاغَتْ حَبَائِلَ كَيْدِهَا السُّفَهَاءُ
وَدَوَّى رَصَاصُ الحِقْدِ ظُلْماً مُبْغِتاً ** فَلَقِيتَ رَبَّكَ وَاليَقِينُ رِدَاءُ
فَمَضَيْتَ لِلرَّحْمَنِ حُرّاً مُصْلِحاً ** وَعَلَى ثَرَاكَ مِنَ الدِّمَاءِ ضِيَاءُ
هَابُوكَ حَيّاً إِذْ هَزَزْتَ عُرُوشَهُمْ ** وَخَشُوكَ نَعْشاً لُفَّ فِيهِ رِدَاءُ
حَظَرُوا الجَنَازَةَ أَنْ يُشَيِّعَهَا المَلَأُ ** فَحَمَلْنَ نَعْشَكَ نِسْوَةٌ وَإِمَاءُ
ظَنُّوا بِذَاكَ المَوْتِ قَتْلَ نِدَائِهِ ** فَارْتَادَ كُلَّ المَشْرِقَيْنِ ثَنَاءُ
(5) العُزْلَةُ وَالمَلَحَمَةُ الخَالِدَةُ لِلاسْتِشْهَادِ
مَا مَاتَ مَنْ بَثَّ العَقِيدَةَ فِكْرَةً ** تَلْقَى الفَضَائِلَ بَعْدَهُ أَبْنَاءُ
بَادَتْ عُرُوشُ الظَّالِمِينَ وَلَمْ تَزَلْ ** لِفِكْرِكَ الوَضَّاءِ فِينَا مَهَابَةٌ وَثَنَاءُ
سَتَظَلُّ أَعْلَامُ الهُدَى مَرْفُوعَةً ** يَشْدُو بِذِكْرِكَ فِي الوَرَى الشُّعَرَاءُ
فَعَلَيْكَ مِنْ رَبِّ السَّمَاءِ صَلَاتُهُ ** وَرِضَاؤُهُ، مَا أَشْرَقَتْ أَضْوَاءُ
وَسَتَكْبُرُ الأَجْيَالُ تَحْمِلُ مَشْعَلاً ** جُدِّدْتَ فِيهِ، وَتُشْرِقُ الشَّهَدَاءُ
نَرْجُو المَعَادَ مَعَ النَّبِيِّ وَحَوْضِهِ ** يُسْقَى السَّرَاةُ، وَتَسْتَرِيحُ لِوَاءُ
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ ** مَا غَرَّدَتْ فِي الأَيْكَةِ الوَرْقَاءُ
وَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنَوَالِهِ ** تَتِمُّ فِي خَتْمِ المَدَى الآلَاءُ

