{ففروا إلى الله..} .. الفرار من الحظوظ إلى التجريد

ليس الطريق إلى الله ازدحاما.
ولا صخبا.
ولا كثرة إشارة.

هو في أوله.. فرار.

فرار من شيء يثقل القلب..
إلى شيء يخففه.

الفرار من الحظوظ…
ليس انسحابا من العمل.

بل ارتقاء في باطنه.

أن يبقى العمل، ويغيب العامل.

أن تظهر الطاعة، ويختفي القلب خلفها.

طوبى لعبد  فر من نفسه إلى ربه،
ومن حظوظه إلى مراده،
ومن الالتفات إلى الإخلاص.

طوبى لمن عمل…ثم نسي أنه عمل.

طوبى لمن فر من الحظوظ.

الحظوظ…
تلك التي تلتصق بالنفس دون أن تشعر.

حب الذكر،  لذة القبول،  طمأنينة الشعور بالإنجاز.

راحة أن يقال: فعل.

كلها أشياء مألوفة، مستساغة،  بل مطلوبة أحيانا.

لكنها إذا سكنت القلب صارت حجابا.

قال الغزالي:
إن أخفى آفات النفس حبها لحظها من الطاعة.

والحظوظ لا تكون دائما دنيوية.

قد تكون أخطر من ذلك.

قد تكون حظ النفس من الطاعة.
من الدعوة.
من الصلاح.

وهو ما نبه إليه ابن تيمية حين قال

إن العبد قد يعمل العمل لله،  ثم يدخل عليه من حيث لا يشعر حب الرئاسة، أو لذة التأثير، أو الاعتماد على العمل نفسه.

فيصير العمل ساترا، لا موصلا.

كم من عمل صعد،  ثم توقف في الطريق.

ليس لعلة في صورته،  بل لشيءٍ خفي في باطنه.

يلتفت القلب، التفاتة صغيرة، فينظر إلى نفسه.

فإن وجد رضا الناس…اطمأن.
وإن فاته… اضطرب.

وهنا يبدأ التعب.

وليس بعد التجرد من الحظوظ إلا التجريد.

والتجريد؛ أن تعمل ولا تقيم مع العمل.
أن تمضي ولا تلتفت إلى الأثر.
أن يكون الله هو المقصود… لا ما يأتي مع الله.

قالوا:
المجرَّد من الخلق؛  هو الذي لا يزيده المدح فرحا،
ولا ينقصه الذم حزنا.

ليس لأنه قاس، بل لأنه مشغول.

فالنفس إذا ذاقت طعم الإخلاص
استوحشت من الالتفات.

فتصبح الحظوظ ثقيلة،  والثناء عبئا،  والنظر إلى النفس تعبا.

كأن القلب يقول:
دعني وشأني… دعني مع الله.

التجريد ليس انقطاعا عن الناس، ولا انسحابا من الميدان.

هو خِفّة في الداخل.

خِفّة قلب،  تحرر من الحساب، ومن المقارنة،  ومن تتبع الأثر.

يعمل العامل لله ويمضي.

فطوبى لمن عمل… ثم نسي أنه عمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top