مؤشر على توجه أمريكي نحو تسليع المقدس وتحويل الإيمان لهوية قتالية
بعد الدعم المفتوح الذي قدمه الغرب للأنظمة الانقلابية والاستئصالية في بلدان العالم الإسلامي، ووقوف غير مشروط مع الثورة المضادة للربيع العربي والدول التي قادتها، خشية وصول الاخوان المسلمين للحكم، وإعادة دورة النهوض الحضاري وعودة الإسلام لواجهة الصراع، بمواجهة الاستعمار والاستحمار الغربي، بدأت تظهر علامات عودة هذا الغرب ذاته للإرث الصليبي، بعد صعود اليمين وعودة الرمز الدينية للواجهة في الصراعات السياسية والعسكرية والإعلامية.
برز ذلك بوضوح فج مؤخرا في الولايات المتحدة الامريكية، حيث ظهر رمز “صليب الحروب الصليبية” على خوذ جنود أمريكان، في صورها شاركتها القيادة الجنوبية الأميركية، بمنشور على موقع “X” من خلال حساب رسمي للجيش الأميركي، كدعاية لنشر القوات بمنطقة البحر الكاريبي حيث ظهر بشكل واضح على خوذة جنود الكوماندوز الملثمين؛ كما ظهر الرمز على أجساد المرتزقة الذين استأجرتهم المؤسسة سيئة الصيت المدعوة بـ”مؤسسة غزة الإنسانية”.
تعود جذور هذا الرمز لما يسمى بـ”الحروب المقدسة” التي خاضها الغرب في العصور الوسطى بمنطقة الشرق الأوسط، الرمز الظاهر في الصورة هو ما يعرف بـصليب القدس (Jerusalem Cross)، مكون من صليب مركزي تحيط به أربعة صلبان أصغر، يعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي، حين اعتمدته مملكة القدس الصليبية بعد احتلال المدينة عام 1099، وهو يعكس ارتباط الرمز بالمشروع الصليبي العسكري، والذي سعى إلى شرعنة الحرب باسم الإيمان، وإضفاء القداسة على القتل والاحتلال، وتقديم الصراع باعتباره معركة خلاص لا نزاع مصالح.
اكتسب الرمز شعبيته في أوساط اليمين بأوروبا وأمريكا للدلالة على تفوق الحضارة المسيحية، ومعاداته للمسلمين، وعودته إلى الواجهة، ليست تعبيرا روحيا فرديا، بل هي علامة بصرية تستدعي تاريخا دمويا من الصراعات الأيديولوجية، الامر الذي يفتح بابا واسعا للتساؤل؛ هل نحن أمام مصادفات فردية، أم أمام تحول أعمق في اللغة الرمزية للسلطة والحروب في العالم.
صعود اليمين المسيحي
شهد الغرب صعودا ملحوظا لتيارات اليمين المسيحي القومي، خلال العقود الأخيرة، خاصة في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، توج ذلك بوصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للبيت الأبيض.
هذه التيارات لا تتعامل مع المسيحية كدين روحي فحسب، بل كمكون يعكس هوية سياسية في مواجهة عدد من القضايا الأساسية وهي؛ الإسلام، والتعددية الثقافية، والهجرة، والعلمنة.
ظهور الرمز على معدات عسكرية، يأتي ليعكس وصول هذا المناخ إلى الذروة، حيث يعمل قادة هذا التيار على إعادة إنتاج الصراع العالمي بلغة دينية قديمة ولكن بأدوات حديثة.
الامر المثير أن الرمز ظهر سابقا كوشم على جسد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، حيث تداولت منصات التواصل الاجتماعي صورا تظهر الرمز منقوشا على جسده، وبغض النظر عن الجدل الذي دار حول صحة هذه الصور أو تفسيرها، فإن المسألة الرمزية تبقى قائمة، إذ في علم السياسة الرمزية الوشم الدائم ليس زينة عابرة، بل هو تعبير هوياتي طويل الأمد، ورسالة انتماء فكري وعقائدي.

توظيف الرمز في العمل الاغاثي
ظهور الرمز لدى العاملين والداعمين لمؤسسة غزة سيئة الصيت، وهي تدعي أنها إنسانية يثير تساؤلات حساسة، فغزة ليست ساحة محايدة، بل هي ساحة صراع ديني اعلن عنه اليمين الصهيوني دون مواربة، وقد تحولت الاحداث فيها من قضية محلية إلى جرح مفتوح في الوعي العالمي، ومكانا متخما بالرموز الدينية والسياسية، وحين يتداخل العمل الإنساني مع رموز دينية لها دلالات تاريخية ضاربة بالجذور، مرتبطة بأحداث دموية، واستعمار ديني إحلالي، هنا تتآكل سردية الحياد، وتتحول الإغاثة إلى أداة نفوذ، و غطاء أيديولوجي، أو امتداد ناعم لصراع أيدلوجي عنيف.
إلى أين يتجه المشهد العالمي
استخدام الرموز الدينية في الصراعات ليس جديدا، لكنه يصبح أكثر خطورة في عالمنا اليوم، في ظل، هشاشة النظام الدولي، حيث عصر قوة الافناء الجبارة التي تمتلكها الدول الكبرى، لذلك هذا الامر يضعنا أمام عالم يعاد فيه، الدين للصراع، ويتم فيه تسليع المقدس، وتحويل الإيمان إلى هوية قتالية، والنتيجة لن تكون صدام حضارات، بل تآكل القيم الإنسانية المشتركة، وتحويل الحروب إلى طقوس مبررة.
فليس الخطر في الرمز ذاته، بل في التوقيت الذي يُستدعى فيه، والمكان الذي يستخدم فيه، والسلطة التي تروج له، فحين يعود “صليب الحروب الصليبية” إلى خوذ الجنود ومكاتب القرار، فإن التاريخ لا يستحضر بوصفه درسا، بل كسلاح.

وهذا يفرض تحديا مهما على الامة المسلمة التي يراد لها ان تبقى مستضعفة، ويفرض عليها تحييد الدين لصالح علمانية استئصالية تتآكل مراكز نفوذها في الغرب، هل سنبقى مستضعفين تحت وطأة الأنظمة التي فرضها الغرب على بلادنا، بدعوى الحفاظ على الامن وعدم الوقوع في الفوضى؟ ونرضى ان نكون عبيدا محبوسين في أقفاص ذهبية، نأكل ونشرب وننتظر الفرج!؟.

