حذر الدبلوماسي الأمريكي المخضرم جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق في العراق، والذي خدم في سبع إدارات أمريكية في مقال نشره في مجلة “فورين أفيرز” بتاريخ 27 اذار 2026، من احتمال أن تتحول إيران إلى فخ للولايات المتحدة، كما تحولت أوكرانيا إلى فخ لروسيا.
وأشار جيفري إلى أن الكيان ورط إدارة ترامب في حرب إيران، وجعلها في وضع مماثل للوضع الذي عليه روسيا اليوم في حرب أوكرانيا، مع استمرار طهران في إطلاق الصواريخ والطائرات على دول الخليج والكيان والقواعد الامريكية، ونجاحها في تعطيل معظم صادرات النفط وإغلاق المضيق الحيوي في المنطقة.
وأضاف؛ أن هذا الوضع أفضى إلى حالة جمود شبيهة بتلك التي تواجهها موسكو في أوكرانيا، مؤكدا أن الأسلوب العسكري التقليدي لإنهاء مثل هذا الجمود هو شن هجوم بري واسع، لكنه حذر من أن الحرب الروسية الأوكرانية أظهرت أن الطرفين بعد أربع سنوات من القتال، لم يعودا يمتلكان قوات برية كافية لشن هجمات تحسم المعركة لصالح اي منهما.
وكان معهد “آر يو إس آي” البريطاني، كشف في شباط 2022، أن خطة بوتين في أوكرانيا كانت قائمة على فرضية أن يحقق أهداف الحرب خلال أيام قليلة، ووفقا لوثائق روسية وصلت للمعهد، فإن الخطة الأصلية كانت تقوم على شن حملة صاروخية، وغارات جوية ضخمة ضد أهداف عسكرية في أوكرانيا، وقتل قيادتها والسيطرة عليها خلال عشرة أيام فقط، ما يؤدي إلى انهيار الدولة وهروب المسؤولين الحكوميين أو تصفيتهم.
هدف روسيا لم يتحقق، ولاتزال الحرب مستعرة منذ أكثر من أربع سنوات، وقد تحولت إلى حرب استنزاف طويلة لموسكو، التي تكبدت خسائر بشرية ومادية كبيرة، في حين أن أوكرانيا، رغم خسائرها الفادحة وفقدانها أجزاء من أراضيها، لا تزال متماسكة وبعيدة عن الانهيار في المواجهة.
الصحافة الامريكية التي يكرهها ترامب بشدة؛ كشفت أن الذي اوقع ادارته في هذا الفخ هو “الكيان الغاصب”، وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 22 اذار، زار رئيس جهاز الموساد ديفيد برنيع واشنطن في كانون الثاني 2026، والتقى عددا من كبار المسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي.
وبحسب التقرير؛ عرض برنيع خطة حرب على ايران، تقوم على اساس تمكن الموساد خلال أيام قليلة من تحريك المعارضة الإيرانية، وإشعال احتجاجات واسعة تتطور إلى تمرد يؤدي إلى انهيار النظام.
وذكر التقرير أن ترامب ونتنياهو تفائلا بالخطة، واعتقدا أن اغتيال القيادات الإيرانية بالتزامن مع تنفيذ عمليات استخباراتية مكثفة، سيؤدي إلى انتفاضة شعبية واسعة تنهي الحرب سريعا.
رابط
https://www.nytimes.com/2026/03/22/world/middleeast/israel-iran-war-mossad-trump-netanyahu.html
بدأت الحرب بناء على هذا السيناريو الوحيد، دون ان يكون لدى من شنها خطة بديلة!، حيث افتتحت باغتيال المرشد الايراني وكبار القادة الإيرانيين؛ إلا ان الحرب لم تشهد أي مؤشرات على انهيار النظام أو اندلاع انتفاضة شعبية، الامر الذي كشف للمخطط الامريكي الخلل في التقديرات.
عدم وجود خطة بديلة دفع أمريكا إلى الارتجال في ادارة الحرب، بحسب توم نيكولز، أستاذ شؤون الأمن القومي في كلية الحرب البحرية الأمريكية، الذي قال في مقال نشره في مجلة ذا أتلانتك في 20 اذار، إن الخطة الأمريكية كانت تقوم على توجيه ضربة ساحقة تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني سريعا، دون وجود خطة بدلية في حال فشل السيناريو.
ومن هنا؛ فإن ادارة ترامب وقعت في خطأ استراتيجي بسبب الوهم الذي اشار اليه نيكولز، فتوجهت للحرب بناء على سيناريو في ذهن المخطط، يفترض فيه ان الخصم سيتصرف وفق اتجاه محدد، ويبني استراتيجيته على هذا الافتراض، متجاهلا القاعدة الأساسية في علم التخطيط العسكري التي تنص على ان بناء خطة المعركة يستند الى قدراتك؛ وبناء على تقديرك لقدرات عدوك؛ لاعلى ما تتمنى أن يفعله، وهذا عين ما وقع فيه بوتين، وكرره ترامب.
رابط
https://outsidethebeltway.com/iran-war-roundup/?utm_source=chatgpt.com
الحرب فشلت وأعادت تشكيل بيئة الصراع
تجارب الحرب في فيتنام قديما، والعراق حديثا، اثببت أنه في الحروب الحديثة نادرا ما تسير الأحداث كما يرسم لها في غرف التخطيط، وما حدث في الحرب على ايران يشير إلى أن هذا السيناريو لم يكن سوى تصور نظري اصطدم بواقع أكثر تعقيدا.
فبدلا من انهيار الدولة الايرانية او النظام، أعادت إيران تنظيم نفسها بسرعة وبدأت في توسيع نطاق الصراع، وهنا اقتبس عبارة وردت في تحليل صادر عن مؤسسة (RAND Corporation) يشير إلى أن:
“الأنظمة التي تمتلك أجهزة أمنية متماسكة، وشبكات نفوذ إقليمية، لا تنهارعادة تحت الضغط الخارجي السريع، بل تميل إلى التكيف والتصعيد”،
هذا ما حدث بالضبط؛ الرهان على الانهيار السريع للنظام فيما يتجاهل طبيعة الدولة الإيرانية نفسها.
الضربات الجوية المتواصلة والمستمرة والساحقة، أظهرت ابتداء وكأن الولايات المتحدة والكيان يحققان إنجازات عسكرية كبيرة، بضرب آلاف الأهداف التي تم تدميرها خلال أيام، بدعم من تقنيات الذكاء الاصطناعي متقدمة.
لكن، القيمة الاستراتيجية للأهداف بدأت تتراجع مع مرور الوقت، وبعد استهداف الأهداف الأكثر أهمية في المراحل الأولى، تحولت الاستهدافات لاحقا الى اهداف تكتيكية، واثبتت أنه في الحروب الحديثة يمكن تحقيق تفوق عسكري دون تحقيق نصر ناجز، وهو ما تؤكده دراسة تحليلية صادرة عن مركز (Center for Strategic and International Studies) ذكرت أن
“القوة الجوية مهما بلغت كثافتها، نادرا ما تكون كافية لتحقيق أهداف سياسية دون مرافقة استراتيجية متكاملة”،
فالفشل لم يكن في الضربات وإصابة الاهداف، بل في تحويل هذه الضربات إلى نتائج استراتيجية قابلة للاستثمار.
مضيق هرمز نقلة نوعية في مسار الحرب
إذا كانت الضربات الجوية تمثل المرحلة الأولى من الحرب، فإن إغلاق مضيق هرمز يمثل لحظة انتقالها إلى مستوى صادم للمخطط الامريكي، هذا التحول هو ما يمكن ان نصطلح عليه بـ”استراتيجية نقل العبء” التي اتبعتها إيران، حيث يقوم الطرف الأضعف عسكريا بنقل تكلفة الحرب إلى النظام الدولي ككل.
وبالفعل، لم تعد الحرب تدور فقط بين أطرافها المباشرين بل أصبحت؛ أزمة طاقة عالمية، وضغطا على الأسواق المالية، وعامل اضطراب في سلاسل الإمداد.
ومع تعثر الحسم دخلت الحرب مرحلة “التصعيد التراكمي”، فـ “التصعيد التدريجي دون استراتيجية خروج واضحة قد يحول أي صراع محدود إلى مستنقع طويل الأمد”.
وأخطر مراحل النزاعات ليست بدايتها، بل المرحلة التي يفقد فيها صانع القرار القدرة على التراجع دون كلفة سياسية مرتفعة، وهنا تتشكل ما يمكن تسميته بـ”ديناميكية التصعيد الذاتي”، حيث تستمر الحرب ليس لأنها تحقق أهدافها، بل لأن التراجع أصبح مكلفا.
فإيران لم تتصرف كطرف في موقع الدفاع فقط، بل كفاعل يعيد تشكيل مسار الحرب، وهو تصرف جاء على خلاف التوقعات، الامر الذي منحها أدوات جديدة للمقاومة، بدلا من أن تضعفها، إذ أن الدول التي تمتلك أدوات غير تقليدية؛ مثل الشبكات الإقليمية أو السيطرة على ممرات حيوية، يمكنها تعويض ضعفها العسكري التقليدي، وهذا ما يفسر كيف تحولت إيران من هدف للهجوم إلى طرف يمتلك قدرة على فرض كلفة عالمية على الخصوم.
وبذلك لم تعد الحرب تقاس بعدد الضربات فقط، بل بتأثيرها على الاقتصاد العالمي، وإغلاق مضيق هرمز أدى إلى اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة، مع تداعيات امتدت إلى التضخم العالمي، فالحروب الحديثة لا تحسم بالقوة النارية فقط، بل في الأسواق المالية، وهذا يعني أن ميزان القوة لم يعد عسكريا فقط، بل اقتصادي استراتيجي متعدد الأبعاد.
في تحليل لصحيفة (The Economic Times) ورد توصيف لافت:
“الولايات المتحدة ربما دخلت ما يمكن وصفه بالفخ الإيراني، حيث تتحول الحرب القصيرة إلى التزام طويل ومكلف”.
رابط
ويعزز هذا الطرح تعليق السيناتور كريس مورفي على منصة (X)، حيث قال:
“نحقق نجاحات تكتيكية، لكننا نفتقد استراتيجية واضحة”.
رابط
وهنا لابد أن نشير الى أن الحرب ولّدت أزمة اثارها تتجسد في بنية النظام الدولي، بعيدا عن الساحات التي تدور فيها الضربات، حيث بدأنا نشهد تآكلا في النظام القائم على القواعد، وتصاعدا لخطاب القوة بدل القانون وإعادة اصطفاف القوى الدولية، كما أن الحرب باتت الحرب تعزز سردية الصين التي تقدم نفسها كبديل مستقر للنموذج الأمريكي.
هذا التباين بين التكتيك والاستراتيجية هو ما يحدد غالبا مآلات الحروب، فواشنطن وضعت نفسها أمام معضلة عويصة؛ التصعيد يعني التورط، والانسحاب يعني الخسارة، والتفاوض يعني التنازل، فلم يعد السؤال لدى ادارة ترامب كيف ننتصر، بل كيف نخرج بأقل الخسائر.
حرب تعيد تعريف نفسها
ما بدأ كحرب تهدف إلى تغيير النظام الايراني، تحول إلى صراع يعيد تعريف قواعد القوة في النظام الدولي، إيران لم تنهر والحرب لم تحسم والاقتصاد العالمي دخل المعركة، وبين هذه التحولات يبقى السؤال الأكثر إلحاحا؛ هل تستطيع قوة عظمى الخروج من حرب لم تعد تتحكم في مسارها؟ أم أن التاريخ يعيد نفسه .
وتتفق عدة تحليلات غربية على نقطة مركزية هي؛ غياب استراتيجية واضحة للحرب، حيث باتت لها؛ أهداف متغيرة (من إسقاط النظام إلى فتح المضيق)، واعتماد على تكتيكات دون إطار استراتيجي، وغياب خطة بديلة، وتحذر من أن هذا النمط يشبه تجارب سابقة مثل فيتنام والعراق، حيث أدى التفوق العسكري إلى فشل سياسي طويل الأمد.

