خمسة دنانير عراقية عليها صورة صدام ماذا تفعل على طاولة ترامب؟

حين يتكلم التاريخ بورقة نقدية على مكتب ترامب

تحليل سياسي ساخر لا يخلو من جدة ونظرة لما وراء الصورة

بينما كانت الكاميرات توثق لقاء روتينيا لترامب في البيت الابيض، التقطت عيون العراقيين صورة عملة نقدية عراقية من فئة 5 دنانير على مكتب الرئيس، وعليها صورة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

في عالم السياسة، ليست كل الرسائل تقال في المؤتمرات الصحفية، ولا تكتب في البيانات الرسمية.
بعضها يرسل بورقة صغيرة… على طاولة رئيس.

ظهر على مكتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما لم يظهر في العناوين العريضة:
حدث بسيط في الظاهر، لكنه في السياسة لا يقرأ ببساطته.
فالصور في واشنطن لا تترك للصدفة، حتى لو جاءت على هيئة ورقة نقدية لم تعد تشتري شيئا في بغداد.

من الورق إلى الرسالة

العراقيون وحدهم التقطوا الإشارة بسرعة؛ لم تنشغل وسائل الإعلام الكبرى، ولم يصدر تعليق رسمي من الجانب الامريكي، لكن مواقع التواصل الاجتماعي العراقية انشغلت بأسئلة لم تكن بريئة:

ليش صدام؟
ليش الآن؟
وليش على مكتب رئيس أمريكي تحديدا؟

وهنا تبدأ السياسة لا من السؤال بل من طريقة السؤال.

فواشنطن اليوم تهدد إيران علنا بتغيير النظام، وتلوح بإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق معادلات جديدة، وتبعث بإشارات متناقضة لحلفائها، وسط هذا المشهد، تأتي ورقة صدام كأنها تقول:
“نحن نعرف كيف تنتهي الأنظمة… ونحتفظ بالصور للذكرى.”

خمسة دنانير… وخمس رسائل

في قراءة تحليلية هادئة يمكن لهذه الورقة الصغيرة أن تحمل أكثر من رسالة:

  1. تذكير بأن واشنطن لا تمحو خصومها من الذاكرة بل تؤرشفهم.
  2. إشارة إلى أن تغيير الأنظمة ليس حدثا استثنائيا بل أداة سياسية مستعملة.
  3. تلميح بأن من انتهى بالأمس قد يكون نموذجا لمن سينتهي غدا.
  4. تنبيه مبطن للنظام العراقي الحالي؛ لا تنسوا كيف سقط من كان قبلكم.
  5. ورسالة غير مباشرة لإيران؛ التاريخ موجود… والسيناريوهات محفوظة.

لكن العراقي، بطريقته الساخرة، اختصر كل ذلك بجملة واحدة:
“ها… بعد يريدون يعيدون التجربة لو شنو؟”

من بغداد إلى طاولة البيت الأبيض

الأكثر إثارة للسخرية أن هذه العملة نفسها لم تعد متداولة في العراق منذ زمن؛ خرجت من السوق كما خرج صاحب صورتها من الحكم، لكنها عادت لا إلى بغداد بل إلى واشنطن،

وكأن التاريخ قال: “اللي ما قدر يبقى بالقصور… بقى بالصور.”

في بلد مثل العراق، حيث السياسة تقرأ بين السطور أكثر مما تقرأ في التصريحات لا تمر مثل هذه اللقطات مرور الكرام.
فالعراقي الذي عاش الاحتلال، والحصار، والانقلابات، والحروب، صار يرى الرموز الصغيرة بعين أكبر من حجمها.

بين إيران وقسد العملة تتكلم

في الوقت الذي تتصاعد فيه التهديدات الأمريكية لإيران بتغيير النظام، وتلوح فيه واشنطن بإعادة ترتيب وجودها العسكري في سوريا، بل والتخلي عن قسد عند أول مفترق مصالح، تبدو ورقة صدام كأنها جزء من المشهد الإقليمي نفسه.

فالسياسة الأمريكية لا تقول دائما: “سنسقط النظام” بل تقول أحيانا: “تذكروا من سقط.”

العراقي، بخفة دمه المعروفة، علق:
“تره مو كل من طلع من الصورة… يطلع من الذاكرة الأمريكية.”

ليست نبوءة… بل ذاكرة سياسية

لا أحد يدعي أن العملة تعني قرارا وشيكا أو سيناريو مكتوبا، لكنها بالتأكيد ليست بريئة.
فالسياسة الأمريكية بارعة في استخدام الرموز حين لا تريد التصريح، وفي التلميح حين لا تريد الالتزام.

صدام على الطاولة لا يعني عودة صدام، بل يعني أن نموذج صدام لا يزال حاضرا في العقل السياسي الأمريكي كـ”حالة دراسية”
كيف تسقط الأنظمة؟
كيف تدار اللحظة؟
وكيف تعاد كتابة الرواية بعد النهاية؟

حين تبتسم السياسة بسخرية

ربما كانت الورقة مصادفة، وربما كانت مجرد “ديكور” لا أكثر، لكن في الشرق الأوسط، حيث لا شيء يحدث بلا تأويل، تحولت خمسة دنانير إلى مرآة تعكس هشاشة الأنظمة، وتقلبات الحلفاء، وازدواجية الخطاب الدولي.

وفي النهاية، يبقى السؤال العراقي حاضرا، بنبرة ساخرة موجعة:
“زين… اليوم صدام على الورقة، باجر منو؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top